تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أمام الكاميرا.. إبتسم فأنت مُراقب!

بقلم


مكنت كاميرات المراقبة المثبتة داخل محطة القطارات في مدينة سيون (عاصمة كانتون فالي) الشرطة من إيقاف عدد من المنحرفين. (تاريخ الصورة: 25 نوفمبر 2008).

مكنت كاميرات المراقبة المثبتة داخل محطة القطارات في مدينة سيون (عاصمة كانتون فالي) الشرطة من إيقاف عدد من المنحرفين. (تاريخ الصورة: 25 نوفمبر 2008).

(Keystone)

كاميرات المراقبة منتشرة في كل مكان، ولكن ماذا ترصد بالضبط؟ اختارت swissinfo.ch تسليط الضوء على هذه التكنولوجيا المثيرة للاهتمام من خلال الحديث إلى خبير أكاديمي وقائد شرطة بكانتون الجورا، وقد تزامن ذلك مع نشر دراسة علمية أوروبية حول هذا الموضوع.

حشود من الناس تظهر على الشاشة، مستعجلة، تستحث الخطى، وجوه مجهولة غير معروفة، متراسة متدافعة، فجأة تتوقّف الصور عن التواتر، وتحيط دائرة لمعان أبيض بأحد وجوه المارة.

- أعتقد ان هذا هو الشخص الذي نبحث عنه.

- يمكنك تكبير حجم الصورة؟

بعد عدد قليل من النقرات، احتل الوجه نصف مساحة الشاشة. وعلى الشاشة الأخرى يظهر مجسّم لصاحب هذه الصورة. ثم عبارة "المزيد" باللون الأحمر.

نعم ما سبق يليق بأفضل سيناريو لفيلم بوليسي أمريكي، أو بفيلم إثارة ورعب. في الواقع لا تزال تقنيات المراقبة عبر كاميرا الفيديو بعيدة جدا عن تحقيق كل هذه الادوار البارعة.

ويوضّح أوليفييه غينيات قائد شرطة كانتون الجورا مستوى دقة هذه التكنولوجيا فيقول: "بالطبع عندما يدخل السارق أحد المؤسسات وهو مكشوف الوجه، فهذه التكنولوجيا في هذه الحالة تقدم لنا خدمة جليلة. ولكن يكفي أن يكون هذا السارق مغطى الرأس أو الوجه، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، وتصبح درجة جودة الصور الملتقطة "محبطة في كثير من الأحيان"، وخصوصا في الليْل، تصبح هذه التكنولوجيا "عديمة الجدوى".

وأما بالنسبة لتقنية التعرّف على الوجوه تلقائيا عندما تكون تتحرك ضمن حشود، فانها لا تزال في مرحلة الإختبار، ويقول فرانسيسكو كلاوسر، الخبير بمعهد الجغرافيا بنوشاتيل متحدثا عن هذه التقنية: "منذ عدة سنوات يتم اختبار أنظمة من هذا النوع في أروقة محطات قطارات في ألمانيا. ولقد اقتربنا من تحقيق بعض النتائج. وعندما تكون الحشود متجهة إلى نفس الوجهة، فإن الأمر يكون سهلا وميسّرا نسبيا، ولكن عندما يتعلّق الأمر بقاعات في المطارات أو في اماكن عامة، فإن الوضع يكون أكثر تعقيدا".

وكلاوسر، هذا الأستاذ المساعد الشاب هو مؤلف اطروحة ويقف وراء منشورات عدة حول هذا الموضوع وهو كذلك محرر مشارك في عدد مزدوج خاص من مجلة "سياسة المعلومات"، وهي أوّل دورية متخصصة في استخدام كاميرا الفيديو في الأماكن العامة وآثارها، ويشمل مجال اهتمامها 12 بلدا أوروبيا. 

جدواها لا تتجاوز الستة أشهر

الملاحظة الأولى: إذا كان قد سبق الحديث في بريطانيا، البلد الرائد في استخدام المراقبة بواسطة كاميرات الفيديو، عن "ثورة" في هذا المجال قبل 15 عاما (كل مارّ بشوارع لندن تلتقط الكاميرات صورته 300 مرة)، فإن الكاميرات قد تحوّلت اليوم إلى جزء لا يتجزأ من المشهد العام في المدن.

أما في سويسرا، بلد الديمقراطية المباشرة بإمتياز، فإن تثبيت هذه الكاميرات يُشاد به بصوت عال خلال الحملات الإنتخابية مثلما حصل في سانت –غالن ولوتسرن، ورينون بكانتون فو. ويذهب فرانسيسكو كلاوسر إلى أن عدد هذه الكاميرات في سويسرا يتراوح اليوم بين 100.000 و150.000 جهاز.

ولكن إذا كان بالإمكان أن تكون هذه الأجهزة مفيدة في الكشف عن مرتكب مخالفة بعد ان يتم اقتراف الجرم، فإن دورها الوقائي يكاد يكون منعدما.. وفي أحسن الأحوال محدود الأثر في الزمن.

ويضيف هذا الخبير أن "كل الدراسات على حد علمي، ومنها ما هو قيم جدا في أنجلترا، تدلل على أن تثبيت تلك الكاميرات يؤدي إلى تراجع معدلات الجريمة، وإلى مضاعفة الشعور بالأمن في مرحلة اولى، ولكن بمجرد مرور 5 أو 6 أو 7 أشهر، هذا الأثر الإيجابي يزول نهائيا".

وبدوره يؤكد أوليفييه غينيات هذه النتيجة، فيقول: "عندما أرى عدد الشركات أو البنوك التي تعرّضت إلى السرقة، على الرغم من وجود كاميرات مراقبة بها، فإنني أشك بان تكون هذه الأداة المثلى لردع مرتكبي هذه الأعمال. وبالنسبة لجرائم الشوارع البسيطة، فإن الأشخاص المرتكبين لها والذين يمرون المرة الأولى والثانية والثالثة امام تلك الكاميرات دون أن يتعرضوا إلى المساءلة، فإنهم يعودون إلى سالف سلوكهم، وكأن شيء لم يحصل.

من يراقب؟

يقول قائد الشرطة: "نود ان نوهم الغير بأننا سنحل المشكلات بمجرد أننا صوّرنا الوقائع. ولكن هذا خطأ". والذي يعترف رغم ذلك بأن أجهزة المراقبة هذه قد تكون في بعض الأحيان "فعالة إلى حد بعيد". ويضيف قائد الشرطة: "فهي تسمح بإجراء تشخيص للوقائع من دون الحاجة إلى الإنتقال إلى موقع الأحداث، ووضع خطة لمعالجة الوضع بناءً على ذلك. ولكن لا جدوى من وضعها في كل الأماكن، لأنه يصعب في تلك الحالة الإستفادة من البيانات التي توفرها".

وتكمن المشكلة هنا: أي كاميرا لا يوجد شخص وراءها يحلل بياناتها ويوظفها في عمل ميداني لا تختلف في شيء عن كاميرا مخادعة ومضللة. ويشير فرانسيسكو كلاوسر إلى أنه "يوجد في بعض الأحيان وبشكل منتظم أنظمة مراقبة، وذلك خاصة في المطارات أو مراكز التسوّق. ولكن ألا يتطلب الأمر أيضا وجود افراد على الأرض للتدخل في حالة حدوث اعتداء أو سرقة؟".

مراقبة الطرقات السيارة

من الميادين التي يمكن أن يكون استخدام كاميرات الفيديو مجديا فيها بحسب كلاوسر هي الطرق السيارة: "في سويسرا، نجد تقريبا في مسافات متقاربة كاميرات فيديو لتصوير الحوادث، والمساعدة في التوجيه عن بعد لعمليات التدخّل السريع، وتترافق هذه الكاميرات مع برمجيات تساعد على رصد الأشياء الثابتة. وتعمل هذه التكنولوجيا بشكل جيّد منذ 10 سنوات".

كذلك الأمر بالنسبة لشركة سكك الحديد، والتي تعتبر من أكثر المؤسسات لجوء إلى استخدام هذه التكنولوجيا، وهي راضية جدا عن الخدمات التي توفرها لها. وقد ورد في بيان صحفي صادر عن شركة سكك الحديد ما يلي: "يشعر ثلاثة أرباع الأشخاص المستجوبين بالاطمئنان أكثر عندما تكون القاطرات مزودة بكاميرا فيديو. ومعدّل الإعتداءات على الموظفين على متن القطارات يتناقص باستمرار. وإذا كان قد تم تسجيل 147 حالة اعتداء سنة 2010، فإن تلك النسبة كانت تبلغ 278 حالة سنة 2005".

ومع ذلك يشدد هذا الخبير على ان التكنولوجيا لوحدها لا يمكن ان تقوم بكل شيء. فهذا التراجع يعود إلى وضع عام شهد فيه الواقع تحسنا أمنيا، من خلال وجود أعوان امن خلال الرحلات الصباحية المبكرة، والرحلات المسائية المتاخرة، وكذلك خلال نهاية الأسبوع، هذا فضلا عن الدوريات المستمرة لشرطة وسائل النقل داخل محطات القطار.

جنون العظمة!

إذن "هل هي عملية جوسسة؟" كما يصرّ على اعتبارها كذلك القائلون بنظرية المؤامرة حتى سنة 1984؟ وأصبحت رواية جورج اورفال نوعا من الخيال العلمي. ويلفت فرانسيسكو كلاوسر الأنظار إلى أن "المراقبة في سويسرا ليست مركزية. ويمكن أن أقول بشيء من التجاوز بأنها مراقبة فوضوية. فهي ظاهرة تنمو على كل المستويات، من دون أن نعرف من يمتلك كاميرا، وما الذي يفعله صاحب تلك الكاميرا بالصور التي يلتقطها؟..."

ولا يرى أوليفييه غينيات أن هناك حاجة للإنجرار نحو رصد كل لحظة أو كل حركة من حركات المواطن. وبالنسبة إليه فإن "الأشخاص الذين يخافون من ذلك هم اقلية صغيرة، وهناك جهل كبير بأوجه قصور وقلة فائدة هذه الكاميرات".

السياق

ما ينص عليه القانون الفدرالي بشأن حماية البيانات الشخصية:

في الشارع، وفي الساحات العامة بشكل عام، لا يسمح باللجوء إلى استخدام كاميرات الفيديو لغرض المراقبة إلا للسلطات العمومية ويمنع ذلك على الخواص. ومن الأسئلة المطروحة والمثيرة للجدل، هل يسمح بتصوير جزءٍ من الرصيف عندما يكون الغرض من الكاميرا المثبتة حماية مكان يوجد فيه صرّاف آلي.

في مكان العمل، يحظر استعمال الكاميرات إذا كان الغرض هو فقط مراقبة سلوك العامل أو الموظف. ويمكن السماح بذلك عبر التراضي من اجل مراقبة عملية الإنتاج أو من أجل تأمينها.

علاوة على ذلك، يسمح بإستخدام كاميرات الفيديو لاغراض المراقبة في المحلات التجارية العامة وفي مآرب السيارات، ومحطات القطارات، ولكن هذا الإستخدام يخضع لقواعد تنظيمية متشددة.

تفرض قوانين حماية البيانات الشخصية عدم استخدام الصور الملتقطة إلا لغرض حماية الأشخاص والممتلكات، وألا يطلع عليها إلا عدد قليل من الأشخاص، وأن يتم اتلافها بسرعة، وفي العموم خلال 24 ساعة من تاريخ إلتقاطها.

نهاية الإطار التوضيحي

أجهزة لا يسمح لها بمراقبة كل شيء

لا يسمح بإستخدام أو الإشراف على إستخدام اجهزة المراقبة ألا لشرطة المدن او شرطة مراقبة حركة المرور بالطرق السيارة. كذلك بالإمكان استخدام هذه الأجهزة لأغراض امنية او تجارية في المطارات والقطارات والأسواق التجارية وفي المصارف. وباعتبار ألا أحد يهتم بعدّ هذه الاجهزة، فإن ما يروج عن عددها هي مجرد تقديرات.

1.24 مليار يورو هو حجم هذه السوق سنة 2010 داخل البلدان 27 الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، وذلك بحسب تقديرات صادرة عن دراسة أنجزها مكتب ماريو فيشر بألمانيا.

تعتبر بريطانيا أكبر بلدا يخضع للمراقبة بواسطة كاميرات الفيديو في العالم (كاميرا بالنسبة لكل 14 مواطنا)، ويعود هذا لكون الشرطة البريطانية ممركزة بشكل كبير، وأيضا عدم تمسك الدولة البريطانية بحماية البيانات الشخصية بقدر القدر المعتمد في بقية البلدان الأوروبية. ورغم وجود 500.000 كاميرا في شوارع لندن، فإن ذلك لم يجعل من هذه المدينة الاكثر أمنا في العالم. وقد اعترفت الشرطة البريطانية سنة 2008، بأن 3% من الجرائم التي ارتكبت في الشارع التي تمت معالجتها من خلال الإستفادة من الصور الملتقطة عبر المراقبة. وفي عموم بريطانيا يصل عدد كاميرات المراقبة حوالي 5 مليون جهاز.

 

في فرنسا، اتخذ النقاش في البداية طابعا إيديولوجيا بين مدن تميل إلى اليمين وتغلّب ضمان الأمن على حماية البيانات الشخصية، ومدن يسارية تتمسك بحماية البيانات الشخصية، ونتيجة لذلك ظلت المدن الثانية أقل مراقبة حتى الآن، وبلغ عدد الكاميرات المثبتة في شوارع المدن من الصنف الأوّل 3 أضعاف ما في المدن الثانية . وفي جويلية 2010، قدرت صحيفة لوفيغارو عدد كاميرات المراقبة في فرنسا بما يزيد عن 570.000 جهاز.

نهاية الإطار التوضيحي


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×