Navigation

عن كثب-الانفجار الذي نسف إيمان اللبنانيين ببلدهم

منظر لموقع انفجار الرابع من أغسطس آب في ميناء بيروت يوم التاسع من ديسمبر كانون الأول 2020. تصوير: محمد عزاقير - رويترز reuters_tickers
هذا المحتوى تم نشره يوم 24 ديسمبر 2020 - 12:54 يوليو,

من سامية نخول

بيروت (رويترز) - في ظل أبنية حاق بها الدمار يقفون في مجموعات متشحين بالسواد أمام الركام المتخلف من الانفجار الهائل الذي محا المرفأ ودمر وسط بيروت في الرابع من أغسطس آب.

يحتضن المتجمعون رجالا ونساء وأطفالا من كل طوائف لبنان مسيحيون ومسلمون صور الأحبة الذين رحلوا في الكارثة.

هاهي بيروت تعود إلى وقفات الاحتجاج التي كانت تشهدها في الحرب الأهلية من 1975 إلى 1990. وقتها كانت الأسر تطالب بمعلومات عن الأقارب الذين اختفوا ولم يُعثر لهم على أثر قط حتى عندما حان أوان إعادة البناء.

أما المكلومون اليوم فيعلمون ما حدث لكنهم لا يعرفون الأسباب.

فبعد مرور أربعة أشهر لم توجه السلطات اتهاما لأحد بأنه المسؤول عن الانفجار الذي راح ضحيته نحو 200 قتيل وستة آلاف مصاب وشرد حوالي 300 ألف من سكان بيروت.

ولا تزال أسئلة كثيرة بلا أجوبة وعلى رأسها لماذا تم تخزين مادة سريعة الاشتعال عن علم بالمرفأ في قلب المدينة لنحو سبعة أعوام؟

بالنسبة لي شخصيا أيقظت المأساة ذكريات قضيت 30 عاما وأنا أحاول نسيانها.

فقد قمت بتغطية الحرب الأهلية اللبنانية واجتياح لبنان واحتلاله من جانب إسرائيل وسوريا واغتيال زعماء وأمراء حرب وغارات جوية وحوادث خطف أشخاص وخطف طائرات وهجمات انتحارية كانت سمة في كل هذه الصراعات.

غير أن الانفجار أثار في ذهني وفي أذهان لبنانيين كثيرين غيري تساؤلات عما حل ببلد يبدو أنه تخلى عن شعبه. وهذه المرة يصعب على شعب يواجه عراقيل شديدة أن ينهض من الرماد مرة أخرى بسبب غياب الإجابات على تساؤلاته.

قالت شوشان بيزجيان التي توفيت ابنتها جيسيكا الممرضة ذات الواحد والعشرين ربيعا في عملها عندما دمر الانفجار المستشفى الذي تعمل به إنها تشعر بالخجل من كونها لبنانية.

* أمل زائف

استغرق تدمير بيروت في الحرب الأهلية الطائفية بما شهدته من إراقة الدماء 15 عاما واستغرقت إعادة بنائها 15 عاما أخرى بمساعدات ضخمة من الخارج.

ففي عام 1990 انهالت مليارات الدولارات من دول غربية وعربية في الخليج ومن اللبنانيين في المهجر في مختلف أركان الأرض والذين يقدر عددهم بما لا يقل عن ثلاثة أمثال سكان لبنان البالغ عددهم ستة ملايين نسمة.

وكانت النتيجة مبهرة وعاد لبيروت بهاؤها وأصبحت من جديد إحدى المدن التي تتردد أسماؤها في مجلات السياحة باعتبارها وجهة للسفر من أجل الثقافة والمتعة.

وأقبل السياح على السهر في النوادي الليلية بالمدينة وحضور المهرجانات الدولية في معابدها الاغريقية والرومانية وآثارها العثمانية وزيارة متاحفها ومواقعها الأثرية من عهد الفينيقيين.

وعاد عدد كبير من أبناء لبنان المغتربين المتعلمين من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والفنانين للمشاركة في إعادة بناء وطنهم.

كان من بينهم يوسف قمير جراح الأعصاب الذي رحل عن لبنان في 1982 لمواصلة العمل في تخصصه في الولايات المتحدة.

عمل قمير في ذلك الوقت أستاذا مساعدا لجراحة الأعصاب في جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس ورئيسا لقسم الصرع بمستشفى كليفلاند حيث كان رائدا في استخدام الجراحة في علاج الصرع.

وعندما وصل قمير إلى بيروت للعمل رئيسا لقسم الجراحة بالجامعة الأمريكية في بيروت كان يعتقد أن البلاد اجتازت المرحلة الصعبة. وكان رئيس الوزراء رفيق الحريري، رجل الأعمال الذي اشتغل بالسياسة وأعاد بناء بيروت بعد الحرب، يتولى السلطة في البلاد ويعد بعهد جديد من الرخاء.

ويقول قمير إنه كان يتحرق شوقا لحياة ومكان منفتح على كل الحضارات مثلما كان الحال في لبنان قبل الحرب.

إلا أن بهاء بيروت ورونقها كان يخفي وراءه أسسا سياسية هشة قامت عليها عملية إعادة بناء لبنان بعد الحرب الأهلية.

ففي نهاية الحرب الأهلية خلع قادة الميليشيات ملابسهم العسكرية وارتدوا البذلات وتصافحوا بعد اتفاق الطائف الذي توسطت فيه السعودية عام 1989 وتخلى أغلبهم عن السلاح.

لكنهم استمروا، فيما يبدو لكثيرين هنا، في الاهتمام بالقوى الخارجية التي ترعاهم أكثر من اهتمامهم ببناء دولة مستقرة.

اتجه الشيعة في لبنان إلى إيران وحليفتها سوريا التي كانت قواتها قد دخلت لبنان في 1976 وبقيت فيها ثلاثة عقود. أما السنة فاتجهوا إلى دول الخليج الغنية بالنفط. وكافح المسيحيون الذين ضعف نفوذهم السياسي بشدة في اتفاق ما بعد الحرب لإيجاد شريك يعتمدون عليه وتغيرت ولاءاتهم على مدار السنين. وأصبحت القوى الخارجية التي تملك القدرة على التمويل تملي السياسة الداخلية في أوقات مختلفة.

كانت عودة الدكتور قمير إلى بيروت مواتية بالنسبة لي أيضا. فأثناء تغطية الاجتياح الأمريكي لبغداد عام 2003 أصبت إصابة بالغة في الرأس بشظية من قذيفة أطلقتها دبابة أمريكية على مكتب رويترز في فندق فلسطين.

وبعد جراحة سريعة في بغداد نقلني مشاة البحرية الأمريكية إلى الكويت ثم إلى لبنان لمواصلة العلاج.

كانت بيروت قد أصبحت مركزا طبيا مرموقا في المنطقة وكان الدكتور قمير طبيبي. وعلى مر السنين كنت أعود بانتظام خلال فترات عملي في دبي ولندن إلى بيروت والدكتور قمير للاطمئنان على حالتي.

غير أن بلدي كان يتعرض للضغوط من جديد. فبعد أن أخرجت جماعة حزب الله المدعومة من إيران القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان عام 2000 عمدت الجماعة إلى تعزيز نفوذها العسكري والسياسي باطراد.

وفي 2005 اغتيل الحريري في تفجير وجه ضربة جديدة لمن اعتقدوا أن لبنان له مستقبل مشرق. ومرة أخرى هاجر كبار المهنيين اللبنانيين للخارج وقبل الدكتور قمير شغل منصب في مستشفى سانت لوك في هيوستن عام 2006. واستقر بي الحال في لندن.

لكن كان إصرار على العودة يعتمل داخلنا نحن الاثنين. بالنسبة لي كانت العودة للوطن وسيلة يمكن خلالها لابني وابنتي وهما في المدرسة الابتدائية التعرف على عائلتي وعلى الثقافة التي نشأت فيها.

وفي 2010 أتاح لي الربيع العربي هذه الفرصة. ففي حين تفجرت احتجاجات سقط في بعضها حكام مستبدون في تونس ومصر وسوريا وليبيا والبحرين واليمن بدا أن لبنان واحة مستقرة وسط منطقة مضطربة. وعادت بيروت تعج بالحركة من جديد.

وبحلول عام 2012 كنا قد عدنا إلى بيروت أنا والدكتور قمير.

عاد إلينا الإحساس بالأمن وعادت اللقاءات العائلية التقليدية على الغداء أيام الأحد وتناول المشروبات ساعة الغروب على شواطيء بيروت وعادت مهرجانات الموسيقى والسينما وتذوق النبيذ في بساتين الكروم على سفوح جبل لبنان والتزلج على منحدراته.

وبدأ الأصدقاء وأفراد الأسرة يتزاورون من جديد بأعداد أكبر وبدأ النسيان يلف السمعة التي التصقت بلبنان من أيام الحرب. وبلغت حركة السياحة في لبنان ذروتها في 2010 عندما بلغ عدد الزائرين حوالي 2.2 مليون سائح بزيادة 17 في المئة عن عام 2009 وفقا للاحصاءات الرسمية.

* "وقفت الأيام"

غير أن الأسس التي يقوم عليها لبنان كانت ضعيفة. فقد كان لبنان يعيش بما يفوق إمكانياته وأقبلت الحكومات المتعاقبة على الاستدانة فتراكمت الديون على البلاد لتصل إلى ما يعادل 170 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مارس آذار 2020 وفقا لبيانات وزارة المالية اللبنانية.

وهذه المرة تحملت البنوك اللبنانية العبء الأكبر من إنفاق الدولة. وبحلول أوائل العام الماضي كانت خسائر البنوك من قروضها للدولة قد بلغت 83 مليار دولار وهو ما يفوق الناتج المحلي الإجمالي السنوي بكثير.

وردت البنوك بإغلاق أبوابها فجمدت كل الحسابات الأمر الذي تسبب فعليا في توقف الاقتصاد اللبناني.

ولأكثر من عام الآن يعجز الناس عن تحويل أو سحب أي مبالغ تزيد على 500 دولار أسبوعيا. وعطل إغلاق البنوك مصدرا رئيسيا آخر من مصادر الدخل للاقتصاد اللبناني متمثلا في تحويلات اللبنانيين في المهجر.

وحتى قبل تفشي فيروس كورونا انكمش الناتج الاقتصادي اللبناني 6.7 في المئة في 2019. وفي 2020 من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد 20 في المئة أخرى.

وتبين أرقام حكومية أن أكثر من 50 ألف تلميذ تركوا المدارس الخاصة وانتقلوا إلى مدارس الدولة خلال العام الأخير فيما يؤكد على تآكل الطبقة المتوسطة في لبنان.

وقال شرف أبو شرف رئيس نقابة الأطباء إن ما يقرب من 700 طبيب غادروا لبنان خلال العام الأخير.

وما لم يكن كثيرون من سكان بيروت يعرفونه قبل أغسطس آب أن خطرا أكبر يكمن في وسطهم.

ففي 2013 رست سفينة في مرفأ بيروت بحمولة من مادة نترات الأمونيوم سريعة الاشتعال. ولم يتضح سبب اتجاه السفينة إلى لبنان ولا يزال الغموض يلف هذا الأمر حتى يومنا هذا.

غير أن وصول هذه المادة الكيماوية وتخزينها كان معروفا لمسؤولي المرفأ والأمن الذين عينتهم في مناصبهم تكتلات مختلفة ولم يستطيعوا قط الاتفاق على كيفية التخلص من الشحنة.

وظلت الشحنة قابعة دون أن تمسها يد لأكثر من ست سنوات في مخزن بمرفأ بيروت الذي يبعد مسافة قصيرة عن وسط المدينة المزدحم.

أثناء مشاركتي في تغطية الحرب الأهلية كتبت عن عشرات الضحايا الذين طغت على مصرعهم أحداث أكبر فكان منهم شقيقتان غرقتا في البحر في محاولة يائسة للفرار من القصف وثلاثة أشقاء ماتوا حرقا في متجر سوبرماركت وإصابة تلاميذ صغار في قصف استهدف حافلتهم.

وذات صباح في 1989 وجدت نفسي أدخل مشرحة وأنا أضع كمامة لم تستطع أن تكبح رائحة الموت الخانقة حيث كان 20 جنديا من جنود الجيش قد قتلوا بإطلاق النار على رؤوسهم وكانت أيديهم مربوطة خلف ظهورهم.

لكني لن أنسى أبدا الرعب في عيون ابني وابنتي التوأمين عصر ذلك اليوم في أغسطس آب عندما دفعت قوة الانفجار سيارتنا فجأة إلى جانب الطريق بينما ارتفعت فوق رؤوسنا سحابة من الغبار والركام على هيئة ثمرة الفطر باللونين البرتقالي والأبيض.

انطلقت مني صرخة طالبة منهما الاحتماء وعادت بي الذاكرة على الفور إلى التفجيرات التي عاصرت تغطيتها في الحروب. وسقط قرب السيارة زجاج وركام من المباني المنهارة وسدت أشجار اقتلعها الانفجار من جذورها الطرق. وكان الناس يجرون في كل مكان وكافحت سيارات الإسعاف وهي تطلق أبواقها للوصول إلى الجرحى.

قالت ريتا حتي التي قتل ابنها نجيب (27 عاما) أحد رجال الإطفاء الثلاثة "وقفت الأيام ب 4 آب (أغسطس). من بعد 4 آب ما بقى يعنيلي لا بلد ولا بيت ولا عيد ولا شي. صارت كل الايام متل بعضها".

وبعد الانفجار استقالت الحكومة في مواجهة الغضب الشعبي. غير أن التكتلات المختلفة الحاكمة في لبنان لا تزال منقسمة بما يحول دون تشكيل حكومة جديدة يمكن أن تساعد في إعادة بناء المدينة والاقتصاد اللبناني.

وتنقسم ولاءات هذه التكتلات بين الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج في جانب وإيران وسوريا في الجانب الآخر. ولم تفلح محاولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دفع الكتل السياسية لتشكيل حكومة جديدة.

* مجتمع منقسم

أصبح الفارق الفاصل بين الشعب وحكامه صارخا اليوم. فأثرياء لبنان يظهرون بانتظام في قائمة فوربس لأثرياء العالم. ومن الستة الذين وردت أسماؤهم في قائمة 2020 أعضاء في أسرة الحريري رئيس الوزراء المغدور ورئيس وزراء سابق آخر هو نجيب ميقاتي وشقيقه طه.

ويعيش زعماء آخرون كثيرون منهم أمراء الحرب وقادة الميليشيا السابقين في فيلات وقصور محاطة بتدابير أمنية في الضواحي التي يسكنها أثرياء بيروت أو على تلال منعزلة.

وفي 2019 كان أغنى 10 في المئة يملكون حوالي 70 في المئة من الثروات الخاصة في البلاد وفقا لتقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. ويقول التقرير إن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر.

شاركت سامية دوغان (48 عاما) مؤخرا في وقفة احتجاجية بمرفأ بيروت احتجاجا على قيادات البلاد وقفت خلالها تحمل صورة لزوجها الذي لقي مصرعه في الانفجار.

أجهشت سامية وهي أم لبنتين توأمتين بالبكاء وقالت "كل يوم نصحو على البكاء وننام على البكاء. هؤلاء الزعماء كان يجب عزلهم منذ فترة طويلة. حكمونا 30 سنة. كفى".

وعلى النقيض من الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية وتدفقت فيها المساعدات من الخارج، يقول المانحون الأجانب إنهم لن يمولوا لبنان إلى أن يشكل حكومة جديدة يمكنها أن تثبت أن أموال المساعدات لن تضيع هباء.

وخلال الحرب الأهلية هاجر لبنانيون كثيرون إلى الخارج. وهذه المرة بدأ الناس يتطلعون من جديد للسفر إلى الخارج. فقد قالت شركة إنفورميشن انترناشونال للأبحاث في بيروت والتي أجرت بحوثا مستفيضة في الهجرة إن ما يقدر بنحو 33 ألف شخص سافروا في 2018 ولحق بهم 66 ألفا في 2019.

وعقب انفجار أغسطس آب مباشرة بلغ البحث عن كلمة "هجرة" على جوجل أعلى مستوياته في عشر سنوات وكشف مؤشر الرأي العربي أن أربعة من كل خمسة لبنانيين بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين يفكرون في الهجرة.

ويقول شرف رئيس نقابة الأطباء إنه يتلقى ما بين خمسة وعشرة طلبات كل يوم لتوصيات من أطباء يبحثون عن وظائف في مستشفيات أجنبية.

وأصبح قلب العاصمة اللبنانية الذي كان يزدحم في العادة بالمحتفلين بعيد الميلاد مهجورا. فالمتاجر والمطاعم مغلقة. ولم تعد الأنوار تضيء ساحة الشهداء التي كانت تقع خلال الحرب الأهلية قبل إعادة بناء بيروت على الخط الأمامي الفاصل بين بيروت الغربية المسلمة وبيروت الشرقية المسيحية.

ومرة أخرى نفكر أنا والدكتور قمير في الرحيل عن لبنان. وأصبح طبيبي يقضي أيامه محاولا إعادة بناء مستشفاه الذي دمره الانفجار. لكن لم يعد لديه إيمان يذكر بقدرة البلاد على النهوض من جديد في الأجل البعيد.

قال لي "نحن نشهد إبادة لبنان. ليس لدي أمل في نهوض هذا البلد من جديد".

(شارك في التغطية عماد كريدي - إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير نادية الجويلي)

مشاركة