رويترز عربي ودولي

امرأة داخل محل للتذكارات المسيحية في القاهرة يوم الخميس. تصوير: عمرو عبد الله دلش - رويترز.

(reuters_tickers)

من كريسبيان بالمر

مدينة الفاتيكان (رويترز) - يتوجه البابا فرنسيس إلى القاهرة يوم الجمعة بعد أقل من شهر على سقوط 45 قتيلا في تفجيرين استهدفا كنيستين مصريتين في إطار حملة منسقة لإسلاميين متشددين تستهدف المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ عقود تتراجع أعداد المسيحيين في المنطقة التي يوجد بها بعض أقدم الكنائس لكن حروبا هذا القرن في العراق وسوريا وظهور تنظيم الدولة الإسلامية جعل مستقبلهم في مهب الريح.

وقال البابا يوم الثلاثاء إنه يأمل في أن تكون زيارته "تعزية... وتشجيع لكل المسيحيين في الشرق الأوسط". ويريد أيضا تحسين الحوار مع المسلمين.

وقالت نينا شيا رئيسة مركز الحريات الدينية التابع لمعهد هدسون للأبحاث ومقره واشنطن "يدرك البابا جيدا حقيقة أن الشرق الأوسط قد يفقد الوجود المسيحي فيه تماما".

وأضافت قائلة لرويترز بالهاتف "إنها مجتمعات قديمة تمتد جذورها إلى الكنيسة الأولى. ليست نبتة صناعية ولا نتيجة للتنصير الغربي. إنها فريدة وتندثر".

وكان النزوح الأكبر في العراق حيث وجد المسيحيون أنفسهم محصورين وسط العنف الطائفي الذي اجتاح البلاد بعد الغزو الأمريكي في 2003 ثم تعرضوا لاضطهاد شديد مع تنامي قوة الدولة الإسلامية منذ 2014.

ولا توجد أرقام محددة لكن شيا قالت إن أعداد المسيحيين تراجعت في العراق من 1.5 مليون في 2003 إلى ما يتراوح بين مئة ألف و200 ألف. وتقول أرقام أخرى إن ما يصل إلى 400 ألف آخرين ربما ما زالوا يعيشون هناك لكن الكثيرين منهم فقدوا منازلهم ونزحوا.

ومع بدء سيطرة التنظيم المتشدد على بلدات ومدن في أنحاء متفرقة من العراق خيّر المتشددون المسيحيين الذين وقعوا في قبضتهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتل.

وهرب المسيحيون الذين استطاعوا إلى ذلك سبيلا إلى الخارج أو إلى مناطق يسيطر عليها الأكراد في الشمال. وبدا أنهم عازفون كثيرا عن العودة إلى ديارهم القديمة حتى مع استعادة القوات العراقية السيطرة شيئا فشيئا على أراض كانت فقدتها بما في ذلك قطاعات كبيرة من مدينة الموصل.

وقال خير الله جميل وهو مسيحي كان يملك شركة للبناء فر مع أسرته إلى مدينة أربيل الكردية بعد استيلاء الدولة الإسلامية على شركته "داعش أناس من الموصل. كانوا أصدقاء وأشخاص نعرفهم.

"أنا لا أعرف متى سنعود. تعرضنا لخيانة. الناس في الموصل يتعاونون مع داعش ويتبعون تفسيرها المتشدد للإسلام".

* انتهاء الوضع

انتشرت المسيحية في الشرق الأوسط خلال القرن الأول وحلت محل عقائد وثنية شرقية وتعايشت مع ديانات أقدم كاليهودية والزرادشتية. ورغم أن الإسلام اكتسب الهيمنة على المنطقة منذ القرن السابع الميلادي فإن الكثير من الحكام المسلمين كفلوا للمسيحيين حرية العبادة.

وانتهى هذا الوضع الذي استمر قرونا بسقوط الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وكان المسيحيون آنذاك يمثلون نحو 15 بالمئة من سكان المنطقة لكن عددهم انخفض الآن إلى أقل من أربعة بالمئة وفقا لمركز بيو للأبحاث.

وتتفاوت الأعداد من دولة إلى أخرى ففي السعودية لا يوجد مواطنون مسيحيون في السجلات الرسمية فيما يمثل المسيحيون ما يصل إلى 40 بالمئة من السكان في لبنان وفقا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

وساعدت معدلات المواليد المنخفضة بين المسيحيين مقارنة بالمسلمين في خفض النسبة الإجمالية. كما لعبت الهجرة الاقتصادية دورا إذ كانت الدول الغربية بشكل تقليدي مستعدة لاستقبال المسيحيين أكثر من المسلمين.

وتفيد بيانات فلسطينية بأن عدد مسيحيي القدس الذين يعيشون في أستراليا أكبر ممن بقي منهم في المدينة المقدسة إذ يقول الفلسطينيون إن الاحتلال الإسرائيلي دفع الكثير من المسيحيين في المدينة إلى الهجرة.

وإذا كانت هجرة المسيحيين من الضفة الغربية المحتلة قطرات فإنها تحولت إلى سيل في سوريا المجاورة التي تعصف بها حرب أهلية منذ ست سنوات.

وتقول جماعة (إيه.دي.إف انترناشونال) التي تدعم الحرية الدينية ومقرها فيينا إن عدد المسيحيين في سوريا انخفض من نحو 1.25 مليون في 2011 إلى أقل من 500 ألف اليوم.

ومثلما هو الحال في العراق تتعرض الأقلية المسيحية في سوريا للاضطهاد من قبل تنظيم الدولة الإسلامية الذي أعدم علنا مسيحيين وباع سبايا من المسيحيات.

والمزاج السائد قاتم حتى في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الرئيس السوري بشار الأسد.

وقالت سوزانا طنوس وهي ربة منزل مسيحية من منطقة الغساني في دمشق التي لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن حي جوبر الخاضع لسيطرة المعارضة المسلحة "ما عاد في نسبة هنا من المسيحيين.. أغلبية أقاربنا وأصدقائنا الذين نعرفهم.. ربما 70 بالمئة منهم سافروا هاجروا".

وأضافت بينما كانت تتحدث في مقهى فيما تردد من بعيد صوت القذائف "هنا ما في مستقبل أبدا".

* ترويع وقتل

وتتردد هذه النبرة في أرجاء المنطقة لكن الأعداد الهائلة التي ترغب في الخروج تؤدي إلى تكدس.

وقال الأنبا مكاريوس الأسقف العام لمحافظة المنيا في صعيد مصر "مش سهل طبعا.. السفارات لن تأخذ كل الناس... مهما فتحت السفارات أبوابها للأقباط يهاجروا لو حصل يعني مش هياخدوا واحد على 500 مثلا".

ويشكل الأقباط ما يصل إلى عشرة بالمئة من سكان مصر البالغ عددهم 92 مليون نسمة وهم إلى حد بعيد أكبر أقلية مسيحية في الشرق الأوسط. لكن رغم جذورهم التي تعود إلى العصر الروماني فإنهم يشعرون بالتهميش والاضطهاد.

وأعلنت الدولة الإسلامية، التي تحارب قوات الأمن المصرية، الحرب على الأقباط أملا في زعزعة استقرار أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.

وإلى جانب تفجيري أحد السعف أعلن التنظيم المتشدد مسؤوليته عن تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة في ديسمبر كانون الأول مما أسفر عن مقتل 28 شخصا كما يلاحق المسيحيين في شبه جزيرة سيناء باستخدام القتل والترويع.

وجمد الأزهر، أعلى سلطة إسلامية في مصر، الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية في 2011 بعدما ندد البابا السابق بنديكت بما سماه "استراتيجية عنف تستهدف المسيحيين".

وعمل البابا فرنسيس جاهدا على تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي لكن شيا من معهد هدسون قالت إنه سيضطر للتطرق بشكل مباشر أثناء زيارته المرتقبة إلى مسألة الاضطهاد الديني.

وأضافت قائلة "سياق هذه الزيارة هو الإبادة الجماعية الدينية الواسعة ضد المسيحيين في الشرق الأوسط... إنها حقيقة واضحة تماما لا يمكن تجاهلها".

(إعداد ياسمين حسين للنشرة العربية - تحرير وجدي الالفي)

رويترز

  رويترز عربي ودولي