محتويات خارجية

هذا المُحتوى مأخوذ من شركاء خارجيين. لا يُمكننا أن نضمن عرض هذا المحتوى دون حواجز.

مقاتلون من البشمركة يشاركون في انتشار ضد مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية بشمال العراق يوم 9 اغسطس آب 2014 - رويترز

(reuters_tickers)

من ايزابيل كوليه

دهوك (العراق) (رويترز) - نفدت ذخيرة مقاتل البشمركة الكردية لكنه استبقى رصاصتين لينهي حياته إذا ما أمسك به مقاتلو تنظيم الدولة الاسلامية اثناء فراره من خط الجبهة في شمال العراق.

وبعد شهرين من المواجهة على جبهة تمتد ألف كيلومتر فشل الأكراد في أول اختبار كبير لهم مما سمح للمقاتلين السنة الذين يريدون اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط باقتناص مزيد من البلدات وحقول النفط وأكبر سد في العراق.

وبنت البشمركة -وهي كلمة تعني "من يواجهون الموت"- سمعة كمقاتلين مرهوبي الجانب لكن في النهاية تبين انهم ليسوا اندادا للمقاتلين الافضل تسليحا الذين هاجموهم بحماسة انتحارية.

وقال مقاتل البشمركة الذي طلب عدم نشر اسمه لأن القوة أمرت بعدم كشف أي معلومات عن هزيمتها "أخذونا على حين غرة."

واضاف لرويترز "مقابل كل طلقة مورتر اطلقناها ردوا بمئة. لم نعرف من أين جاءوا. فقدنا الاتصال مع بعضنا البعض. لم تكن لدينا أسلحة تكفي. كانت فوضى."

وخلال ايام قلائل انسحب الاكراد الى حدود منطقتهم وتركوا وراءهم بلدات سيطروا عليها لسنوات فضلا عن عشرات الالاف من الناس تحت رحمة متشددين معروفين بعمليات الاعدام ذبحا وبالرصاص.

ووصل مقاتلو تنظيم الدولة الاسلامية الى مسافة 35 كيلومترا من العاصمة الكردية اربيل مما دفع الولايات المتحدة الى تنفيذ ضربات جوية في العراق للمرة الأولى منذ انتهاء الاحتلال الأمريكي في 2011 .

وأضرت الهزيمة المنكرة بسمعة البشمركة كقوة لا تقهر تعتبر من القوات القتالية القليلة في العراق القادرة على التصدي للدولة الاسلامية كما هددت وضع المنطقة الكردية باعتبارها منطقة الاستقرار الوحيدة في بلد مزقه الصراع الطائفي.

وقال المتحدث العميد هلكورد حكمت مدير الاعلام في وزارة البشمركة "كانت تلك هي المرة الأولى التي نرى فيها البشمركة تنسحب وقد تركت اثرا عميقا على كل البشمركة وكل المجتمع الكردي."

* البشمركة لم تختبر بعد الغزو

خرجت البشمركة من رحم الحركة القومية الكردية في النصف الأول من القرن العشرين بعد انهيار امبراطوريتي العثمانيين والقاجاريين التي حكمت ايران ويصل عددهم الى حوالي 200 ألف فرد.

وأثناء عقود حكم صدام حسين للبلاد بالقبضة الحديدية كسبوا سمعتهم باعتبارهم الحراس الأبرز للأكراد العرقيين الذين حلموا دائما بدولة مستقلة في منطقة تضم شمال العراق الجبلي.

واثناء دكتاتورية صدام تعرضوا لحملات عسكرية بين الحين والآخر بما ذلك هجمات بأسلحة كيماوية واغتيالات. ولم تختبر البشمركة فعليا على الاطلاق بعد غزو قادته الولايات المتحدة اطاح بصدام في 2003 .

وفي حين انخرط الشيعة والسنة في مذابح عرقية ظلت كردستان بعيدة عن إراقة الدماء. ولم تكن مجرد حيازة بنادق كلاشنيكوف في الأغلب مشكلة كبيرة.

وتغير ذلك بعدما استولت الدولة الاسلامية على أسلحة تشمل دبابات ومدافع مضادة للطائرات وبنادق آلية من آلاف من الجنود الذين دربتهم الولايات المتحدة وفروا أمام التقدم الأول للتنظيم في يونيو حزيران.

وأظهرت لقطات فيديو صورها تنظيم الدولة الاسلامية بعدما اجتاح مدنا في سهول نينوى ملابس عسكرية للبشمركة تتدلى من مشاجب على حائط وكان جهاز تلفزيون ما يزال يبث لقطات حماسية من موكب للبشمركة.

وقال رمزي مارديني الزميل في مجلس الاطلسي للابحاث "أحد الأخطاء الكبيرة في التاريخ الكردي يتمثل في النزوع الى الثقة الزائدة في أحلك الأوقات."

وأضاف "بالغ الاكراد بالتأكيد في الترويج لقدراتهم العسكرية ومؤسستهم الأمنية. ربما كان يوجد منطق استراتيجي في نفخ الصدور والجعجعة.. لكن عند نقطة ما ربما صدق كثير من الاكراد دعايتهم الخاصة."

*جيش نقطة التفتيش

ومع تقدم تنظيم الدولة الاسلامية تجاه بغداد وتخلي الجيش العراقي عن قواعده في شمال البلاد استغل الأكراد الفوضى لتوسيع ارضهم بما يصل الى 40 في المئة بين عشية وضحاها ربما دون اطلاق رصاصة.

وبعدما سيطرت البشمركة على حقول النفط في مدينة كركوك اتخذت مواقع دفاعية ودخلت في مناوشات أحيانا مع المقاتلين المتشددين لكن تجنبت المواجهة الكاملة. ويقول مسؤولون أكراد إن 150 على الأقل من البشمركة قتلوا منذ استولى تنظيم الدولة الاسلامية على مدينة الموصل يوم العاشر من يونيو حزيران.

وبعدما تمددت البشمركة فوق طاقتها عبر مساحة كبيرة مزودة بأسلحة ترجع للعهد السوفيتي غنمتها من الجيش العراقي اثناء غزو 2003 لم تكن مستعدة لمواجهة عدو ظل يشحذ مهاراته في سوريا المجاورة على مدى العامين المنصرمين.

وقال جون دريك محلل شؤون العراق في مؤسسة ايه.كي.اي اللندنية التي تقدم المشورة لشركات النفط وعملاء آخرين "تعودت البشمركة على حراسة نقاط التفتيش لكنها غير معتادة على ذلك النوع من القتال العنيف في اماكن لا يعرفونها في الاغلب وسط أناس ليسوا أكرادا."

وكانت الدولة الاسلامية افضل تجهيزا أيضا بأسلحة نهبت من الجيش العراقي ومنها مدفعية بعيدة المدى ودبابات وعربات مدرعة وقاذفات صواريخ وبنادق قناصة بالاضافة الى اطنان من الذخيرة. وكانت الاموال ايضا تتدفق بين ايديهم.

وبدأت الحكومة الأمريكية الآن امداد الأكراد بالأسلحة بصورة مباشرة استجابة لمناشداتهم للحصول على معدات عسكرية تماثل ما لدى تنظيم الدولة الاسلامية. وحفز التهديد أيضا التعاون بين المنطقة الكردية والحكومة الاتحادية في بغداد التي اوقفت ارسال الأسلحة والمرتبات للبشمركة منذ سنوات بسبب خلافات بشأن النفط والميزانية.

وقال تشارلز دون الذي عمل في ملف العراق في البيت الابيض في ادارة بوش إن الأكراد لديهم قوة كافية للحفاظ على أنفسهم لكن ربما لا يمكنهم استعادة كل الأراضي التي تركوها.

واضاف "من الناحية العسكرية أشك في أن القوات المسلحة لحكومة اقليم كردستان قادرة.. أو تحديدا.. مستعدة لخوض قتال بعيدا عن حدودهم باتجاه الجنوب لكن مع الحصول على مساعدة كبيرة .. ليس فقط أسلحة وانما ايضا معلومات مخابرات.. يمكنهم الدفاع عن منطقتهم."

*الحرس القديم ذهبوا

ومن كسبوا سمعة البشمركة في الإقدام والشجاعة في محاربة جيش صدام تقدم بهم العمر الآن أو ماتوا والجيل الجديد ليس لديه إلا القليل من الخبرة في الحرب إن وجدت أصلا.

ويلتحق كثير من البشمركة بوظيفة ثانية لدعم راتبهم الذي يبلغ في المتوسط 650 الف دينار عراقي (560 دولارا) فقط في الشهر.

وقال مسؤول أمريكي "مضى نحو عقد منذ اختبرت كتائبهم وأغلبها من المشاة الخفيفة في معركة ولذلك فليست مفاجأة انهم تلقوا بعض الضربات من الدولة الاسلامية." ووصف المسؤول البشمركة بأنهم "قادرون ومنضبطون".

وأضاف "البشمركة لديهم بالتأكيد المرونة والمهارة للعودة للقتال بفعالية.. كما بدأنا نرى بالفعل على الأرض."

ويبدو أن الأكراد استعادوا توازنهم في الايام القليلة الماضية. وهرع آلاف المتطوعين للانضمام الى صفوف البشمركة وقال شهود إنه أمكن استعادة بلدتي مخمور والكوير بمساعدة مقاتلين من حزب العمال الكردستاني بعد ضربات أمريكية لمواقع تنظيم الدولة الاسلامية.

لكن على مسافة ابعد باتجاه الشرق اضطروا للانسحاب من بلدة جلولاء في خسارة استراتيجية قال مقاتل من البشمركة كان بالمنطقة انها ترجع جزئيا على الاقل الى الخصومات الكردية الداخلية.

ورغم توحد الأكراد في عدائهم للدولة الاسلامية إلا أن البشمركة مسؤولة في نهاية الأمر امام الحزبين السياسيين المسيطرين في المنطقة واللذين خاضا حربا أهلية ضد بعضهما البعض في التسعينات.

ولم تكتمل خطط اصلاح البشمركة ودمجها تحت قيادة موحدة. وقال سياسي كردي كبير لرويترز إن أضعف الوحدات هي الوحدات المشتركة لأن كل حزب يحتفظ لنفسه بأفضل المقاتلين.

وقال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري إنه حدثت بعض النكسات للبشمركة والفوضى والانسحاب من أماكن معينة لكن ما يحدث ليس حربا تقليدية. واعترف بأنه حتى أكثر قادة البشمركة خبرة ذهلوا من شراسة الدولة الاسلامية.

وقال إنه لا ينبغي أن يهون أحد من قدرتهم وانهم يهاجمون بأعداد صغيرة وقوات متحركة وبسرعة ولا يحتفظون بأرض.

*انسحاب تكتيكي؟

وترك انسحاب البشمركة من سنجار عشرات الآلاف من اليزيديين العرقيين إما تحت رحمة الدولة الاسلامية التي تعتبرهم عبدة للشيطان وإما تقطعت بهم السبل على جبل مع امدادات شحيحة من الماء والطعام.

ويقول العديد من اليزيديين انهم توسلوا للبشمركة لتسليم اسلحتهم قبل انسحابهم كي يمكنهم حماية أنفسهم لكن طلبهم رفض.

وقال العميد حكمت المتحدث باسم البشمركة "لم يصدر على الاطلاق أمر بالانسحاب من أي جبهة." ونفى صحة تصريحات بعض المسؤولين الأكراد عن أن الانسحاب كان تكتيكيا. واضاف "حدث اهمال".

وقال حكمت إن القادة الميدانيين المسؤولين عن المنطقة يخضعون للتحقيق. لكن الأمر سيستغرق مزيدا من الجهد لاستعادة الثقة لدى اليزيديين الذين يشعرون بأن البشمركة خانوهم.

وقال اليزيدي فراس (31 عاما) الذي فر من سنجار مع عائلته ووصل في نهاية الأمر الى مدينة دهوك الكردية بعدما هرب من جبل سنجار عبر سوريا "تعودنا على الشعور بالأمان وأن البشمركة يحمون ظهورنا."

واضاف "وثقنا بهم لكنهم انسحبوا ودمرونا. كيف يمكن أن نثق بهم بعد ذلك؟"

وقال مقاتل البشمركة الذي يسير على عكازين نظرا لاصابته في سنجار انه سيعود الى خط الواجب بمجرد شفاء كاحله لكنه يعترف بأنه لم يكن يتوقع فعلا على الاطلاق المشاركة في صراع.

وأضاف "لم نعتقد انه سيأتي يوم تندلع فيه حرب أخرى."

(الدولار يساوي 1162.9 دينار عراقي)

(اعداد عماد عمر للنشرة العربية - تحرير سيف الدين حمدان)

رويترز