الوباء يمهد الطريق للزراعة المستدامة

لقد حان الوقت للابتعاد عن البروتين الحيواني، كما يقول خبير من معهد غوتليب دوتويلر © Keystone / Christian Beutler

لقد سلطت جائحة كوفيد-19 الضوء على العديد من نقاط الضعف في نظامنا الغذائي العالمي مما قد يفتح لنا نافذة فريدة للإصلاح. ووفقاً  الخبراء الرائدين في مجالي الزراعة والاستهلاك، فإن مستقبل إنتاج الغذاء سيعتمد على مزيج من الأساليب الطبيعية والصناعية والتقنية العالية.

كلار أوديا, swissinfo.ch

يقول دافيد بوسهارت من معهد غوتليب دوتويلر للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (GDI)، والذي يقع مقره بالقرب من زيوريخ: "ما نتعلمه من صدمة الوباء هو أننا اليوم منغمسون في نظام غذائي غير نافع".

وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، تسبب الإغلاق القسري العالمي في تعطيل كبير لسلاسل الإمدادات الغذائية على المستويين المحلي والدولي.

فقد أدت القيود المفروضة على حركة التنقل إلى تقييد وصول المزارعين إلى الأسواق لشراء علف الحيوانات والبذور والأسمدة وبيع المنتجات. كما أدى تعطيل وسائل المواصلات إلى تكدس المواد الغذائية السريعة التلف عند مداخل المزارع، وتدهور أسعارها بشكل هائل.

وفي سويسرا، وإلى جانب أسواق المزارعين للمنتجات الطازجة، تلاشى قطاع الفنادق والمطاعم والتموين بين عشية وضحاها، ما أدى إلى انقطاع الموردين الصغار عن عملائهم.

ومع عدم تمكن من يعملون من المهاجرين في مجال الزراعة من السفر، تراكمت المنتجات الطازجة في المزارع من بنغلاديش وصولاً إلى الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء كانت المسالخ تعمل بوتيرة منخفضة، وأصبحت مصانع معالجة اللحوم في كل مكان، من النقاط الحرجة لانتقال عدوى كوفيد-19.

مسار خاطئ

في نقاش عبر الإنترنت حول مستقبل الغذاء، نظمه معهد غوتليب دوتويلر للاستهلاك والدراسات الاقتصادية والاجتماعية GDI، يوضح بوسهارت أن نظامنا الحالي المتعلق بالغذاء اتخذ المسار الخاطئ. وهو أمر مثير للقلق، لا سيّما وأنه من موجبات هذا النظام زيادة الإنتاج باستمرار لإطعام الأعداد المتزايدة من سكان العالم. وتشير التقديرات إلى أننا وبحلول عام 2050، سنحتاج إلى زيادة حجم إنتاج الغذاء بنسبة 50%.

ويقول إن الاستمرار في المسار الحالي يعني " تجريد الغابات من أشجارها وتحويلها مع السهول العشبية إلى أراضٍ صالحة للزراعة، وهو ما يعني أيضاً اختلال النظم البيئية. كما ستؤدي تقنيات الزراعة الأحادية المكثفة إلى إلحاق الضرر البيئي بالمزيد من الأراضي".

لقد لحق الضرر بالفعل بثلث الأراضي الزراعية حالياً. وبصرف النظر عن العواقب الضارة على البيئة، فإن العواقب السلبية لمثل هذا التأثير الزراعي على العالم الطبيعي يزيد من خطر انتقال الأمراض من الحياة البرية إلى الماشية ومن ثم من الحيوانات إلى البشر.

وهناك أدلة قوية على أن الفيروس التاجي الجديد المسؤول عن الوباء العالمي الحالي، نشأ في الخفافيش ثم انتقل بعد ذلك عبر أنواع وسيطة إلى البشر.

اللحوم المستزرعة

يقول بوسهارت إنه لتحقيق نظام زراعي أنظف وأكثر أماناً، فإن الجزء الأكبر من الحل يكمن في تغيير البشر لعاداتهم الغذائية. ويضيف أن الوقت قد حان للابتعاد عن البروتين الحيواني، الذي يوفر حالياً ثلث البروتين المستهلك على مستوى العالم، والذي تؤدي الأنشطة البشرية المتعلّقة بإنتاجه إلى توليد 14.5% من غازات الانحباس الحراري.

وتشمل بدائل البروتينات الحيوانية، البروتينات النباتية واللحوم المستزرعة والبروتينات المخمرة.

ومن إسرائيل، شاركت في النقاش الذي نظمه معهد  GDI حول مستقبل الغذاء، تامي ميرون، والتي تعمل مسؤولة تنفيذية في شركة ناشئة للتكنولوجيا الغذائية "فريش ستارت" "" Fresh Start، مشيرةً إلى التقدم الذي تم إحرازه في تطوير اللحوم المستزرعة، والتي يمكن انتاجها من عينات الأنسجة في مفاعل حيوي.

وتقول ميرون: "لم تتغلب هذه التقنيات بعد على التحدي المتمثل في قدرتها على التوسع وتخفيض كلفتها الباهظة، ولكنها لا بد من أن تصل إلى تخطي هذا التحدي لأن الحاجة إليها قوية للغاية، كما أن القدرات والكفاءات متوفّرة". وتضيف: "ستكون البداية مع المنتجات الهجينة والجمع بين البروتينات النباتية وبروتينات اللحوم المستزرعة".

وتقدّر ميرون بأن الإقبال على هذه المنتجات، على نطاق واسع سيتم في غضون عشر سنوات. "ولكن أعتقد أننا سنرى أول المنتجات الرائدة في السوق في السنوات الثلاثة إلى الخمسة المقبلة على نطاق ضيق"، على حد قولها.

الزراعة الحضرية

من جهة أخرى، سلطت الجائحة الضوء أيضاً على الحاجة إلى سلاسل إمدادات غذائية أقل عولمة تعتمد على الاكتفاء الذاتي، خاصة مع استمرار نمو سكان الحضر في العالم. فبحلول عام 2050، سيعيش ما يقدر بـ 68% من الأشخاص في المدن، مقارنة بـ 55% في عام 2016. وقد تناول أورس نيغلي من معهد أبحاث الزراعة العضوية هذه القضية أثناء النقاش، وقال إن المدن الكبرى مثل مكسيكو سيتي أو إسطنبول، التي يزيد عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة، معرضة بشكل خاص، للأزمات الغذائية. إن إنتاج الطعام في المدن بدلاً من استيراده من المناطق الريفية هو إحدى الطرق لتصبح هذه أكثر استقلالية، وتحقق أمنها الغذائي.

ويرى نيغلي اتجاهين في إنتاج الغذاء الحضري: البستنة الحضرية التي يقوم بها المواطنون الأفراد، والمواقع المغطاة أي البيوت الزراعية ذات التقنية العالية. ويقول: "في المستقبل، من المحتمل أن يتم إنتاج 5% إلى 10% من مجموع المواد الغذائية في المدن".

ويضيف قائلاً: "نحن قادرون على إنتاج غذاء بنوعية ممتازة، في ظل ظروف اصطناعية بالكامل. وقريباً، سنشهد العديد من مساحات الإنتاج في المباني الصناعية وعلى الأسطح، ولكننا سنشهد أيضاً العديد من الحدائق في المناطق الخالية حيث يتم إنتاج الغذاء بطريقة عضوية. "

لكنه يشير إلى أن المزارعين ومصنعي الأغذية سيستمرون بلعب دور الموردين الرئيسيين، ويجب عليهم المشاركة في البحث عن حلول أكثر صداقة للبيئة، جنباً إلى جنب مع العلماء ذوي الخبرة في مختلف التخصصات.

وفي معرض حديثه عن المجتمع العلمي يقول: "لدينا معرفة ممتازة، لكننا لسنا قادرين فعلياً على تحسين أنظمة الزراعة المستدامة لأن ذلك يتطلب فهماً للسياق البنيوي ".

وداعاً لنقانق "السيرفيلا"

ويقول نيغلي إنه سيكون هناك مكان ودور للحيوانات في الزراعة المستدامة في المستقبل، ولكن بعض التغييرات لا مفر من حدوثها، بما في ذلك ارتفاع أسعار اللحوم.

حالياً، تذهب ثلث كمية الحبوب المنتجة في العالم لإطعام الماشية وخاصة الدجاج والخنازير، لكن هذا الواقع لن يكون قابلاً للاستمرار على هذا النطاق الضخم إلى أجل غير مسمّى. وتشير التقديرات إلى ذبح نحو 50 مليار دجاجة وما يقرب من 1.5 مليار خنزير من أجل تلبية الحاجات الغذائية كل عام.

"في يوم من الأيام قد نصل إلى تبني حل قائم على استخدام فضلاتنا الغذائية لإطعام الدجاج والخنازير حتى لا نفقد ذلك [القطاع] تماماً، فمن المؤكد أن استخدام الحبوب في إطعام الحيوانات سيتم تقليله بشدة، بسبب الحاجة إلى استهلاكها من قبل البشر والحيوانات على حد سواء" على حد قوله.

وقد برزت قضية فضلات الطعام إلى الواجهة خلال الوباء حيث اضطر البعض إلى ذبح حيواناته لا لشيء إلا لنقص الحبوب أو العلف، كما تم ترك المنتجات المتعفنة في الحقول دون حصاد.

وبحسب المكتب الفدرالي للبيئة، فإن استهلاك الغذاء في سويسرا خلال الأوقات العادية، يولد 2.8 مليون طن من مخلفات الطعام التي يمكن تجنبها سنوياً في جميع مراحل السلسلة الغذائية، في سويسرا وخارجها.

يقول بوسهارت "لا تدعونا نضيع الفرصة من أخذ العبر من هذه الأزمة". "لن تكون هناك حالة طبيعية جديدة لأن الحالة الطبيعية القديمة كانت حالة سيئة. من غير الممكن أن يكون لدينا أناس أصحاء يعيشون على كوكب غير صحي، ويقومون بإنتاج غذائي غير مناسب".

مشاركة