تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نزاعات ومواجهات مُستعرة "النصر المستحيل" في حروب الطوائف والأقليات

السُـنّة والشيعة

مواطن عراقي يتفقّد الدمار الذي لحق باحد مساجد السنة في بغداد عقب تصاعد النزاع الطائفي بين السنة والشيعة نهاية عام 2006.

(Keystone)

النغمة السائدة في كل المنطقة العربية على إيقاع الحروب الأهلية في هذه الفترة، انطلاقا من السودان في أطراف إفريقيا وحتى سوريا والعراق في قلب غرب آسيا، هي مفردات التقسيم والتفتيت والإنفصال. ولا حديث للناس الآن، سوى عن نهاية حقبة سايكس بيكو وبدء رسم خريطة جديدة للوحة الشرق الأوسط، تطرزها دويلات طائفية أو عرقية جديدة، وتكون الدولة (أو الدول) الكردية هي درة التاج فيها. كما تتحوّل معها الدولة الطائفية اليهودية في فلسطين إلى القاعدة، بدل أن تكون الإستثناء. 

على إيقاع هذه النغمة السائدة، يرقص الجميع الآن، إنطلاقاً من قناعة راسخة بأن التقسيمات والانفصالات آتية لا ريب فيها، لكونها القابلة القانونية الوحيدة للتاريخ الشرق أوسطي الجديد، الذي يشق طريقه هذه الأيام كسيل دافق في كل أنحاء المنطقة. فمَن في وسعه بعدُ أن يقول إن سوريا ستعود دولة واحدة موحدة عقب انتهاء الحرب الأهلية الراهنة فيها، بعد أن أعاد العلويون والسُنّة رسم العلاقات بينهم بالحديد والنار والبراميل المتفجرة، ناسفين بشطحة قلم كل الرومانسيات القومية العربية والأحلام الوردية الوطنية السورية؟ ومَن في مقدوره بعد أن يقول بأن السُنّة والشيعة في العراق لا يزالون في وارد العيش في وطن عراقي واحد، بعد أن تحقق التطهير الطائفي تقريباً في بغداد ومناطق أخرى، وتم إستئناف معارك معاوية وعلي بن أبي طالب، وكأنها توقفت بالأمس فقط؟

الشيعة العراقيون، أو على الأقل العديد منهم، يهتفون الآن "الشعب يريد عودة المهدي". والسُنّة العراقيون، أو على الأقل العديد منهم، يصرخون "الشعب يريد عودة الخليفة السُنّي". وبالطبع، المصالحة بين المهدي المفترض أنه سيقرّر العودة للانتقام وبين الخليفة السُنّي المصمّم على قتله بصفته منازعاً له على السلطة، أمر محال.

في السودان، حقق الجنوبيون حلمهم الانفصالي وأقاموا دولتهم، على رغم أنهم يبدون نادمين الآن على ما فعلوا. وفي اليمن، قد لا يطيل الحوثيون والجنوبيون الانتظار كثيراً للحصول على حصص عبر الترتيبات الديمقراطية، فيندفعون إلى شق طريق الانفصال بالقوّة. وفي لبنان، ستكون معجزة إذا ما توقفت مباضع التقسيم في سوريا والعراق، ولم تستطع داعش والنصرة والعلوية السياسية والمارونية السياسية، دفع بلاد الأرز إلى الفرز الطائفي الجغرافي المذهبي والطائفي. وقل الأمر نفسه حيال بعض الدول الخليجية، مثل البحرين والسعودية، وربما أيضاً عُمان والكويت.

أمران خطيران

الموضة إذن، هي للانفصالات أو لـ "تقسيم التقسيم"، كما يحلو للبعض أن يقول. لكن هذه الموضة على قوتها، تغفل أمرين خطيرين للغاية: الأول، أنه حين الحديث عن نهاية اتفاقات سايكس بيكو، يتم تجاهل الحقيقة بأن هذه الترتيبات البريطانية - الفرنسية التي وُضعت في بدايات القرن العشرين، حلّت مكان ترتيبات عثمانية، وقبلها امبراطورية عربية ورومانية وفارسية، كانت فيها المناطق نفسها التي نشأت فيها "الدول - الأمم" الجديدة متعايشة في كيانات متشابهة تقريباً. فكانت هناك مثلاً، ولاية الشام وولاية عكا وولاية بيروت وولاية الموصل وولاية بغداد.. إلخ.

بكلمات أوضح، على رغم أن اتفاقات سايكس - بيكو وضعت على الرف هدف الوحدة العربية، أو فكرة توحيد كل هذه المناطق في دولة - أمة واحدة، إلا أنها في الواقع لم تخلق خرائط جديدة بقدر ما أدخلت تعديلات على حدود الولايات العثمانية والإمبراطورية السابقة. الفارق الوحيد أن باريس ولندن حلّت مكان اسطنبول بصفتهما المرجعية القانونية والأمنية لهذه "الولايات" الجديدة.

إدراك هذه المسألة مهم كوسيلة لمحاولة استشراف المآل الذي قد تسير إليه أحاديث الانفصالات الرّاهنة في المنطقة. فالبوصلة هنا تشير إلى أنه مهما تشظت دول سايكس بيكو الراهنة، ستكون الولايات أو الدول الجديدة محكوم عليها بالتعايش مجددا، سواء في صيغ ثنائية أو ثلاثية أو في إطار اتحاد كونفدرالي ما، على نمط الجامعة العربية أو فدرالي على طراز الاتحاد الأوروبي، إلا بالطبع إذا ما قرر سكان هذه المناطق إبادة بعضهم البعض كـ "حل نهائي".

وهذه بديهية تؤكّدها المعطيات التاريخية التي يشير معظمها إلى أن خيار العنف قصر على أقلية ضئيلة في المجتمع. وهذا يصح أكثر ما يصح على الصراع المذهبي الرّاهن في المنطقة، حيث أن استحالة النصر النهائي لأحد الطرفين ستدفع في لحظة ما الأكثرية فيهما إلى الضغط من أجل الوصول إلى تسويات وحلول وسط، أو حتى إلى إعلان ثورة الدِّين على السياسة والطائفية والمذهبية، وهذا ما أكده استطلاعان أجرتهما مؤخراً مؤسسة غالوب وأشارت فيهما إلى أن "مستوى التديُّن انخفض مؤخراً في الشرق الأوسط" بفعل الأحداث الدامية الأخيرة، خاصة في سوريا والعراق ومصر، وأن الغالبية العظمى من 13 ألف شخص تم استطلاع آرائهم في دول المشرق العربي، أبدت رفضاً قاطعاً لكل حركات التطرف الديني والأصولي.

مرحلة عابرة

أجل. لافتات التقسيم والانفصال ترفرف عالية هذه الأيام في كل مكان من المنطقة. لكن هذه على الأرجح ستكون مرحلة عابرة، وإن بدت دموية للغاية، للسبب الجوهري الذي أشرنا إليه، وهو استحالة النصر لدى أي من أطراف الصراع، واستحالة عزلة أي من الكيانات الجديدة التي قد تظهر، بما في ذلك حتى الكيان الكردي، طالما أن أحداً في الغرب لن يكون مستعداً لتمويل عزلة على النمط الإسرائيلي بآلاف مليارات الدولارات.

فالشيعة مهما فعلوا، لن يستطيعوا التحوّل من أقلية في العالم الإسلامي (نحو 10 في المائة) إلى أغلبية من خلال "تشييع" السُنّة، خاصة بعد أن فشلت الدولة الإسلامية الإيرانية في التحوّل إلى نموذج جذّاب لباقي شعوب المنطقة، على الصُّعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على رغم إنجازاتها في مواجهة إسرائيل.

وفي المقابل، لن يستطيع السُنّة، مهما فعلوا، أن يعيدوا الشيعة إلى قفَص الخمود والإقصاء، بعد أن ذاقوا طعم السلطة في إيران والعراق ولبنان للمرة الأولى منذ سقوط الإمبراطورية الفاطمية مع وفاة الخليفة العاضد الفاطمي عام 1171.

ثم: ثمة شكوك قوية بقدرة أي دول طائفية جديدة، سواء أكانت علوية أو درزية أو مسيحية أو سُنّية أو حتى كردية، بالبقاء على قيد الحياة اقتصادياً واستراتيجيا، أو بأن لا تغرق في حروب دموية حدودية لا نهاية لها قد تتحوّل إلى حروب إبادة، في غياب ترتيبات دولية - إقليمية تقر وتفرض وتحمي الترتيبات التقسيمية الجديدة في المنطقة، وهي ترتيبات لا تبدو البتة في الأفق الآن.

أحاديث التقسيم والتفتيت، على واقعيتها وراهنيتها، لن تكون الحل، لا السعيد ولا غير السعيد لـ "الشرق الأوسط الجديد والعتيد"، لا بل هي لن تكون حلاً على الإطلاق، لأن حروبها الأهلية لن تكون قادرة على أن تصبح القابلة القانونية لتاريخ جديد (كما هو دور الحروب الأهلية في دول العالم الأخرى)، بل هي في الواقع ستكون إعادة إنتاج تاريخ عمره 1300 سنة لم يُحسم فيه أي شيء في المنطقة، لا بل العكس كان صحيحاً، حيث تهاوت الحضارة العربية - الإسلامية تحت ضربات الانقسامات الداخلية، قبل أن تتعرَّض إلى الاجتياحات الخارجية، وغرقت في مستنقعات الجمود والتخثر الداخلي.

هذه الحقيقة لا تبدو حتى الآن واضحة في أذهان الأطراف المتحاربة والمتصارعة. بيد أن إدراكها ضروري لإطلاق شرارة وعْي جديد في المنطقة، يقوم على العقل والعقلانية والتضامن والعيش السلمي المشترك، بدل جنون الغرائز والتناحر والإنتحار المشترك. 

×