Navigation

Skiplink navigation

ترامب يقول "دعونا نرى" وسويسرا تقول "دعونا نتحدث..."

نعم أيّد الناخبون السويسريون شراء طائرات مقاتلة لكن هذا لا يعني أن النقاش انتهى. في الصورة، طائرة من نوع بويينغ F/a-18 خلال عملية تدريب في بيارن العام الماضي. © Keystone/ Valentin Flauraud

في لحظة تدعو إلى القلق على مصير الديمقراطية في الولايات المتحدة، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القول صراحة ما إذا كان سيقبل نتيجة انتخابات 3 نوفمبر القادم، محذراً أنصاره من كارثة ديمقراطية إذا جاءت النتائج مخيّبة للآمال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,

وقد صرّح خلال المناظرة الأولى بينه وبين المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن قائلاً: "سيكون ذلك بمثابة عملية تزوير، لم نر لها مثيلاً من قبل".

وشكك ترامب أيضاً في نزاهة التصويت عبر البريد - والذي بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر وأصبح الآن متاحاً لـ 83% من الناخبين في الولايات المتحدة - واقترح أن تبقى المجموعة المتطرفة والمتعصبة لسيادة البيض المعروفة بـ "الفتيان الفخورين" "Proud Boys" " على أهبة الاستعداد" حتى تُعرف النتيجة.

ووفقاً لأستاذ السياسة بجامعة نيويورك آدم برزورسكي فإنه لا يمكن اعتبار هذا التوجّه نحو السلوك المناهض للديمقراطية، في أقدم ديمقراطية حديثة، بعيداً عن المشهد السياسي العالمي؛ مستعرضاً 68 دولة لم تشهد حتى الآن عملية انتقال سلمي للسلطة.

 يقول برزورسكي: "واقعياً، كانت عمليات الانتقال السلمي للسلطة وقبول نتائج الاقتراع، نادرة في الدول الحديثة"، مستشهداً بأبحاثه التي أجريت على 3000 تصويت شعبي على مدى 230 عاماً.

في إفريقيا، تُمنح جائزة خاصة كنوع من التكريم، للقادة الذين يقبلون بالتنحي عن طيب خاطر نتيجة هزيمتهم في مواجهة المعارضة الديمقراطية.  وقد تم منح هذه الجائزة رمزياً لنيلسون مانديلا في عام 2007، لكنها لم تُمنح في ست من استحقاقات السنوات العشر الماضية، لأن هيئة المحلفين الدولية لم تجد في القارة الأفريقية زعيماً واحداً أعرب عن استعداده لقبول هزيمة ديمقراطية.

الهزيمة الانتخابية لا ينبغي أن تعتبر عثرة بل ميزة

يقول مارك بوهلمان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برن، إن انعدام الرغبة في التنازل عن السلطة كنتيجة لانتخابات أو لاستفتاء، يُعتبر بمثابة "إشارة واضحة على ضعف العملية الديمقراطية في بلد ما؛ ففي أية ديمقراطية حقيقية، لا وجود لمفهوم الهزيمة لطرف ما، هناك نتيجة تمثل إرادة الناخبين."

وفي العديد من البلدان، لا يعتبر صندوق الاقتراع مجرد فحص دوري لقوى السلطة؛ بل يساعد أيضاً على تحقيق التوازن لمجموعة متنوعة من المصالح المتنافسة. ففي الولايات المتحدة، يُنشئ الدستور عن عمد، توترات بين الرئاسة والكونغرس، غالباً ما تستغلها الأحزاب المعارضة. وفي ألمانيا، يتم توزيع الانتخابات في كل ولاية من الولايات الستة عشر "البوندسلاندر" على فترة السنوات الخمس للهيئة التشريعية الدنيا في البرلمان "البوندستاغ"، مما يتيح للناخبين ضبط توازن القوى في مجلس "البوندسرات"، وهو مجلس الشيوخ الذي يعكس تمثيل الولايات. كما يسجّل المشهد السياسي في فرنسا أحياناً ما يُعرَف بـ "التعايش": رئيس من لون سياسي معيّن وحكومة من لون آخر. هذه الأنماط من آليات تقاسم وتوازن السلطة، من شأنها أن تسهم في تقبّل أي معسكر سياسي في بلد ما، لنتيجة سلبية لطروحاته في صناديق الاقتراع.

وينطبق هذا الأمر أيضاً، على سويسرا. يقول بوهلمان، الذي يقود مشروع أبحاث "سويس فوتس" Swissvotes، ويجري تقييماً لجميع نتائج الاقتراع منذ عام 1848: "إن الاستفتاء الأخير الذي جرى في 27 سبتمبر المنصرم كان تجسيداً واضحاً وقوياً لثقافة قبول نتائج الاقتراع".

لقد كان هناك اختلاف في وجهات النظر ندر حصوله، عبر نتائج التصويت التي جاءت من جميع أنحاء البلاد للقضايا الخمسة المدرجة في الاقتراع.

في مركز دوبندورف للقوات الجوية، وهو متحف يعرض طائرات القوات الجوية السويسرية التي تم استخدامها سابقاً، وعلى كاميرات التّلفزة، رُصدت إشارات تمثل ناشطين متنافسين مستعدين لتلقي وتقبّل قرار الجمهور بشأن إنفاق 6 مليارات فرنك سويسري على أسطول جديد من الطائرات. لكن الأرقام الأولية أظهرت انقساماً في وجهات النظر بنسبة 50-50 وكان على السياسيين الانتظار للإدلاء بتصريحاتهم لعدة ساعات. وفي النهاية فاز الجانب المؤيد لشراء الطائرات بأغلبية ضئيلة: لقد جاء الفارق أقل من 9000 صوت من أصل أكثر من ثلاثة ملايين صوت تم الإدلاء بها. وعلى الرغم من "فوز" جاء مبدئياً لصالح حزبها السياسي، اعترفت وزيرة الدفاع فيولا أمهيرد على الفور بأن المبلغ المخصص لشراء الطائرات في المستقبل قد يكون "أقل مما هو مخطط له"، بينما أعلن الجانب "الخاسر" الذي كان ضد هذا الإنفاق عن مشاريع لمبادرة جديدة من قبَل المواطنين بشأن نوع الطائرات التي سيتم شراؤها. مما يعني بكلمات أخرى، أن التصويت لم يضع حدّاً للجدل القائم حول هذه المسألة.

تقول جيادا جيانولا، أستاذة العلوم السياسية بجامعة برن: "من المحتمل أن استجابة الحكومة لاحتياجات الناخبين، بمقابلتها للمعارضة في منتصف الطريق، قد تمنع إجراء اقتراع جديد". وأشارت إلى أن النظام السياسي السويسري يوفر العديد من السبل للمواطنين والجماعات السياسية لوضع جدول الأعمال والمشاركة في عملية صنع القرار. "بعد تجارب الاستفتاء الأخيرة، يمكننا أن نرى عملياً مقترحات اقتراع جديدة بشأن قضايا إجازة الأبوة، وقانون الصيد ومسألة التكامل الأوروبي"، على حد قولها. وهذه البنود الثلاثة، هي التي تم التصويت عليها خلال استفتاء 27 سبتمبر المنصرم.

للسويسريين الحق في أن يُسمع صوتهم 

لا يقدّر جميع الناخبين السويسريين أهمية أن يُطلب منهم المشاركة في المعارك السياسية ثلاث أو أربع مرات في السنة ولا يستحسنون ذلك، وكانت هناك جهود في البرلمان وحكومات الكانتونات لإدخال فترات انتظار زمنية بين مبادرات المواطنين الجديدة.

يقول كلاوس هوفمان، محرر موقع Direct Democracy Navigator في جامعة فوبرتال"Wuppertal" الألمانية، والذي قام بتصنيف أكثر من 1800 إطار قانوني للاستفتاءات والمبادرات في 108 دولة: "توجد مثل هذه القيود وفترات الانتظار في العديد من البلدان ذات الآليات الديمقراطية المباشرة". لكن الحكومة الفدرالية السويسرية رفضت منذ فترة طويلة أي محاولة للحد من قدرة المواطنين على إطلاق المبادرات والاستفتاءات.

وتذرعت الحكومة في عام 1986 قائلةً: "إن عدم وجود مثل هذه الحواجز في إطلاق المبادرات والاستفتاءات لم يولّد أبداً اضطرابات أو توترات غير محتملة في الحياة العامة".  جاء ذلك رداً على اقتراح من برلماني ليبرالي من بازل، والذي - بصفته عاملاً في صناعة الكيماويات - كان غاضباً من أن يتم إطلاق مبادرة أخرى للحد من التجارب على الحيوانات بعد يوم واحد فقط من التصويت في استفتاء شعبي على اقتراح مماثل.

هل هي وسيلة لتجاوز الاستقطاب؟

وهكذا يمكن للديمقراطية المباشرة أن تقلل من معادلة "الفائز ينال كل شيء" في صناديق الاقتراع. وهذه الطرق والأساليب موجودة فعليّاً في الولايات المتحدة، وإن لم تكن موجودة بعد على المستوى الوطني.

تشير سارة روزير التي تعمل في "بالوتبيديا" Ballotpedia، وهي قاعدة بيانات على الإنترنت لإجراءات الاقتراع الأمريكية، إلى أن 49 ولاية أمريكية من أصل 50 لديها طريقة لإرسال قوانين جديدة أو تعديلات دستورية للتصويت العام عبر مجالسها التشريعية. وتضيف قائلة: "تسمح خمس وعشرون ولاية للمواطنين أنفسهم بطلب إجراء استفتاء على القوانين الجديدة".

أما دين واترز وهو استراتيجي في الحزب الجمهوري ومسؤول سابق في الإدارة الجمهورية فيقول: "مشكلتنا الكبرى هي أنه ليس لدينا ديمقراطية مباشرة على المستوى الفدرالي". ويعتبر واترز أن "أمريكا تواجه اليوم أحد أعظم اختباراتها منذ الحرب الأهلية"، ويضيف: " إن الانقسام والاستقطاب هما في ذروتهما اليوم، وكل ذلك متجذر في الاختلافات العرقية والاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية. لو قدّر للولايات المتحدة أن تنعم بديمقراطية مباشرة على المستوى الوطني، لأصبح من الممكن معالجة هذه الاختلافات [...] من خلال منح الشعب صوتاً يضع حدّاً لها"، على حد قوله.

مشاركة