Navigation

هل سيُغيّر التقرير الأممي حول حقوق الإنسان في سريلانكا سياسة اللجوء السويسرية؟

أكد تقرير جديد صادر عن الأمم المتحدة أن حكومة الرئيس السريلانكي غوتابايا راجاباكسا (في وسط الصورة الملتقطة يوم 3 مارس 2021 في العاصمة كولومبو) استخدمت الأزمة التي نجمت عن جائحة كوفيد ـ 19 لتبرير "القيود المفرطة أو التعسّفية" على حرية التعبير وتأسيس الجمعيات، وأشار إلى وجود خطاب تمييزي متزايد ضد أقليّتيْ التاميل والمسلمين في البلاد. Keystone / Chamila Karunarathne
هذا المحتوى تم نشره يوم 23 مارس 2021 - 14:44 يوليو,

أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً يُعرب فيه عن قلقه الشديد إزاء ما آلت إليه الأمور فيما يتعلق بحقوق الإنسان في سريلانكا، كما يدعو حكومتها إلى العمل بالتوصيات الصادرة عنه.  

صدر القرار الذي تمت المصادقة عليه يوم 23 مارس الجاري بأغلبية 22 صوتا (مقابل 11 صوتوا ضده وامتناع 14 عن التصويت) والذي أعرب المجلس من خلاله "عن عميق قلقه إزاء التوجّهات التي لوحظت خلال العام الماضي" في سريلانكا، والتي "تهدد بالسير في اتجاه معاكس للتقدم الكبير لكن المحدود المُسجّل في السنوات الأخيرة".

جاء هذا الموقف على إثر تقديم تقارير دامغة للمجلس - الذي يتخذ من جنيف مقرا له - لا تؤكد حالة الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة المرتكبة خلال الحرب الأهلية في سريلانكا فحسب، بل وازدياد الانتهاكات لحقوق الإنسان منذ انتخاب الرئيس غوتابايا راجاباكسا في نوفمبر 2019. وقد أيّدت سويسرا التي تؤوي جالية سريلانكية كبيرة هذا القرار.

ولكن هل سيكون لهذا التأييد تداعيات على سياسة اللجوء المتبعة من قبل السلطات السويسرية؟ وهل سيُحدث صدور هذا التقرير تغييرات تُسهم في الحد من انتهاكات حقوق الإنسان المُرتكبة في سريلانكا؟

على إثر الحرب الأهلية في سريلانكا، تشكْلت حكومة مؤيدة للأغلبية السنهالية ومعادية لحركة "نمور تحرير إيلام التاميلية" التي تقاتل من أجل وطن منفصل للأقلية من السكان التاميل في شرق وشمال البلاد. ودارت رحى الحرب قرابة خمسة وعشرين عاماً وارتُكبت خلالها انتهاكات جسيمة يمكن اعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أسفرت عن سقوط ضحايا من الجانبيْن. وكانت حركة نمور تحرير إيلام التاميلية قد لجأت في قتالها إلى العمليات الانتحارية وتجنيد الأطفال. وعلى إثر ذلك، استخدمت الحكومة، خاصة في المراحل الأخيرة من الحرب، أساليب وحشية، حيث تمت إبادة عشرات الآلاف من المدنيين التاميل. ويعتبر الكثيرون الرئيس الحالي غوتابايا راجاباكسا، الذي كان وزيراً للدفاع خلال الحرب، الرجل المسؤول عن إصدار الأوامر بتنفيذ الهجوم الأخير على معاقل التاميل الذي أدى إلى وضع حد نهائي للحرب الأهلية.

منذ ذلك الحين، قدمت الحكومات المتعاقبة وعوداً بشأن مُساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وتقديمهم إلى العدالة، ومنح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذه الحكومات المزيد من المُهَل الزمنية للقيام بذلك. وشاركت حكومة مايثريبالا سيريسينا السابقة، المنتخبة في عام 2015، في رعاية قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي حدّد خارطة طريق لتحقيق العدالة في المرحلة الانتقالية. إلا أن إجراءات متابعة هذه المسألة كانت قليلة. وقد انسحبت الحكومة الحالية من الالتزام بالقرار قائلة إنها ستنفّذ قراراتها الخاصة بها.

في هذا الصدد، يقول كاناناثان راجغانا، العضو في الشتات السويسري للتاميل والذي يرأَس منظمة حديثة العهد وغير حكومية تقوم بالضغط على الأمم المتحدة في قضايا متعلقة بحقوق الإنسان، إن الحكومة السريلانكية كانت تماطل في طلب المزيد من المُهَل الزمنية حتى تتمكّن خلال هذه المُهَل من إزالة الأدلة المتعلّقة بالجرائم المُرتكبة.

تحذير من المزيد من الانتهاكات

في ضوء تقرير عُرِض في جلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف عُقدت في 24 فبراير من هذا العام، قالت ميشيل باشليه، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن "المبادرات والجهود المحلية التي من شأنها أن تكفل تحقيق العدالة للضحايا وتعزيز المصالحة بين أطراف النزاع قد باءت بالفشل مرات عديدة". وأضافت أن "كلا من الأنظمة والهياكل والسياسات إضافة إلى الأفراد الذين لعبوا في الماضي دوراً في حصول مثل هذه الانتهاكات الجسيمة هي عناصر ما تزال اليوم قائمة - وجرى تعزيزها في الآونة الأخيرة". وتقول باشليه إن الأشخاص المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لا يزالون في مناصب السلطة، وأن هناك عسكرة متزايدة للفضاء المدني. وتضيف: "يتم استبعاد وتهميش التاميل والأقليات المسلمة عبر خطابات التحريض القائمة على التمييز والمثيرة للشقاق والتي يقوم بها أيضاً كبار مسؤولي الدولة"، على حدّ قولها.

وخلُصت باشليه إلى دعوة مجلس حقوق الإنسان "للعمل على تقصّي سبُل جديدة للنهوض بمختلف أنواع المُساءلة على الصعيد الدولي"، بما في ذلك إمكانية إحالة القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية، واتخاذ إجراءات قضائية بحق أفراد من دول أخرى عضوة في الأمم المتحدة بموجب مبدإ الولاية القضائية العالمية، و"تأمين القدرات المتخصّصة في جمع وحفظ الأدلة والمعلومات اللازمة لإجراء عمليات المُساءلة المستقبلية".

ووفقاً لراجغانا، رئيس المنظمة غير الحكومية للنهج الإنساني الدولي، فقد رحب التاميل في سويسرا بالتقرير على نطاق واسع؛ ذلك أنه "مقارنة بالتقرير السابق (لمجلس حقوق الإنسان) يتضمن هذا التقرير إدانة واضحة"، على حد قوله. ويعتبر راجغانا أن أهمية هذا التقرير تكمن في الإقرار بحقيقة أنه يذكر على وجه التحديد استهداف التاميل والمسلمين من قبل الحكومة السريلانكية، لكنه يأسف لعدم تحديد مواعيد نهائية لتعزيز حقوق الإنسان.

مع ذلك، يعتبر راجغانا أن هذا القرار جاء "ضعيفاً جداً جداً" ويأسف لعدم وجود أي ذكر لهيئة جمع الأدلة لسريلانكا. ويقول: "في بلاد الشتات تقوم فكرة التاميل الأساسية على ضرورة القيام بتحقيق جنائي، يركّز بشكل خاص على ما حدث في عام 2009". ومن الجدير بالذكر هنا، أن التاميل يقومون بالضغط أيضاً من أجل إنشاء هيئة لجمع الأدلة على غرار آليات الأمم المتحدة الخاصة بسوريا وميانمار.

مخاوف سويسرية

من ناحيتها، أعربت سويسرا في كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان عن "قلقها البالغ والعميق إزاء هذا الإفلات من العقاب في مواجهة الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والمُشتبه في ارتكابها منذ أكثر من عشر سنوات"، واعتبرت أن سريلانكا ما زالت في "حالة إنكار للماضي".  ودعت سويسرا الحكومة السريلانكية إلى تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير باشيليه. وجاء في البيانرابط خارجي السويسري حرفيا: "في الوقت ذاته، يشجع مجلس حقوق الإنسان على اتخاذ خطوات جديدة تكون في صالح الضحايا والعدالة في سريلانكا".

محتويات خارجية

مراجعة سياسة اللجوء؟

ماذا يعني هذا بالنسبة لمُستقبل سياسات اللجوء المعتمدة في سويسرا؟ يوصي تقرير باشليه الدول الأعضاء "بمراجعة تدابير اللجوء فيما يتعلق بالمواطنين السريلانكيين بغية حماية أولئك الذين يمكنهم التعرّض لعمليات انتقامية، وتجنّب القيام بأي إعادة قسرية لهم في الحالات التي تشكل خطراً فعلياً في التعرض للتعذيب أو غيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".

يعيش في سويسرا أكثر من خمسن ألف شخص من أصل سريلانكي، اضطر العديد منهم إلى الهروب إلى سويسرا بسبب الحرب الأهلية التي دامت زهاء ربع قرن، لكن عمليات النزوح استمرت في السنوات الأخيرة. وهم يمثلون أكبر جالية للشتات في سويسرا قادمة من خارج القارة الأوروبية، ومعظمهم من التاميل، وقد حصل العديد منهم على الجنسية السويسرية.

في شهر فبراير المنصرم، دعت المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئين الحكومة الفدرالية إلى إعادة مُراجعة سياستها بشأن طالبي اللجوء من سريلانكا في ضوء تقرير باشليه. وقالت المنظمة في بيان صادر عنهارابط خارجي : "من وجهة نظرنا، يتوجّب على أمانة الدولة للهجرة تقييم حالة تدهور الوضع في البلاد بعناية، وتكييف سياسة اللجوء السويسرية بناء على ذلك"،مضيفة "في هذه الأثناء، يجب عدم إجراء عمليات ترحيل"، كما ورد في نص البيان.

كما دعت المنظمة إلى تعليق اتفاقية الشراكة في مجال الهجرةرابط خارجي بين سويسرا وسريلانكا "لحين التأكد من أن شروط هذه الشراكة متوفّرة". ونذكر هنا أن هذه الاتفاقية التي أُبرمت في عام 2016، تضمّنت من بين مسائل أخرى، ترحيل السريلانكيين الذين لم يعودوا يستوفون شروط الإقامة المستمرة في سويسرا إلى بلادهم.

"ليس هناك خطط"

في السياق، يُلفت أدريان شوستر، الخبير في شؤون سريلانكا لدى المنظمة السويسرية لمُساعدة اللاجئين، إلى أن سياسة اللجوء السويسرية المتعلّقة بهذا البلد الآسيوي قد تطوّرت على مر السنين؛ فقد تم تعليق القيام بعمليات الترحيل بشكل مؤقت في عام 2013رابط خارجي، بعد ورود تقارير عن اعتقال وتعذيب اثنين من السريلانكيين العائدين من سويسرا. ويقول إن السياسة بهذا الشأن تغيّرت في عام 2014 بحيث أصبح من السهل على المواطنين السريلانكيين الحصول على اللجوء. في عام 2016 (أي بعد انتخاب سيريزينا رئيساً للبلاد في عام 2015) تم تعديل سياسة اللجوء مرة أخرى وأصبحت أكثر تشدّداً. واليوم، ترغب أمانة الدولة للهجرة في إجراء إعادة تقييم لهذه السياسة، بعد انتخاب غوتابايا راجاباكسا رئيساً للبلاد في شهر نوفمبر 2019. ويقول شوستر: "نعتقد أن الوقت قد حان لتقييم جديد من شأنه أن يُفضي إلى تبني سياسة أخرى".

ورداً على سؤال حول السياسة الحالية للحكومة السويسرية، صرحت أمانة الدولة للهجرة أنه لا يُوجد حالياً سبب يجعلنا نفترض وجود خطر عام في سريلانكا أو تعرّض مجموعات عرقية بأكملها للخطر. "لذلك، لم تتغيّر آليات عودة الرعايا السريلانكيين الذين ليس لديهم إقامة عادية في سويسرا؛ وتواصل أمانة الدولة دراسة كل حالة على حدة بعناية ودقة. ولكن، بسبب جائحة كوفيد-19، تم تأخير إجراءات عمليات الترحيل إلى الوطن، ولكن ليس من المخطط في الوقت الراهن إجراء تعليق عام لهذه العمليات".

لذلك، وعلى الرغم من المخاوف التي أعربت عنها سويسرا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلا أنه لم تطرأ في الوقت الحالي أي تغييرات على سياسة اللجوء الخاصة بها فيما يتعلق بالمواطنين السريلانكيين. ومن المتوقّع أن يُواصل التاميل في سويسرا الضغط من أجل المحافظة على حقهم في اللجوء، تدعمهم في ذلك منظمات حقوق الإنسان.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.