نحو سماء واحدة ورحلات أكثر سلامة وأقل استهلاكا للوقود

تهدف خطة "الفضاء الاوروبي الموحّدة" إلى مضاعفة القدرة على المراقبة الجوية بثلاث مرات عما هي عليه الآن. Keystone

دعت المفوضية الأوروبية إلى ضرورة أن تتبع الرحلات مسارات مباشرة أكثر وأن تتوفر على ضمانات سلامة أفضل، مؤكّدة على أهمية وجود "سماء أوروبية موحدة". وسويسرا التي هي شريكة في هذا المشروع، سوف توكل إليها مهمّة مراقبة المنطقة الأكثر حركة طيران في القارة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 يوليو 2013 - 11:00 يوليو,
لويجي جوريو, swissinfo.ch

وتقول المفوضية الأوروبية أن حوالي 26 ألف رحلة يوميا تعبر المجال الجوي الأوروبي، وفي معظمها تقلع - أو تهبط - من نحو 440 مطارا منتشرا في أنحاء القارة، الأمر الذي من شأنه أن "يهدد الأجواء والمطارات الأوروبية بالاكتظاظ"، وفقا لنص البيان الصادر عن المفوضية الأوروبية في يونيو 2013.

وخلال العشر أو العشرين سنة القادمة، تتوقع المفوضية أن تزيد أعداد رحلات الطيران بنسبة 50٪، وإذا لم يتم فعل شيء، فستكون هناك "فوضى عارمة" بحسب تحذير بروكسل، التي تسعى من جانبها إلى تقديم حزمة مقترحات جديدة تهدف إلى التعجيل في فتح المجال الجوي الأوروبي وتوحيده.

حركة مكثفة في الأجواء السويسرية

الحديث عن "فوضى" من وجهة نظر باسكال هوشيستراسر، المسؤول عن برج المراقبة في مطار جنيف، هو نوع من المبالغة، ويضيف: "صحيح، بأن المجال الجوي سيكون مكتظّا، خاصة وأن كل بلد يحتفِظ بفضاء جوّي لطيرانه العسكري".

وتشكل إدارة مجال جوي مزدحم، بالنسبة لباسكال هوشيستراسر ولموظفي "سكاي غايد Skyguide"، الشركة السويسرية لمراقبة الحركة الجوية، عملا يوميا، باعتبار أن الأجواء السويسرية هي من بين الأكثر كثافة على مستوى القارّة وبين الأكثر تعقيدا، على حدّ قول فرانسيس شوبرت، الرئيس التنفيذي للعمليات في الشركة، الذي أكد قائلا: "لا نراقب حركة طيران في اتجاه أفُقي فحسب، وإنما أيضا في اتجاه عمودي، نظرا لموقعنا على محور التقاطع لأهم المطارات الأوروبية، كباريس وأمستردام وفرانكفورت وروما وموناكو".

وخلافا للولايات المتحدة، التي تتم فيها مراقبة المِلاحة الجوية من مركز واحد، فإن الأجواء الأوروبية مجزّأة بشكل كبير، وينقسم الاتحاد الأوروبي إلى نحو مائة مجال، تُدار من نحو ستين مركزا وطنيا للمراقبة، مما يجعل كل بلد يحدد مسارات الطيران عبْر حدوده الوطنية وتبعا لاحتياجات مطاراته.

ولأجل ذلك، تجد العديد من الرحلات الجوية الأوروبية نفسها مضطرّة لأن تسلُك مسارات متعرّجة، يقول توماس ستيفن، قائد طائرات A330 وA340 والمتحدث باسم الاتحاد النقابي لطياري "ايروبرز Aeropers": "عندما أطير من زيورخ إلى بروكسل، أضطر لأن أتّخذ مسارا مُطوَّلا إلى حدّ ما، بينما يسهل عليّ أن أسلك في الولايات المتحدة الخط الجوي الأكثر مباشرة، مما يوفر الوقت والوقود".

ومن جهة أخرى، فإن كثرة المجالات الجوية في الفضاء الأوروبي تقتضي أن يكون لكل منها تردّدا لاسلكيا، كما أوضحه توماس ستيفن، وتابع يقول: "بالتالي، نضطر دوما إلى تغيير التردّد للاتصال مع مراقبي المِلاحة الجوية في عدّة أبراج، بينما نكون في الولايات المتحدة أقل تشتّتا، ولست بصدد القول إن الطيران في أوروبا أكثر خطورة، ولكنه بالتأكيد أكثر تعقيدا".

محتويات خارجية

تجنب عبور نفس الأجواء

ووفقا للمفوضية الأوروبية، فإن من شأن توحيد الأجواء أن يحقّق مجموعة من المزايا، إذ يمكن لكل رحلة طيران أوروبية أن توفّر مسافة 42 كم في المتوسط، يقابله تقليل استِهلاك الوقود بنسبة 10٪، وبالتالي، تخفيف نحو 5 مليار يورو سنويا عن كاهل شركات الطيران وعملائها.

وبموجب الخطّة الأوروبية، سيتِم تقسيم القارّة إلى تسعة كُتل مِلاحية، بدلا من 27 كتلة قائمة حاليا، بحيث لا تعُد تخضَع للحدود الوطنية، وإنما لمُقتضيات الاحتياجات التشغيلية، وسيتِم إدراج سويسرا، مع فرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، ضِمن "خِدمة المِلاحة الجوية لكتلة أوروبا الوسطى"، التي تمثل أكبر الكُتل، باعتبار أنها تستحوِذ على 55٪ من مُجمل الحركة الجوية للقارّة الأوروبية (5,5 ملايين رحلة سنويا ).

"الأساس الذي بُنِيت عليه فكرة المجال الجوي الموحّد، سليم، إذ يوجد في أوروبا عدد كبير من مراكز المراقبة"، كما يقول باسكال هوشيستراسر، وإن التخلّي عن الحدود الوطنية برأيه، سيحسّن من سلامة النقل الجوي. فعلى سبيل المثال: "الطيران الذي يمُر فوق جنيف يعبُر أجواءها مرّتين، وتطبيق الخطّة الجديدة، يمكن أن يوفّر مسارات أكثر مُباشرة، ودون الحاجة إلى عبور نفس الأجواء".

أما فرانسيس شوبرت، فقد ألحظ من جانبه، إلى أن توحيد فضاء المِلاحة الأوروبي، سيسهِّل أيضا عمل مراقبي المِلاحة الجوية، إذ أنه: "حتى وقت قريب، كانت نظُم مراقبة الحركة الجوية، متباينة جدا وكانت تعاني من صعوبة الاتصال بين بعضها البعض، وبضمان التشغيل البيني (التحرير: من خلال مركز إقليمي موحد)، تقلّ احتمالات الخطأ أثناء انتقال الطائرات من مجال إلى آخر".

ما هي التداعيات بالنسبة لسويسرا؟

وعلى ذات الصعيد، اعتبرت الشركة السويسرية لمراقبة الحركة الجوية "سكاي غايد Skyguide"، بأن المشروع الجديد هو "فرصة عظيمة" كما ورد على لسان فرانسيس شوبرت، مضيفا: أنه "يوفر إطارا للتعاون نحن بأمَسّ الحاجة إليه لضمان حسن أداء نظام المِلاحة الجوية".

وبدوره قال باسكال هوشيستراسر: "إننا سنواصل إدارة الفضاء الجوي نفسه، وإن كنا سنحتاج إلى تدريب المُراقبين على النظام الجديد"، واستطرد يقول: "بحلول نهاية عام 2014، سنكون، بحسب الخطة، قد أرسينا أولى دعائم خِدمة المِلاحة الجوية لكُتلة أوروبا الوسطى، كما سنقوم بتنظيم حركة المِلاحة الجوية، الأمر الذي سيُمَكِّن شركات الطيران من خفْض التكاليف".

ومن جانبه، أكد باتريك اكسيكوس، من قسم الأبحاث والدراسات بمعهد كورت بوش الجامعي في سيون بكانتون فالي، على اعتبار خطّة فتح المجال الجوي الأوروبي "ضرورية"، لكنه في الوقت نفسه، أفصح عن وجود شكوك لديه من احتمالية أن تكون للخطة تداعِيات على سويسرا وعلى الشركة السويسرية لمراقبة الملاحة الجوية.

"لقد شكّل موقع سويسرا المركزي لأمد طويل، عاملا إيجابيا بالنسبة للشركة السويسرية لمراقبة المِلاحة الجوية، التي أثبتت قُدرتها على إدارة الفضاءات المحاذية [حيث يوجد أكثر من 40٪ من المجال الجوي الذي تحت سيطرتها في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا]، ودخولها حاليا ضمن كتلة الملاحة الجوية لأوروبا الوسطى، سيجعل خدمات الملاحة ليست مجرّد شريك وإنما منافِس أيضا، وفي نهاية المطاف، ستتمخّض فكرة السماء الموحّدة عن إخضاع مختلف الخدمات الملاحية الوطنية للتنافس، بحيث يكون البقاء للأصلح".

وفي سياق هذه الحالة، لن تكون "سكاي غايد Skyguide" في موقف قوّة من وجهة نظر باتريك اكسيكوس، لأنها على حدّ قوله: "بالمقارنة مع الواقع الأوروبي، لديها هيكل تكاليف مرتفِع نِسبيا، خاصة في ظلّ وجود الفرنك القوي، وبالتالي، ليس من المُستبْعد أن يأتي يوم تستلم فيه فرنسا أو ألمانيا مراقبة تلك المناطق، التي ما فتئت تُسيْطر عليها الشركة السويسرية لمراقبة لملاحة الجوية".

السماء الموحّدة تقسِم أوروبا

بموجب خطة "سماء أوروبية موحدة"، التي اعتمدت في عام 2004، سيتم تقسيم القارة إلى 9 كتل ملاحية، بدلا من 27 كتلة قائمة حاليا.

تهدف المفوضية الأوروبية من خلال تنفيذ الخطة كاملة، إلى زيادة مستوى سلامة النقل الجوي إلى عشرة أضعاف، ومضاعفة سعة المجال الجوي إلى ثلاثة أضعاف وخفض تكاليف إدارة الحركة الجوية بنسبة 50٪، وتقليل التأثر البيئي (جرّاء الانبعاثات) بنسبة 10٪.

بالرغم من ذلك، لا تحظى تلك المبادرة بالإجماع، كما يوضح باتريك اكسيكوس من معهد كورت بوش الجامعي، ويضيف: "على الدوام، اعتبرت الدول الأعضاء مجالها الجوي، هو الارتفاع العمودي لحدودها البرية، وهو بالتالي، خاضِع لسيادتها، وبتطبيق مبدإ السماء الأوروبية المفتوحة والموحدة، ستقع أجزاء من المجال الجوي لدولة ما تحت رقابة خِدمة الملاحة الجوية التابعة لبلد آخر من نفس الكُتلة الملاحية".

علاوة على ما سبق، "ستؤول فكرة توحيد المجال الجوي في نهاية المطاف، إلى جعل الخدمات المِلاحية الوطنية المُختلفة تواجِه بعضها بعضا في منافسة تكون نتيجتها البقاء للأكثر كفاءة، وهذا الوضع ليس من صالح الدول التي تفتقر إلى القدرة التنافسية، كفرنسا، وما موجة الإضرابات التي قام بها مراقبو حركة الملاحة البحرية في البلاد في منتصف يونيو 2013، إلا شاهد على ذلك".

رغم اعتراف الاتحاد السويسري لمراقبي الملاحة الجوية "سكاي كونترول Skycontrol" بأهمية زيادة التعاون الدولي، إلا أنه كشف عن عدم رضاه عن الطريقة التي يتِم بها المُضي قُدما في تنفيذ المشروع، لافتا، بحسب نصّ الرسالة التي وجهها إلى swissinfo.ch، إلى: "عدم وجود حوار اجتماعي حقيقي بين مختلف الشركاء، وأن الحكومات لا تأخذ بعين الاعتبار المشاكل التي تطرَأ كل يوم أمام الرادار".

End of insertion

انتهى عصر الشرائط الورقية

بالتوازي مع خطّة السماء الموحدّة، أطلقت المفوضية الأوروبية برنامجا عريضا أطلقت عليه اسم "سيزار SESAR" أو الدراسات الخاصة بالحركة الجوية في الأجواء الأوروبية الموحدة، يهدف لتحديث البِنية التحتية التقنية لأنظمة المراقبة الجوية.

تشارك سويسرا في "سيزار SESAR" باعتبارها أحد أعضاء الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران "يورو كونترول Eurocontrol" .

تعتبر سويسرا إحدى الدول الرائدة في مجال الابتِكارات التكنولوجية، ومنذ عام 2005، تعكف الشركة السويسرية لمراقبة الملاحة الجوية "سكاي غايد Skyguide" على التحوّل التدريجي نحو نظام معلوماتي بالكامل، يحمِل تسمية "بدون شرائط stripless"، يُتيح للبيانات التي كانت موجودة سابقا في شرائط ورقية، لأن تظهر حاليا وبشكل مباشر على شاشة الرادار.

ومن ثمّ بواسطة نظام جديد للاتصال يضبط الاتصال بين بُرج المراقبة وقمرة القيادة، يحمل اسم "CPDLC"،  ويتيح تصفية وتحديد التردّدات اللاسلكية ويعمل على منع سوء فهم أو تفسير الرسائل النصية، حيث يسمح لمراقب الملاحة الجوية مباشرة من خلال شاشته، رؤية ما يقوم به الطيار إثر تلقّيه للرسالة، والتحقّق من أنه اتّخذ الإجراء الصحيح، دونما لتأكد عن طريق الراديو.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة