محتويات خارجية

هذا المُحتوى مأخوذ من شركاء خارجيين. لا يُمكننا أن نضمن عرض هذا المحتوى دون حواجز.

دخان يتصاعد عقب غارة اسرائيلية على غزة يوم الاربعاء. تصوير: احمد زاكوت - رويترز.

(reuters_tickers)

من آمي ويلانتس

(رويترز) - حان الوقت للتفكر.. هل سيكون بمقدور إسرائيل وفلسطين أن تخرجا من الهاوية الأخلاقية التي أسقطا نفسيهما فيها وأن تتعاملا مع خطر السلام؟

و"خطر" هو التعبير الصحيح لأن السلام خطر على زعماء في الشرق الأوسط.

كان الأمر دائما كذلك. وإذا ما رجعنا إلى الوراء لأوائل التسعينات سنجد أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين -اللذين كانا يمقتان كل ما يمثله الآخر- كانا يعرفان أن لكل أسبابه للعمل من أجل السلام. ومن المحتمل فقط -كما تصورا- أن يكون السلام أفضل من الحرب للأجيال القادمة. فهو لن يكون بالقطع بنفس القدر من التدمير.

ولم يكن الحال في تلك الأيام منتهى المراد .. لكن السلام على الأقل كان مقبولا.

الحقيقة المأساوية هي أن المواقف تشددت الآن. فحكام اليوم -ومنهم من يفتقر لسعة الأفق ومنهم من يتمادى في ردود الفعل- ليسوا أوردة تتوق لجرعة سلام. لقد أدرك كل من رابين وعرفات على نحو جلي أن العمل باتجاه السلام محفوف بالمخاطر والمجازفات.

وبعد هذا العقد الأخير .. هل سيتحلى الجانبان بالشجاعة الكافية لتجاوز تاريخهما المضطرب والتحرك صوب كراسي مهتزة محفوفة بالمخاطر على طاولة السلام؟

ليس الهدف من هذا هو الإيحاء بأن اللائمة تقع مناصفة على الجانبين في الاضطرابات وإراقة الدماء خلال السنوات العشر الماضية. ربما كان سلوك حماس شائنا وغير مسؤول لكن إسرائيل احتلت غزة حتى وهي تنسحب منها كما أن قصفها العشوائي للسكان المدنيين في مكان تحتجزهم فيه سجناء أمر لا يغتفر.

وفي النهاية يتعين على الطرفين المتحاربين التحرك ابتعادا عن القتل المتبادل إلى مرحلة سلام دائم لا "تجز" فيه "المروج" (المجاز الإسرائيلي الساخر من قصفهم المتكرر لغزة) ولا يخطف فيه جنود ولا يعدم أحداث ولا تمحى أحياء ولا يقصف فتيان يلعبون.

من الصعب بلوغ هذا لأنه إذا حل السلام في إسرائيل فمن المرجح أن يصبح السكان أكثر ضجرا وأشد اهتماما بالمشاكل الداخلية الصعبة التي يتعين على الحكومة أن تواجهها. فالسلام يعني التركيز على المصالح الفردية ومعارك سياسية صعبة. أما الحرب فتعني التفكير الجماعي- يمكننا القول إنها تعني دعما تلقائيا للجيش ورئيس الوزراء الذي يقرر خوض الحرب.

أما في فلسطين (ولنقل في غزة في الوقت الحالي) سيعني السلام تحديا يتمثل في تحديد كيفية إدارة دولة وكيفية خلق اقتصاد وكيفية خوض حياة أسرية عادية. فالسلام يحول أذهان الناس عن كراهية إسرائيل وعن التفكير الجماعي. وعلى الجانب الآخر فإن الحرب تصرف الناس عن التركيز على ما إذا كان زعماؤهم قد لبوا مطالبهم على نحو جيد أم سيئ.

لكن السلام قبل كل شيء أمر يهم المعتدلين.. والزعامة في كل من إسرائيل وغزة تزدري الاعتدال. إنها تزدري الحل الوسط وتخشى المصافحة. إنها تعاف كل ما من شأنه أن يقود للسلام بما في ذلك التفاوض. من الممكن فقط أن يقودها أطراف خارجية إلى طاولة وقف إطلاق النار.

الحرب أبسط بالنسبة لهم .. أيسر. بل إنه يبدو أحيانا في الحقيقة أن كراهية إسرائيل مجرد أداة في السياسة الفلسطينية الداخلية وأن ازدراء حماس مجرد عامل متوقع في الانتخابات الإسرائيلية .. بند رئيسي على الساحة السياسية.

الحرب مكون أساسي في أسطورة الخلق الإسرائيلية. وعلى نفس الشاكلة فإن الانتفاضات جزء من الهوية الفلسطينية. فلتشن حربا ولتدبر انتفاضة وكل من هم في جانبك سيتبعونك.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سبيل المثال يتمتع الآن بشعبية تفوق كثيرا ما كان يحظى به قبل بدء جولة القتل الأخيرة هذه.

وكل من في غزة تقريبا يعلم أن حصار إسرائيل الطويل للقطاع إضافة إلى قصفها المكثف المتقطع دفع أهل غزة أكثر إلى أحضان حماس. لقد نشأ الآن ثلاثة أجيال على الأقل من الفلسطينيين على عشق المقاومة. ومن ثم عزز "الجرف الصامد" -اسم أحدث عملية إسرائيلية في غزة- موقف المقاتلين. وإذا أجريت انتخابات غدا فقد تكسبها حماس بجدارة فائقة.

هناك تفهم جيد لوجهة نظر كل جانب. فإسرائيل -كما هو الحال دائما- تشعر بأنها حرب دفاعا عن وجودها وتشير إلى أنفاق حماس الجديدة والصواريخ الأطول مدى كأسباب مقنعة للسلوك الإسرائيلي السيء. أما حماس فتسوق على نحو يتفهمه الآخرون مسألة التجويع البطيء وسجن الشعب الفلسطيني في غزة سببا لمواصلة قصف إسرائيل حتى وإن كان قصفا عقيما.

قضية غزة بأكملها تكرار مرضي للعلاقة المختلة بين هذين الشعبين اللذين يعتبر كل منهما نفسه ضحية حتى وإن كان يطلق صواريخ ليقتل أسرا بأكملها أو يهدف منها لقتل أسر بأكملها. وأي محلل نفسي قد يخبرك بأن الإثنين يجب أن يغيرا سلوكهما.

لكن زعماء الجانبين لا يرون الأمر على هذا النحو. هم أشبه بالأخوين المريضين.. كل طرف يحتاج الآخر لإرساء هويته. فإسرائيل الآن أقرب لأن تكون بلا معنى دون التهديد الفلسطيني. وبالنسبة للفلسطينيين: من دون مقاومة القمع الإسرائيلي.. من هم في هذه المرحلة؟

إلا أن الكيان الأكثر تضررا بالصراع الأخير هو إسرائيل. إنها أشبه بالأخ الأكبر الغاضب. يواصل الضرب والضرب دون أن يدرك أن أخاه الصغير أصبح أسرع حركة وأكثر مهارة وأغنى موارد.. وأنه أصبح له أصدقاء جدد.

وفي حين أن الإسرائيليين يستخدمون مجددا ذلك الأسلوب المتكرر الذي يبعث في النفس رضا شديدا والمتمثل في الإفراط في القتل باستخدام الطائرات لدى التعامل مع العدو يملك الفلسطينيون الآن آليات وبنية تحتية أفضل للمقاومة كما أنهم أصبحوا أكثر كفاءة في إخفاء تحركاتهم عن المخابرات الإسرائيلية.

بمقدور حماس الآن أن تصمد فترة أطول وأن تمد اللعبة لوقت إضافي. وبينما تواصل حماس القتال تموت أعداد أكبر من الفلسطينيين في حملات القصف الإسرائيلية ويدخل مزيد من أعضاء المجتمع الدولي المعسكر الفلسطيني. إنها استراتيجية حاذقة: أن تقاتل وتموت.. وتكسب من خلال الخسارة.

حماس تتحمل قطعا قدرا من المسؤولية عن سقوط القتلى المدنيين من جانبها خلال هذه الجولة من الصراع.. لكنك لن تجد أفضل من جثث شعبك لإخفاء شعورك بالخزي. الاشمئزاز الدولي من قتل مدنيين أبرياء يمكنه أن يوقف أحيانا قوة نيران عظمى تمضي في مسارها.

عفا الدهر الآن على مجرد ذكر عملية أوسلو للسلام لكنها محط اعتبار. ماذا كانت الفكرة من وراء السلام فيما يخص إسرائيل؟

السعي للسلام سيجلب تطبيعا مع الفلسطينيين ينقلهم لمصاف الأمم التي تحظى باحترام والتي لديها مسؤوليات غير المقاومة والتشدد.

يتفقد الفلسطينيون حطام المنازل المدمرة في حي الشجاعية الذي قال شهود إنه تضرر بشدة في القصف والضربات الجوية الإسرائيلية خلال هجوم إسرائيلي بمدينة غزة. لكن السلام انهار وبقوة حين دمر المتطرفون من الجانبين المعتدلين من أهلهم. حين اندلعت الانتفاضة الثانية.. بسطت حماس سيطرتها على غزة وتم تهميش حركة فتح -منظمة عرفات التي سعت للسلام- وأغلق الإسرائيليون القطاع وقصفوا مطاره. وما كان من إسرائيل المتشددة إلا أن أضاعت التطبيع مع أبناء غزة وضمنت استمرار مغالاتهم في كراهية إسرائيل. ماذا يمكنك أن تفعل أكثر من هذا لشعب 70 إلى 80 في المئة منه عاطل عن العمل؟

إم. جيه. روزنبرج -مراقب الشرق الأوسط الذي يكتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ عقود مركزا في الأغلب على إسرائيل- قرر خلال هذه المعركة الأخيرة أن يتوقف. كتب "قررت ببساطة ألا أكتب شيئا آخر عن إسرائيل." وقال "قررت حتى ألا أفكر فيها خاصة لأنني فقدت أي أمل في مستقبلها."

ربما يكون من الخطأ الذهاب إلى هذا الحد. لكن تطرف القيادة الإسرائيلية لا يقدم سببا يذكر لتوقع تغير قريب ذي مغزى في وضعها الراهن القبيح.

(إعداد أمل أبو السعود للنشرة العربية - تحرير منير البويطي)

رويترز