منع التَّسوُّل في سويسرا ينال من الأشخاص الأكثر احتياجا

Yves Leresche

غالبية الكانتونات السويسرية تمنع التَّسوُّل. وكان كانتون فو من أواخر من طَبَّق هذه الخطوة المُعترَض عليها. وبعد عام ونصف من منع التَّسوُّل، تُعرب السلطات عن ارتياحها، في حين يجد الأشخاص المعنيون بشكل مباشر أنفسهم في ظروف بالغة الصعوبة.

في الأول من نوفمبر 2018، تمَّ حظر التَّسوُّل على أراضي كانتون فو. وهي خطوة أثَّرت بشكل كبير على الحياة اليومية لمئات الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً صعبة، وغيَّرت مهمة الشرطة على أرض الواقع. وكانت مدينة لوزان أصلاً قد فرضت قانوناً في هذا الصدد في عام 2013، يحظر التَّسوُّل في العديد من الأماكن العامة ويمنع اعتراض طريق المارّة لطلب المال منهم.

يقول كريستيان باناتييه، رئيس قسم الشرطة المحلية والشراكات والتعددية الثقافية التابعة لشرطة بلدية لوزان: «قبل ذلك، كان يتم تأطير التَّسوُّل. أما الآن، فالقانون يقمعه بشكل واضح. وعمل الشرطي في الشارع ليس الانتقال من الألف إلى الياء، ولكن القوانين القديمة كانت تتيح المرونة والحوار بشكل أكبر. أما اليوم، فالقرارات التي يجب اتخاذها هي أكثر وضوحاً».

عندما يرصد عناصر الشرطة مخالفة خلال دورياتهم، يقومون بإعلام الشخص المعني بالقانون المعمول به وبالإبلاغ عن هذه المُخالفة إلى مركز الشرطة بالمدينة الذي يقوم بدوره بتحديد مبلغ الغرامة وبإرسال الفاتورة. ويشير كريستيان باناتييه إلى أنَّ «الحظر كان له تأثير كبير على المظهر العام، فهناك عدد كبير من المُتسوّلين الذين اختفوا عن أنظار السكان. كما أنَّ له تأثيرا إيجابيا على التجار الذين لم يعودوا يطلبون حضورنا لمكافحة أعمال التَّسوُّل».

الخوف من الشرطة

قبل الأول من نوفمبر 2018، قام عناصر الشرطة بإبلاغ المُتسوّلين بدخول القانون الجديد حيز النفاذ. ويذكر كريستيان باناتييه أنه «في نفس اليوم، اختفى جميع الأشخاص الذين كانوا يتسوّلون في الشارع، وهذا ما لم يكن متوقَّعاً».

ومن بين الأشخاص الذين كانوا يُمارسون التَّسوُّل في لوزان، هناك المُهمّشون ومُدمنو المخدرات وكثير من الغجر القادمين من رومانيا والذين هرب معظمهم بين عشية وضحاها. «كانوا خائفين، خوفاً شديداً من أن تضعهم الشرطة في السجن» حسبما ذكرت آن كاثرين ريموند، رئيسة الفرع السويسري لجمعية سانت إيجيديو (المكونة من شباب كاثوليك وبروتستانت وأورثوذوكس متطوعين لمساعدة المحتاجين في مدينتهم).

عملت هذه المجموعة المسيحية لعدة سنوات مع جمعيتي «أوبر روم» و «نقطة دعم» بهدف تسجيل الأطفال الذين كان آبائهم يتسوّلون في المدارس. وتقول آن كاثرين ريموند متأسفةً أنَّ حظر التَّسوُّل «كان له أثر كارثي على عمل المرافقة بِرُمّته. وقد بقيت على اتصال ببعض العائلات وتابعت مشوارهم: حيث غادر معظمهم إلى فرنسا أو ألمانيا إذ يضطرون للتنقل باستمرار بسبب طردهم».

من جهتها، أضافت فيرا تشيريميسينوف، رئيسة جمعية «أوبر روم» أنَّ: «هذا الحظر قد نال من الأشخاص الأكثر حاجة، وأجبر المرضى وغير المتعلمين على التنقل. لقد تمَّ دفع الناس بعيداً ونحو الأسفل. فساءت ظروفهم، ولا يزالون يتنقلون بين مناطق غير صالحة للعيش».

التنقل المستمر

اليوم، مع أنَّ مظهر التَّسوُّل يبدو أقل من السابق في لوزان، إلا أنه لم يختف بشكل كامل. فالناس يتسولون بشكل سرّي، ويطلبون النقود من المارّة بشكل مباشر ولا يبقون في نفس المكان لمدة طويلة. ونُميّز بالكاد ميندرا وبوغدان بين الحشود المتزاحمة في محطة القطار.

أثناء تناول الشاي الساخن، روى هذان الزوجان كيف ازدادت معاناتهما في الحياة اليومية مع حظر التَّسوُّل. لقد قدِموا إلى سويسرا للبحث عن عمل في مجال الزراعة: وتُخرِجُ ميندرا من حقيبتها السيرة الذاتية التي يمكن أن تقدمها لأرباب العمل المُحتَمَلين. حتى الآن لم يتصل بهما أحد. فمستواهما الضعيف في اللغة الفرنسية وكونهما لا يُجيدان القراءة والكتابة لم يلعب دوراً إيجابياً لصالحهما.

عاش الزوجان من التَّسوُّل في لوزان بين عامي 2013 و2018. ومع دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، سارعا بالهرب إلى غرنوبل في فرنسا. وتستأنف ميندرا حديثها قائلة: «وجدنا أنفسنا في مركز إيواء مع أناس آخرين من جنسيات مختلفة، ولم يكن المكان مناسباً للنساء. أنا أشعر بالأمان هنا أكثر». ولذا فقد عادا إلى سويسرا، ويتنقلان كل يوم في عدة كانتونات لطلب الصدقة، لكي يتمكنوا من تناول الطعام ودفع إيجار مركز الإيواء في لوزان الذي يكلفهما 10 فرنكات في الليلة الواحدة. ينام بوغدان أحياناً في الطريق، حتى في فصل الشتاء. واضطر الزوجان إلى ترك كلبهما مع إحدى العائلات، لأنَّ ملاجيء النوم لم تعد تقبل دخول الحيوانات.

Yves Leresche

وتتابع ميندرا قائلةً: «منذ منع التَّسوُّل، صار الوضع كارثياً. فأنا أسافر كل يوم إلى فيفي ومونترو وسيون ونوشاتيل لأتمكن من الحصول على بعض المال. وأقوم بتغيير القطار عدة مرات لتجنب المُفتّشين». كان يومها صعباً بشكل خاص: حيث قام بعض المارّة في فاليه بالإبلاغ عن ميندرا، وتمَّ إلقاء القبض عليها من قبل الشرطة واحتُجِزت لمدة ثلاث ساعات. واضطرت لخلع ملابسها لتثبت أنها لم تكن تخبأ المال. وأنهت حديثها بالقول: «اليوم، لم نأكل سوى ثمرة يوسفي وليس لدينا ما يكفي من المال لمركز الإيواء. إنها الحياة».

البحث عن عمل

لقد هاجر معظم المُتسوّلين الذين كانوا يعيشون في كانتون فو إلى أوروبا بحثاً عن عمل، ويضطرون لمد أيديهم للناس في بعض الأحيان من أجل البقاء على قيد الحياة. منذ عدة سنوات، تحاول جمعية «أوبر روم» مساعدتهم لإيجاد عمل في سويسرا. تمكّن العديد منهم من الحصول على وظائف مؤقتة ونجح ثلاثة أو أربعة في الحصول على وظائف دائمة.

تعليقاً على ذلك، تقول فيرا تشيريميسينوف: «الأمر ليس سهلاً، لأنَّ معظم هؤلاء الأشخاص أُميون ومعايير التوظيف في سويسرا عالية جداً: هنا يُطلب ممن يبحثون عن عمل القيام بدورات تدريبية والحصول على شهادات». وذكرت كمثال ما حدث مع النسوة الثلاثة اللاتي تمَّ رفضهن في دورة تدريبية في مجال التنظيف، لأنهن لم تستطعن قراءة التعليمات المكتوبة على مواد التنظيف.

وتستأنف فيرا تشيريميسينوف بقولها: «نحاول تعديل سيرتهم الذاتية لتسليط الضوء على خبراتهم ومهاراتهم، فهم أناس كانوا يعملون غالباً في الزراعة في بلادهم» مثل ذلك الشاب الذي كان يعتني بالخيول ثم نجح في العثور على وظيفة في اسطبل للخيل. من جهتها، تقول آن كاثرين ريموند مُندّدة بافتقار السلطات للشجاعة اللازمة: «بإمكاننا أن نتضامن معاً لحل إشكالية أوروبية شاملة، لكن من أجل ذلك سنحتاج إلى الإرادة وعدم الخوف من الانتخابات المُقبلة. علينا أن نحارب أسباب الفقر وليس الفقر نفسه».

التَّسول يصبح جريمة

بعد مرور عام على دخول القانون الجديد حيز النفاذ، تُقيّم السلطات التنفيذية لمدينة لوزان نتائجه «بِمُرضية جداً»، معتبرةً أنَّ الحظر كان له تأثير فوري وفعّال للغاية.

وفي هذا الصدد، يقول جان بيار تابان، الأستاذ في المدرسة العليا المتخصصة بغرب سويسرا في لوزان: «إن كان الهدف السياسي هو طرد المُتسوّلين خارج سويسرا دون الاهتمام بإيجاد حل للمشكلة، فنستطيع القول بأنَّ الأمر قد تمَّ بنجاح». وكان الأستاذ تابان قد شارك في دراسة بتكليف من حكومة فو في عام 2010 لمعرفة ما إن كان الأطفال يشاركون بالتسوّل في لوزان. وبعد المراقبات العديدة، توصَّل الباحثون إلى أنَّ الأمر ليس كذلك.

وفيما بعد، واصل جان بيار تابان أبحاثه مع بداية منع التَّسوُّل وخلص إلى أنه: «حينما يصبح الفقر والحاجة إلى طلب الصدقة جُرماً، وحينما يصبح الافتقار إلى مسكن والحاجة للنوم في الطريق جرماً، فهذا تجريم للفقر».

ويشير الباحث إلى أنَّ اعتبار التَّسوُّل عملاً غير مشروع له سلسلة من العواقب: أولاً، تحويل قضية اجتماعية بحتة إلى قضية تتعلق بالنظام العام وتتولى الشرطة أمرها، ثم يتلقى المُتسولون غرامات مالية لا يُمكنهم دفعها، وبعد ذلك يتلقون تذكيراً بالغرامات وملاحقات قضائية وفي النهاية يقضون عدة أيام في السجن.

وما لم يكونوا سويسريين، يصبحون بذلك «مجرمين أجانب» وقد يندرجون تحت طائلة القانون الذي يسمح بترحيلهم.

Yves Leresche

اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

في هذه الأثناء، تمَّ تقديم طعن ضد قانون حظر التَّسوُّل في كانتون فو، إلا أنَّ محكمة الكانتون والمحكمة الفدرالية أكدتا شرعية القانون، بهدف «الحفاظ على النظام والأمن والهدوء العام» و«الوقاية من تواجد شبكات مافيا». فقامت مجموعة من المُتسوّلين وبعض الشخصيات بطعن هذا القرار أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وأظهرت البحوث في سويسرا وفي دول أوروبية أخرى أنَّ الأشخاص الذين يتسوّلون لا ينتمون إلى أي من شبكات المافيا. ويؤكد جان بيار تابان أنَّه «لا وجود لذلك، وهذا من نسج الخيال. في المقابل، ما يوجد هو عبارة عن تضامن عائلي بين المُتسوّلين».

تستند السلطات السياسية والقضائية في تبرير منع التَّسوُّل على فرضية وجود شبكات واستغلال الأطفال، رغم أن الدراسات تثبت عكس ذلك. ويرى جان بيار تابان أنَّ «هذا الخطاب لا يستند إلى الواقع ونرى بوضوح أنه ليس سوى صورة نمطية. ولكننا لا نستطيع تغيير صورة نمطية عن طريق الحجة، لأنها لا تعتمد على التبرير المنطقي وإنما هي عبارة عن اعتقاد راسخ».

التَّسوُّل يُعاقَب عليه على نطاق واسع في سويسرا

في الوقت الحالي، يمنع 15 كانتوناً، من أصل 26 في سويسرا، التَّسوُّل على كامل أراضيهم: فو وجنيف ونوشاتيل وفريبورغ وغلاروس وشافهاوزن وتسوغ وغراوبوندن وزيورخ وتورغاو وبازل المدينة وأوبفالد وسانت غالن وآرغاو  وتيتشينو. وبعض هذه الكانتونات يعاقب التَّسوُّل بشكل عام، والبعض الآخر يعاقب فقط التَّسوُّل «التطفلي».

من ناحية أخرى، منعت العديد من البلديات التَّسوُّل في لائحة قوانين الشرطة، من بينها على سبيل المثال بورنتروي (كانتون جورا) ومارتيني (كانتون فاليه) ومدينة ليس (كانتون برن).

في باقي الدول الغربية الأخرى، سواء في فرنسا أو بلجيكا أو ألمانيا أو كيبيك (كندا) يُشبه النهج المُتبع ذلك الموجود في سويسرا إلى حدٍ كبير، بحسب جان بيار تابان. بعض المدن أو البلديات تحظر التَّسوُّل أحياناً فقط في أماكن معينة أو فقط خلال مواسم السياحة.

End of insertion
مشاركة