تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الوجهة السياحية الأولى عربيا وإفريقيا "المدينة الحمراء" تتطلع لاجتذاب المزيد من السيّاح السويسريين

بعد يوم طويل، تغرب الشمس عن ساحة الفناء الشهيرة وسط مدينة مراكش لتكتظ ليلا بالزوار الذين يتوافدون عليها من كل حدب وصوب.

بعد يوم طويل، تغرب الشمس عن ساحة الفناء الشهيرة وسط مدينة مراكش لتكتظ ليلا بالزوار الذين يتوافدون عليها من كل حدب وصوب.

(Keystone)

احتلت مدينة مراكش مؤخرا المرتبة السادسة ضِمن أفضل عشر مدن سياحية في العالم، وهو ما يشكّل تقدّما كبيرا بالنسبة للمدينة الحمراء، التي سبق لها أن احتلت المرتبة 19 في نفس التصنيف خلال سنة 2013. وباحتلالها للمرتبة السادسة عالميا، تعود مراكش مجددا إلى نفس الترتيب الذي كانت عليه في عام 2012.

وحسب تصنيف الموقع الأمريكي السياحي "tripadvisor"، الأكثر شهرة في مجال السياحة لعام 2014، فإن مدينة مراكش أفضل وجهة سياحية في العالم، بعد مدينة اسطنبول التركية وروما الإيطالية ولندن البريطانية وبكين اليابانية وبراغ، عاصمة جمهورية التشيك، لتكون مراكش بذلك الوِجهة الأفضل على الصعيد الإفريقي والعربي.

هذا التصنيف العالمي للمدينة، التي تسمّى أيضا "المدينة الحمراء"، نسبة للَوْن مبانِيها، لم يُشبع نهم المغاربة المعنيِّين بالسياحة، لإحساسهم أن المدينة ينقصها الحضور السياحي السويسري، الذي وإن كان جيدا، إلا أنه لا زال ضئيلا قِياسا مع السوق السياحية السويسرية أو مع ما تستقبله المدينة من سياح على مدار السنة.

وحسب العاملين في قطاع السياحة في مراكش، فإن جهودا تُبذل لتأمين حضور سويسري أوسع. ففي شهر نوفمبر 2013، احتفى مِهنِيو القطاع بمبادرة شركة الخطوط الجوية "سويس" ببرمجة رحلتيْن مباشرتين منتظمتيْن من جنيف إلى مراكش، لتُضاف إلى العديد من الخطوط والمناوبات التي تقوم بها عدّة شركات طيران أخرى، كما دشّنت شركة الخطوط الملكية المغربية (RAM) منذ بداية أبريل 2014 خطّا مباشرا بين جنيف ومراكش برحلتيْن أسبوعيا (الثلاثاء والأحد).

ويعود رفع عدد الرحلات الرابطة بين مراكش والمطارات السويسرية، إلى إحساس لدى العاملين بالقطاع السياحي بمراكش بالإفتقاد لسوق قوية زاخِرة بالإمكانيات، لم تستطع المدينة الحمراء استقطابها بعدُ لصالحها، إذ لم تفلح الحملات الدِّعائية ولا العروض المتنوِّعة، في استمالة مختلف فئات السياح السويسريين، ولا حتى تكثيف حضور الفاعلين في السوق السويسرية على مستوى التظاهرات الخاصة بالسياحة والأسفار.

حضور سويسري مُـطمئِـن رغم محدوديته

تُشير الإحصائيات الرسمية، أنه من جملة مليون و785 ألف سائح زاروا مراكش خلال سنة 2013، لم يسجّل سوى 12966 سائح سويسري (من مجموع 13 مليون رحلة يقوم بها السويسريون خارج بلدهم)، قضوا فيها حوالي 43727 ليلة، في الوقت الذي بلغ فيه العدد الإجمالي لليالي السياحية المقضاة بالمدينة في نفس السنة، أكثر من خمسة ملايين و730 ألف ليلة.

مع ذلك، تحمل هذه الأرقام أيضا عناصر مطَمْئِنة للقطاع السياحي بمراكش، لأن هذا العدد من السياح السويسريين الذي تمّ تحقيقه خلال السنة الماضية،  يعكس ـ رغم محدوديته ـ نسبة نمُو تجاوزَت 37% مقارنة بعام 2012، الذي انحصر فيه عدد السويسريين الوافدين على العاصمة القديمة للمرابطين، عشرة آلاف سائح فقط، وهو ما يعني بالنسبة للفاعلين في القطاع أن هناك "مفعولا إيجابيا يبعث على الأمل في تطوير إمكانيات استقطاب هذه السوق".

وفي اتصال لـ swissinfo.ch مع مِهنِيّي قطاع السياحة بمراكش، أعربوا عن اقتناعهم بوجود تأخّر كبير في العمل على تطوير السوق السويسرية، والإستفادة من إمكانياتها الكبيرة، "لاسيما وأن الشعب السويسري شغوف بالسفر وأن 81% من سكان الكنفدرالية ينفذون رحلة واحدة على الأقل إلى الخارج كل سنة، بمتوسط نفقات يصل إلى ثلاثة آلاف و800 فرنك سويسري لكل سائح".

هذا الوضع يعني للفاعلين في مجال السياحة بالمدينة الحمراء، توفّـر الكثير من الفرص الثمينة للرفع من مردودية القطاع التي يتم إهدارها بسبب الضعف في استمالة السوق السويسرية، بل إن التركيز على استقطاب السائح السويسري يُعدّ نشاطا استراتيجيا لضمان نمُوٍّ دائمٍ للسياحة في مدينة يشكِّل فيها هذا القطاع، المنشط الأساسي للإقتصاد والمصدر الأهَمّ لخلق المزيد من فُـرص العمل.

في هذا السياق، استضافت ساحة جامع الفنا السياحية بمراكش في شهر مارس 2014، فرقة "الزمرين" الفلكلورية السويسرية من منطقة جبال الألب، التي قدمت عروضا فنية اتسمت بتنوّع ثقافي متعدِّد الجدور والواجهات، كما احتضنت المدينة في 22 نوفمبر2013 بدار الثقافة الداوديات حفل تكريم للشاعر السويسري "برونو ميرسيي".

الرحلات الجوية ضئيلة

في السياق، سألت swissinfo.ch عددا من مِهنِيي القطاع بالمدينة "لماذا لا يُقبِل السويسريون كثيرا على مراكش كوِجهة سياحية؟"، فكانت الردود متشابهة وعزت ذلك إلى تركيز الحملات الدِّعائية لفائدة المدينة على الأسواق التقليدية، كفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا، واستهداف بعض الأسواق الجديدة الواعدة كالسوق الآسيوية والكندية، مقابِل تأخّر كبير في التموقع في السوق السويسرية، رغم أن المكتب الوطني للسياحة متواجِد بمدينة زيورخ، إلا أن نتائج عمله تشكُو من ضُعف كبير.

المهنيون المستجوبون أجمعوا أيضا على أن عدد الرحلات الجوية التي تربط مباشرة وبشكل منتظم مراكش بمدن سويسرية، لا زال ضئيلا، إذ لا يتجاوز عددها 8 رحلات في الأسبوع تربط المدينة الحمراء بكل من بازل وجنيف وزيورخ، فيما يصل مجموع الرحلات التي تستقبلها مراكش في الأسبوع الواحد 235 رحلة.

وفيما يعتقد العاملون في القطاع السياحي أن الدخول بقوّة إلى السوق السويسرية، يمكن أن يُشكل لحظة مفصلية لرفع رِهان ملء النِّصف غير المستغل من الإمكانيات الإيوائية الضخمة للمدينة، لكنهم يرون أن ذلك يظل مشروطا بالترفيع في عدد الرحلات الجوية التي تصل إلى مطار مراكش بشكل عام، لتبلغ 600 رحلة أسبوعية إضافة إلى رفع وتيرة الربط الجوي بينها وبين المدن السويسرية إلى مستوى 50 رحلة أسبوعية.

استهلاك السائح السويسري متوسط

السياح السويسريون الذين يستسلمون لجاذبية المدينة الحمراء، متنوّعون في اختياراتهم وتفضيلاتهم. وإذا كانت النسبة الغالبة منهم تفضِّل الإقامة في دور الضيافة المتواجدة في مراكش العتيقة، لما تتميز به من ترف معماري يستمد جذوره من الطِّراز الأندلسي، فإن عددا مهِمّا منهم يفضِّل الفنادق المصنّفة، لاسيما تلك التي تبدأ من أربعة نجوم.

ومع أن السائح السويسري في مراكش يمثل في معظم الحالات زبونا بميولات راقية وسلوك استهلاكي جيّد، إلا أن العاملين في القطاعات المرتبطة بالسياحة، كالفنادق والمطاعم وأروقة الصناعة التقليدية، يؤكِّدون أن مستوى الإستهلاك لديه، يقع في المتوسّط، فهو يُنفق عادة أكثر من السائح الفرنسي وأقل من السائح البريطاني.

ومن خلال التجربة والأرقام المتاحة، يبدو أن مراكش تستهوي فئات محدّدة من السياح السويسريين، إذ يُلاحظ أن أغلب مَن يفدون من الكنفدرالية على المدينة الحمراء، إما أسَــرٌ يأتي أفرادها جماعة لتقاسُم لحظات الإستمتاع بسِحر هذه المدينة أو من المتزوِّجين حديثا الذين يفدون عليها لتقضية شهر العسل أو أفراد لا تتجاوز أعمارهم عادة منتصف العقد الرابع.

118 مقيم سويسري فقط!

من الملفت أيضا أن السويسريون كانوا سبّاقين في اكتشاف معنى العيش في قلب مراكش العتيقة. فمنذ الستينات من القرن الماضي، بادر عدد منهم إلى اقتناء دور قديمة في عُمق الأحياء التي يُحيطها السور التاريخي، ومنهم من فضّل العيش بشكل دائم مع المراكشيين، مكتشِفا بذلك أسرار المدينة، قبل أن تتحول إلى موضة، أو تقليعة تجعل الإقامة بها وامتلاك دار في قلبها نوعا من "البريستيج".

في المقابل، ظل عدد المقيمين السويسريين في مراكش ضئيلا إلى يومنا هذا، مقارنة مع جاليات أخرى، فهم لا يتجاوزون اليوم 118 شخصا، النسبة الغالبة منهم من المتقاعدين الذين فضّلوا أن ينعموا بتقاعُد هادئ يقضونه في هُدنة مع الرّوح، تحت أجنحة مدينة حالمة لا يطرد فيها الحاضر سِحر الماضي. أما البعض الآخر فقد كان الزواج هو "الشرك" الذي أوقعه في عِشق هذه الحاضرة فقرّر البقاء فيها. أما الباقي، وهُم قلّة، فقد حلّوا بها مغامِرين باحثين عن آفاق جديدة للإستثمار.

وبشكل عام، ينشط المقيمون السويسريون بمراكش، بالدرجة الأولى في قطاع دور الضيافة، مستغلِّين رَحابة هذه الفضاءات وقيمتها التاريخية وقوة جاذبيتها في عيون السياح الأوروبيين، الذين يرغبون في أن يكون مقامهم بالمدينة لحظة حنينية، فصرفوا في سبيل إعادة تأهيلها أموالا كثيرة، فيما انصرف بعضهم إلى قطاعات أخرى، كالتجميل وأروقة الفن والتُّحف والمطاعم.

إجمالا، يُعوِّل مهنيو السياحة على أن يتضاعف عدد الزوار السويسريين إلى مراكش في أفُق سنة 2020 وأن تشكِّل السوق السويسرية موردا حقيقيا لضخِّ دماء جديدة في قطاع يشكِّل فيه تنويعُ الأسواق شرطا لنموه واستمراره، لكنهم يُدرِكون أيضا أن ذلك يستلزم عملا أقوى ومجهودا أكبر، لكي تصير المدينة الحمراء حُلما ماثلا في أعيُن السويسريين أو شهوة لا يستطيعون الفكاك من أسْرها... حينها، تصبح هذه المدينة بالنسبة لهم، رغبة لا يشبعها إلا الحلول فيها زائرا عابرا أو مُقيما دائما.

swissinfo.ch


وصلات

×