تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تجاوز عددها المليونين.. العقارات الآيلة للسقوط في مصر.. مشكلة مُزمنة وحلول مُكلفة

التضخم السكاني وضعف وسائل الرقابة وانتشار ظاهرة الرشوة... عوامل أدت إلى تفاقم ظاهرة البناءات غير القانونية في مصر وتحولها إلى إشكالية تكاد تستعصي على الحل.

(Null)

تمثل مشكلة هدم المباني القديمة والعقارات الآيلة للسقوط، صداعا مزمنا في رأس كل الحكومات والأنظمة التي توالت على حُكم مصر، منذ أكثر من ستة عقود، لدرجة أن خبَر سقوط عقار على رأس ساكنيه ووفاة بعض السكان وإصابة البعض الآخر وقيام أجهزة الحماية المدنية بالبحث عن مفقودين تحت الأنقاض، لم يعُد مُزعِجا ولا يمثل كارثة حقيقية، سوى على أهل العقار المهدوم، الذين تعوِّضهم الحكومة بخمسة آلاف جنيه عن المتوفي وألف جنيه عن كل مصاب!!

وفي محاولة للوقوف على حجم المشكلة ومناقشة أسبابها الحقيقية واستعراض الحلول المقترحة، التقت swissinfo.ch أحد الخبراء الفنيين المتخصِّصين في التخطيط وكاتبا صحفيا ومحللا سياسيا مُهتَما بهذا الملف، وأحد رجال الأعمال من ملاّك العقارات، المتَّهمين بـ "الجشع والرّغبة في الثراء السريع"، ولو على حساب أرواح المواطنين، فكان هذا التقرير...

مشروع الرّقم القومي للعقار

في البداية؛ أوضح الخبير الفنّي المهندس محمد سامي فرج، أن "النقطة الأساسية في الخطة العلمية التي يجب أن نتّجه إليها لحل هذه المشكلة المُزمنة، تتلخَّص في مشروع الرقم القومي للعقار والمُدوَّن فيه كل بيانات العقار من تاريخ إنشائه، ومواصفاته وأعمال الترميمات التي تمّت عليه وسجل الصيانة المُرتبِط به... إلخ، كل هذا يجب أن يكون متوافرا في قاعدة معلومات قومية ضخمة لجميع العقارات الموجودة على مستوى الجمهورية".

وقال فرج - الخبير في التخطيط ونظم المعلومات في تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch: "من خلال هذه القاعدة المعلوماتية، يتم توجيه فِرق هندسية لمُعاينة العقارات وكتابة تقرير فنّي عن حالة كلِّ عقار على حِدة، وِفق الوضع الحالي، ومن ثَـمّ وضْع علامات حمراء على العقارات الخطِرة وعلامات صفراء على العقارات التي تحتاج إلى صيانة أو أعمال ترميم، وعلامات خضراء على العقارات الآمنة"؛ مشيرا إلى الحاجة المُلحَّة إلى "خطّة قومية عاجلة لبناء هذه القاعدة المعلوماتية، التي ستكون الأساس العِلمي نحو حلّ هذه المشكلة القديمة الحديثة".

وعن رؤيته للأسباب الحقيقية وراء هذه الكارثة المُخيفة التي تودي بأرواح آلاف المصريين سنويا، يرى فرج - مدير مركز دعم المبادرات السياسية والتنموية، أنه يمكن حصرها في النقاط التالية: "البناء العشوائي دون الإلتزام بالمواصفات الهندسية؛ غياب الإشراف والرَّقابة من المهندسين المتخصِّصين على أعمال التصميم والتنفيذ، انعدام الصيانة الدورية للمباني، تدهْـوُر حالة المرافق من مياه وصرف صحي، وهو ما يؤثر بالسَّلب على صِحة المبنى، سوء استخدام العقارات في غير الغرض السّكني، إهمال المسؤولين في المحليات للدّور المنوط بهم، فضلاً عن التكدّس السكاني في العقارات".

بناء قاعدة معلومات هندسية

في السياق، كشف المهندس سامي فرج، عن أن "هناك أمورا خاصة بقانون الإيجار القديم، وصعوبة هدم العقار وبناء غيره، لأن السكان أصبحوا ملاكا وفقا للقانون الفاسد الخاص بتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، فلا يستطيع المالك إخلاء العقار ليبني بدلاً منه عقارا جديدا، ويدخل هذا تحت بنْـد الإحلال للمباني التي لا تصلح معها أعمال الصيانة، ويجب إخلاء العقار من ساكنيه فورا، تمهيدا لهدمه وبناء مبنى آخر مكانه، على أسُس سَليمة، ووفقا للمواصفات والاشتراطات الهندسية الواجب توافُـرها".

وحول إمكانية استخدام والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في حلّ مشكلة المباني الآيلة للسقوط؛ أوضح الخبير في التخطيط ونُظم المعلومات، أن "بناء قاعدة المعلومات الهندسية للعقارات، هي أول خطوة، ومن خلالها يُمكن متابعة العقارات وتقدير أحوالها وتسجيل الملاحظات وأعمال الصيانة أولاً بأول"؛ مشيرا إلى أنه "يمكن استخدام نُظم المعلومات الجغرافية لتلْوين العقارات التي تحتاج إلى صيانة، ووضْع خرائط تفصيلية للتّخطيط ومعالجة القنبلة الموقوتة المسماة بالعشوائيات".

العقارات الآيلة للسقوط.. معلومات وأرقام

* أكدت دراسة بجامعة القاهرة أن 90% من عقارات مصر مخالفة وأن 50% من تلك العقارات تحتاج للصيانة؛ بينما نعيش على قنبلة موقوتة اسمها العقارات الآيلة للسقوط، وفي محافظات الجمهورية 2 مليون عقار آيل للسقوط و132 ألف قرار إزالة مجمَّدة.

* عقارات الخطورة الداهمة في حي وسط القاهرة، تضم مناطق الحسين والجمالية والدرب الأحمر والحمزاوي والأزهر والباطنية وباب الخلق، وهي تلك المناطق التي تشكل مصر الفاطمية، وتضم 38 ألف عقار، منها عقارات أثرية يقع أسفلها 55 ألف محل تمثل ثروة لسكانه وشاغليه، وهي أقدم عقارات أحياء القاهرة؛ حيث مرَّ على معظمها أكثر من 150 عاما، وصنف منها 433 عقارا تحت بند الخطورة الشديدة.

* في تقرير لمحافظة القاهرة؛ احتلت أحياء وسط القاهرة النصيب الأكبر من قرارات الإزالة بعدد 2700 عقار، فيما بلغ إجمالي القرارات بالمحافظة 8800 عقار، وتلتها أحياء المنطقة الجنوبية 2500 عقار؛ حيث المناطق الشعبية بالسيدة زينب والخليفة ومصر القديمة، التي تشكِّل نسيج وروح القاهرة الشعبية، ثم 2000 عقار في أحياء المنطقة الشمالية شبرا والساحل وروض الفرج والزاوية والشرابية وحدائق القبة والزيتون.

* أكدت دراسة لوزارة الإسكان، أن الفساد فى المحليات أهم أسباب انهيار العقارات، وأن 10% من الثروة العقارية مهددة بالانهيار، و50 مليار دولار مهددة بالضياع، و50% من العقارات لم تجر صيانتها منذ إنشائها، و200 ألف قرار تنكس وإزالة لم تنفذ بسبب الرشاوى.

* تحتل القاهرة الكبرى المركز الأول فى العقارات الآيلة للسقوط، و40% من أحيائها بحاجة ماسة إلى إعادة تجديدها، ومحافظة الإسكندرية أصدرت 57 ألف قرار إزالة لم يتم تنفيذها، ومحافظة أسيوط تحتل المرتبة الأولى فى عدد المخالفات.

* أكثر من 90% من العاملين بالإدارات الهندسية، الموجودة فى 27 محافظة، و186 مركزًا، و92 حيًا، و1411 وحدة محلية، و214 مدينة، غير متخصصين، فهم من حملة المؤهلات المتوسطة، وهم المسؤولون عن قرارات الإزالة وتحصيل رسوم المخالفات.

* تكشف الإحصائيات الصادرة عن وزارة التنمية المحلية، أن إجمالي عدد قرارات الهدم الصادرة لمبان على مستوى الجمهورية بلغ 111 ألفًا و875 قراراً، تم تنفيذ 69 ألفاً منها، و648 قراراً مطعون عليها أمام القضاء، وصدرت أحكام نهائية بشأن 9527 قراراً.

* تمثل حالات الخطورة الداهمة، والمهددة بالانهيار 1838 مبنى، في حين بلغ عدد قرارات الترميم 98 ألفًا و392 قراراً، تم تنفيذ 39 ألفاً و97 قراراً منها، بنسبة 40% تقريبا.

* حدد تقرير صندوق تطوير العشوائيات 189 مدينة بها عشوائيات، تم حصر 304 مناطق غير آمنة، منها 31 منطقة خطيرة يجب هدمها، و186 منطقة خطيرة بدرجة أقل، وهي عشش متهدمة، و 54 منطقة خطيرة بدرجة ثالثة.

نهاية الإطار التوضيحي

الفساد هو المسؤول الأول!

من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جمال عرفة، أن "الفساد بكافة أشكاله (الرشوة/ المحسوبية/ المجاملات/ الغش/...إلخ) هو المسؤول الأول عن كارثة سقوط مئات المنازل فوق أصحابها في مصر سنويا، متعجبا من أنه "لا أحد يُعاقَب من هؤلاء المسؤولين الفاسدين، وإنما يُحال دائما مالك العقار المُنهار وحده للمُحاكمة، دون أن يُحَاسَب المسؤول الذي سمح بتمرير هذه المُخالفة والسكوت عليها حتى حدثت المُصيبة وانهار العقار ومات مَن مات وفُقِد من فُـقِـد وأصيب مَـن أصيب".

وقال عرفة؛ المهتم بهذا الملف، في تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch: "هناك ما يمكن تسميته بـ "الرواتب المُوازية" على غِرار "الإقتصاد الموازي" أو "السوق السوداء"، يعتمد خلاله عددٌ كبير من موظفي المحليات والإسكان على رواتب في صورة رشاوى من أصحاب المنازل المخالِفة للبناء، ولا يُمكنهم التخلّي عنه، لأنه أعلى من رواتبهم الحكومية عشرات المرّات، وهذا هو سِرّ تقاعُسِهم عن تنفيذ القانون، ومن ثَـمَّ وقوع الكوارث".

وأوضح أن "المُشكلة تعود إلى تراكُم الفساد لسنوات طويلة. ففي عهد مبارك استمرّ الفساد 30 عاما وتَـجذَّر حتى أصبح أمرا واقعا. وعلى الرغم من صدور عشرات التقارير الرسمية التي تُعتبَـر كارثية، لا يتحرّك أحد، إذ تسجل إحصائيات وزارة الإسكان أن عدد المباني في مصر نحو 9.4 مليون مبنى، منها 102 ألف مبنى لا تتوفّر فيها اشتراطات الصيانة".

مطلوب ثورة إصلاحية شاملة

وأشار عرفة إلى أن "الأخطر، هو وجود مليوني مبنى آيل للسقوط في مصر. وقد صدرت لها قرارات تنكيس لم تُـنفَّـذ، رغم العِلم بأن استمرارها بالشكل الحالي، يمثل تهديدا حقيقيا لأرواح المواطنين. وأبسَط دليل على ذلك، ما شهدته مصر في عام 1992، حينما أدّى الزلزال إلى انهيار 627 مبنىً، دون أن يحرِّك المسؤولون في البلاد وقتها ساكِـنا، ولا تزال المشكلة قائمة دون أن يستشعر المسؤولون خطورة الأمر وحجم المأساة التي يمكن أن تقع".

وكشف الكاتب الصحفي عن أن "الحلّ لا يجب أن يكون وقتيا بعقاب مسؤول في المحليات وقت وقوع الحادث لامتصاص غضب المواطنين، وبعدها تعود حليمة لعادتها القديمة، وتستمر التجاوُزات كما هي"؛ مطالبا بـ "حلٍّ شامل لهذه المشكلة المُزمنة، يبدأ من رأس النظام وحتى أخمص قدميْه، في صورة أصغر مسؤول محلّي. فلو صلح "الرأس" صلح الجسد، ولو أظهرت القيادات الكُبرى "القدوة الإيجابية" التي غابت، لطال الإصلاح كافة أطراف الجسد".

واختتم عرفة بقوله: "هذا ما حاوَ لَت أن تفعله ثورة 25 يناير، لكن ما تبِعها من عودة رموز النظام القديم، كان أكبر دليل على تجذر ورسوخ هذا البناء الفاسد ودفاعه المميت عن مصالحه ونفوذه المالي والسُّلطوي"؛ معتبرا أن "الأمر يحتاج إلى ثورة إصلاحية شامِلة، تبدأ بالإصلاح السياسي، ثم تنسحِب على كل المجالات الأخرى، فتُنهي هذا الفساد وتقتلع شجرته وتقضي عليه، وبدون هذا، ستستمر الأزمة كما هي، دون إصلاح حقيقي".

تجرِبة قاسية يرويها أحد ملاّك العقارات

وفي محاولة لاستطلاع رأي الملاّك وأصحاب العقارات؛ يقول (م. ع) – أحد ملاّك العقارات بمحافظة الجيزة: المُشكلة لها أكثر من شق، وبالنسبة لرجال الأعمال وملاك العقارات، فالأمر صعب للغاية، وحتى تتّضح الصورة، سأحكي لكم إحدى قصص وتجاربي الشخصية مع هذه المشكلة. فعندما عُدت من المملكة العربية السعودية بعد رحلة عمل وغُربة امتدت لأكثر من 16 عاما، فكّرت أن أستثمِر أموالي التي جمعتها خلال تلك السنين، واهتديت إلى فِكرة بناء مجموعة من الأبراج وبيعها كشُقق تمليك بأسْعار معقولة، تُحقّق لي فائض ربح جيد وتساهم نوعا في حل مشكلة السَّكن بالنسبة للشباب".

ويًواصل حكايته قائلاً: "أحد الأبراج التي قُمت ببنائها، اشتريت قِطعة الأرض التي بنيْت البرج فوقها بنصف مليون جنيه مصري، وعندما ذهبت للحصول على رُخصة البناء، فوجئت أن الرخصة بأربعة أدوار فقط، وهذا يعني أنني لا أستطيع بناء سوى 8 شُقق فقط، حيث أن كل دور يتكوّن من شقّتين، وعندما جلست لأحسب تكلفة بناء العمارة وأضفت إليها ثمن قطعة الأرض وتكاليف وأجور الرخص وتركيب المرافق الأساسية، من مياه وكهرباء، إضافة إلى السلالم والمصعد الكهربائي... إلخ، وجدت أن العملية خسرانة، وأنني بعد دفع كل هذه المبالغ والانتظار حتى أتمكن من بيع الشقق، لن أستطيع جمع ما دفعته في العملية".

كل دور مخالف برشوة 10 آلاف جنيه!

ويتابع بقوله: "لا أخفي عليك، فقد قررت أن ألغي الفكرة من أساسها وأن أبقي على أموالي في البنك وأن اكتفي بالعائد أو الريع الشهري لهذا المبلغ، غير أنني وجدت أحد المهندسين بإدارة الرُّخص، بالحي التابع له، يتّصل بي ويطلب مقابلتي، وعندما جلست معه، أخبرني بأنه يُمكنني بناء 11 دورا وعدم الاكتفاء بالأدوار الأربعة المسموح بها في الرّخصة، شريطة أن أدفع عن كلّ دور مخالف 10 آلاف جنيه، مقابل سكوت الحي وغضّ الطرف عن المخالفات. والغريب، أنني اكتشفت أن أكثر من 90% من الأبراج الجدية التي تم بناؤها خلال الـ 30 سنة الأخيرة، مخالفة، وأن المسؤولين يعلمون ذلك جيدا، لكنهم لا يحرِّكون ساكنا".

واستطرد يقول: "تخيّل أن عقارا مكون من 11 دورا، يحتوي على 22 شقة، وهو لم يحصل على رُخصة سوى لبناء 4 أدوار، بإجمالي 8 شقق، وهو ما يعني أن هناك 7 أدوار تشتمل على 14 شقة مبنية بالمخالفة للقانون والمواصفات الهندسية، وأنا كمالك للعقار، لا أملك إلا الموافقة على ذلك لأستطيع استعادة ما دفعته من مال مع هامش ربح معقول"؛ مختتما حديثه قائلاً: "لسْنا نحن السبب، المسؤول هو القانون الأعمى وأسعار الأراضي والحديد والإسمنت ومواد البناء، فضلاً عن الموظفين المُرتشين، الصغار والكبار... الموضوع كبير ويحتاج إلى إرادة سياسية، وتعاون جهات كثيرة لحلّ هذه المشكلة المزمنة".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك