هل لا يزال بالإمكان تربية الأولاد في سويسرا بمُرتَّبٍ واحدٍ فقط؟

أسرة في سويسرا خلال تناولها وجبة طعام في عام 1950 Keystone / Str
هذا المحتوى تم نشره يوم 18 فبراير 2020 - 11:00 يوليو,
سيبيلا بوندولفي سيبيلا بوندولفي

في الماضي، كان من المعروف أن راتب الرجل وحده يكفي لتحمّل أعباء مصاريف أسرته بأكملها. أما اليوم، فمعظم الأمهات يعملن أيضاً. فهل لأنهن يرغبن بالعمل أم لأنهن مُرغمات على ذلك؟ 

إنَّ النموذج الأسري التقليدي، حيث يعمل الأب من أجل جلب النقود إلى البيت في حين تعتني الأم بالمنزل، أصبح من النماذج البالية. فمنذ عام 1992، يزداد عدد السيدات العاملات باستمرار، حسبما كشف المكتب الفدرالي للإحصاء.

أندريا شميد ـ فيشر هي رئيسة رابطة الميزانية ـ الاستشارية السويسرية، التي تضم 34 مكتباً استشارياً للميزانية. Monique Wittwer

أما اليوم، فنموذج النشاط المهني الأكثر شيوعاً بين الأزواج الذين لديهم أطفال هو عمل بدوام كامل للأب وعمل بدوام جزئي للأم. فهل تطورت العقليات، أم أنه من الصعب جداً إعالة العائلة بمُرتَّب واحد؟ لقد طرحنا هذا السؤال على السيدة أندريا شميد ـ فيشر، رئيسة رابطة الميزانية ـ الاستشارية السويسرية

swissinfo.ch: وفقاً لحساباتي، من الممكن إعالة عائلة مع الراتب الوسطي الإجمالي في زيورخ البالغ 7820 فرنك، ولكن ليس مع متوسط الرواتب الإجمالية للموظفين غير الحاصلين على شهادات والذي يبلغ 4600 فرنك، هل تشاركيني الرأي في هذا الاستنتاج؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: نعم، من خلال تجربتي في رابطة الميزانية ـ الاستشارية السويسرية، توصَّلت إلى نفس الاستنتاج. للأسف، هناك عدد كبير من الأشخاص الذين لن يحصلوا أبداً على الراتب الوسطي الإجمالي لزيورخ والبالغ 7820 فرنك. فهم يكسبون على سبيل المثال 6000 فرنك صافي وعليهم إعالة طفلين. وبالتالي تكون الميزانية قليلة. 

swissinfo.ch: هل يمكننا القول، بالنسبة للعائلات قليلة الدخل وحتى العائلات متوسطة الدخل، بأنَّه من الصعب تنشئة الأولاد بمُرتّب واحد؟  

أندريا شميد ـ فيشر: هناك خطر الوقوع في الفقر بالنسبة للطبقة الوسطى الأقل دخلاً، والأُسر التي فيها معيل واحد. أما بالنسبة للعاملين الفقراء، فإن رعاية طفل واحد ستزيد من تفاقم الأزمة المادية لديهم. في الطبقة الوسطى، قد يضطر الأبوين إلى تعديل نمط معيشتهم، وقد يكون هذا الأمر مؤلماً ولكنه ليس بالخطورة الكبرى. إنَّ أكثر ما يُثير قلقي هو أننا نعيش في مجتمع مُفرط في الاستهلاك، وأننا نتعرّض لتدفق مستمر من الإشهار بالإضافة إلى تجرؤ المؤسسات التي تقدم القروض على جعل تأسيس الأسرة يتوقف على قرض من أجل شراء سيارة أو تجهيز غرفة نوم لطفل.

متوسّط الأجور في سويسرا 

وصل متوسط الراتب السويسري الإجمالي إلى 6502 فرنك شهرياً في عام 2016. ولو قارنَّا بين الجنسين، لوجدنا أن متوسط راتب الرجل كان 6830 فرنك مقابل 6011 فرنك متوسط راتب المرأة.

ويمكن ملاحظة اختلافات أيضاً بحسب مكان السكن: بلغ متوسط الراتب في كانتون جورا 5379 فرنك في حين وصل إلى 7890 فرنك في مدينة زيورخ. إلا أنَّ الموظفين غير الحاصلين على شهادات لا يتقاضون سوى 4600 فرنك في زيورخ.

End of insertion

بالنسبة للغالبية العظمى ممن تتجاوز أعمارهم اليوم سن الثمانين، كان هناك أمر واضح بالنسبة لهم منذ صغر سنهم: إذا أردت أن أكوّن أسرة، عليَّ أن أجد وضعاً مهنياً جيداً وأن أبدأ بتوفير المال منذ البداية، لكي أستطيع تحمّل أعباء أية تكاليف إضافية أو غير مُتوقعة. فكانت الديون من أجل هذا النوع من النفقات أمراً معيباً بالنسبة للعديد من العائلات. 

أما في وقتنا الراهن، ألاحظ أنَّ جزءاً كبيراً من الناس لا يدخرون المال خلال الفترة التي لا يكون لديهم فيها أطفال. وتعتبر الأجيال الجديدة الادّخار كشيء قديم أو دون فائدة نظراً لنسب الفائدة السلبية. فينفق الأزواج الجدد رواتبهم، وقد يكون لديهم سيارتين وشقة جميلة. ويؤدي هذا النمط من الحياة إلى انخفاض كبير في مستوى المعيشة بعد إنجاب الأطفال.  

بينما لو بدأ الزوجان منذ البداية بنمط حياة يسمح لهما بادخار مبلغ ثابت، فسوف يجدان نفسيهما في وضع مختلف تماماً. حيث سيكون لديهما مبلغ احتياطي للفترة التي يكون فيها الطفل صغيراً وسيتمكنان من قضاء المزيد من الوقت معه. على الأقل في البداية. 

swissinfo.ch: هل يجب علينا أيضاً جمع راتبين، لأننا نرغب بأن يكون لدينا نمط حياة أفضل من الماضي؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: الأمر يتعلق بالدخل وبالمتطلبات الشخصية. إنّما في الحقيقة، الازدهار النسبي في سويسرا يعود بالفائدة على نسبة متزايدة من المواطنين. فعلى سبيل المثال، كانت وجبة اللحم المشوي يوم الأحد بالنسبة لوالدَيَّ، اللذين تجاوزا الثمانين من العمر، حدث الأسبوع البارز. لأنهما بشكل عام، لم يكونا يأكلان اللحم باقي أيام الأسبوع. في حين نجد الجيل الحالي من الآباء قد اعتادوا الحصول على كل ما يريدون كل يوم. ولا يتعلق الأمر هنا بقضايا أو تهديدات مصيرية وإنما بشعور شخصي قوي جداً.  

swissinfo.ch: هل تطور نمط الحياة الذي يُعدُّ «معياراً» يلعب دوراً أيضاً في ذلك؟ على سبيل المثال عندما يشعر بعض الأشخاص بأنهم غير طبيعيين إذا لم يستطيعوا دفع تكاليف بعض النشاطات أو الإجازات لعائلاتهم؟  

أندريا شميد ـ فيشر: إنَّ الأشخاص الذين يقارنون أنفسهم بمن هم أغنى منهم هم عموماً أقل سعادة من أولئك الذين يُركّزون على ما هو مناسب لهم وسليم على المدى البعيد وما يتماشى مع دخلهم. وبفضل النقاش الدائر حول الاستدامة قد يصبح نمط الحياة البسيط من جديد أكثر جاذبيةً.

swissinfo.ch: هل هناك تأثير لعتبة مُعيّنة؟ أقصد هل تجاوز الراتب لحدٍ معين سيؤثر سلباً على الأسرة، بحيث يصبح نصيبها من بعض المساعدات للسكن ورعاية الأطفال وأقساط التأمين الصحي أقل؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: نعم، هناك بالتأكيد تأثير للعتبة التي يجب تحديدها وفقاً لوضع كل عائلة. أعتقد أنه من الضروري ألا نكتفي بالأخذ بعين الاعتبار للفوائد المادية على المدى القريب. وفي جميع الأحوال، يستحق الأمر أن نقبل بأرباح معدومة أو حتى أن نتحمَّل تكاليف إضافية وأن ننظر إلى النشاط المهني من زاوية أخرى. يجب أن ننظر على المدى البعيد إلى الفوائد المتعلقة بالضمانات الاجتماعية، وتأمينات الشيخوخة، وإمكانية التطور في المهنة وإيجاد التوازن الجيد بين الحياة الخاصة ومتطلبات العمل الوظيفي. بعد إنجاب الأولاد، تبقى هناك مرحلة طويلة من الحياة المهنية. ولدى أولئك الذين لم يفقدوا التواصل مع العمل حظاً أوفر لإيجاد وظيفة تتناسب مع كفاءاتهم وبالتالي ضمان مستوى عال من الرضا. 

swissinfo.ch: العائلة التي تسكن في جنيف أو في زيورخ ستحتاج دون شك لراتبين فقط بسبب غلاء الإيجار. فما مدى أهمية مكان الإقامة؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: لمكان الإقامة دور بالطبع. فهناك فوارق كبيرة على مستوى المعيشة بشكل عام والأعباء الضريبية، أضف إلى ذلك على مستوى المساعدات الحكومية. بعض البلديات تُقدّم مساعدات مالية لحضانة الطفل خارج المنزل، وبعضها لا. ويجدر بنا إجراء تقييم شامل للوضع الراهن: حيث الإيجار، والضرائب، وقسائم حضانة الأطفال، ووجبات الغداء، والاشتراك في الجمعية المهنية، ونفقات التدريب المستمر، وتكاليف التنقل هي جميعها عوامل حاسمة.

محتويات خارجية

 swissinfo.ch: في بلدان أخرى، من الطبيعي أن يعمل الأبوان. لماذا نحافظ في سويسرا على مثالية العيش بمرتب واحد؟

 أندريا شميد ـ فيشر: أعتقد أنَّ سبب ذلك هو تفسير قديم لتوزيع الأدوار يعود إلى ما قبل عام 1988، عندما كان الرجل مُلزماً قانونياً على تحمّل الأعباء المادية لعائلته. وتكيّف الاقتصاد بأكمله مع هذا النموذج. في إطار الوفاة والطلاق وبالطبع لعدة أسباب أخرى، لم يعد هناك أي معنى للتمسك بهذه القيود في وقتنا الراهن. أنا أتفهّم الآباء الذين يرغبون بقضاء بعض الوقت مع أطفالهم والذين يريدون تقليل نسبة دوام العمل. لكن في المقابل، لا يبدو لي التقسيم التقليدي للأدوار لأسباب وجودية بحتة مناسباً ـ بغض النظر عما إن كان الرجل هو الذي يتخلى عن عمله أم المرأة.

swissinfo.ch: لأننا بذلك نعتمد كلياً على شريك حياتنا؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: الاستقلال عن شريك أو شريكة الحياة لا يوجد في أي نموذج. لأن كل طرف من الأبوين يعتمد دائماً على الطرف الآخر. ومع ذلك، تظهر التجربة اليومية في مجال العمل أن الوقت الذي يمكن فيه لشخص ما أن يتوقف نهائياً عن عمله ويستأنفه لاحقاً دون أية مشكلة يقصر شيئاً فشيئاً. في الماضي، كان بإمكان المرأة الخمسينية أن تجد عملاً بدوام كامل بكل سهولة، حتى بعد انقطاع عشرين سنة. أما اليوم، لو توقفت عن العمل أكثر من أربع سنوات، فستتعقد الأمور. 

swissinfo.ch: إذن الضغط الذي نتحمله لاستئناف نشاط مهني ليس سلبياً بالضرورة؟ 

أندريا شميد ـ فيشر: يمكن لممارسة الوظيفة أيضاً أن تُحدِثَ توازناً رائعاً مع المهام العائلية وإثراء الشراكة. ولكن من المهم أن يكون هناك أرباب عمل متفهّمين، يعرفون أنَّ الأطفال يمرضون أحياناً وأنَّ الحضانة لا تستقبل الأطفال 24 ساعة / 24 ساعة. ويبقى ذلك تحدياً تنظيمياً للتوفيق بين احتياجات الأولاد والعمل.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة