Navigation

"ستبقى قضية فلسطين حيّة ما دام هناك طفل فلسطيني واحد على هذه الأرض"

يقول عزالدين أبو العيش إنه صُعق عندما رأى بناته الثلاث وقد تحوّلن إلى أشلاء، بعد أن سقطت قذيفة إسرائيلية على بيته في مخيم جباليا خلال حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة (منتصف ديسمبر 2008 - يناير 2009). AFP

تختزل مأساة الطبيب الفلسطيني عزالدين أبو العيش ابن مخيم جباليا، الذي يعمل حاليا أستاذا زائرا في جامعة تورينو شمال إيطاليا، قصة الحرب والسلام التي طبعت علاقة الفلسطينيين بالإسرائيليين منذ أكثر من ستة عقود.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 أكتوبر 2011 - 13:00 يوليو,
عبد الحفيظ العبدلي - بلّينزونا, swissinfo.ch

أبو العيش كان أحد ضيوف الدورة السادسة لمهرجان بابل للأدب والترجمة الذي خُصص هذه السنة للأدب والشعر الفلسطيني. وقد التقته swissinfo.ch على هامش التظاهرة التي استضافتها مدينة بلّينزونا جنوب سويسرا منتصف شهر سبتمبر الماضي في حوار تناول العديد من المحاور والقضايا.

swissinfo.ch: دعيت إلى حضور هذا المهرجان الثقافي، فما طبيعة الرسالة التي أردت إبلاغها إلى الجمهور الحاضر؟

عزالدين أبو العيش: مشاركتي كانت حول كتاب فرغت أخيرا من كتابته وهو بعنوان "لا أكره"، وهو يهم العلاقات الإنسانية والإنسان في هذا الكون عامة. أما بالنسبة لي كإنسان فلسطيني، كان لي في أحد الأيام بيت ووطن وكنت أنعم كباقي أفراد العالم بحياة كريمة، ثم بين يوم وليلة أصبحتُ بلا وطن وبلا أرض، مشردا في المخيمات يعاني الويل والحرمان. وكل هذه المعاناة كانت من فعل الإنسان وليست بسبب كوارث طبيعية أو عوامل قاهرة. هذا يعطينا الأمل بأننا نستطيع أن نتحدى هؤلاء الناس وأن لا نقبل بهذه المعاناة، لأن هؤلاء ليسوا بأفضل منا، وأن للظلم جولة وللحق دولة حتى قيام الساعة، وأن الله يُمهل ولا يُهمل. وعلينا أن نتمرّد على هذه القوى وأن أتحمّل المسؤولية فيما أستطيع أن أفعله.

عندما يُدعى الفلسطيني في مثل هذه المناسبات في البلدان الغربية، عادة ما يكون ذلك للتأكيد على تجاوز الضغائن، وتسليط الضوء على قيم التسامح والتعايش. هل أنت مؤمن فعلا بإمكانية هذا التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

عزالدين أبو العيش: نعم للتعايش بين الإنسان والإنسان على أساس من الإحترام والعدل والمساواة. لكن، المشكلة أن عالمنا اليوم يزخر بالظلم ومظاهر التمييز بين البشر على أساس من الجنس والعرق والدين،... وبإمكان هذا العالم أن يتحلّى بثوب أفضل، قوامه العدل والصدق والأمانة. ومن العدل أن يحب الإنسان لغيره ما يحبه لنفسه. ولا يوجد سلام ما دام إنسان مريض يعاني الفقر والحرمان وآخرُ يعيش مترفا مزهوا. التعايش الحقيقي هو الذي يترافق مع نشر القيم الإنسانية التي وُلدنا بها، ويجب أن نحيا لأجلها.

الإنتهاكات الإسرائيلية المتكررة للقوانين الدولية، ولحقوق الإنسان الفلسطيني، هل يمكن أن تغيّر يوما ما من قناعاتكم الداعية إلى السلام والمحبّة؟

عزالدين أبو العيش: تنكّر إسرائيل للحقوق الفلسطينية، وللقوانين الدولية لن يغيّر ولن يزعزع إيمان كل إنسان على ظهر هذه الأرض بأحقية الإنسان الفلسطيني بالعيش في كرامة، بل إيمان كل إنسان يرغب في نشر العدل في هذا العالم.

ليس المطلوب من الفلسطيني أن يحافظ على إيمانه بعدالة قضيته، بل ما هو مطلوب من كل إنسان هو إعلاء القوانين الدولية لنعيد الإحترام للمؤسسات التي أصدرتها ولنشر الامل في إمكانية قيام مجتمع إنساني لا يكون أحد فيه فوق المساءلة، ومن العدل أن يكون الجميع متساوين أمام هذه القوانين. وعلينا أن نختار إما العدل، وإما العنف.

عشت في تواصل بين شعبيْن، واشتغلت في مصحات ومستشفيات إسرائيلية رغم أنك فلسطيني، ما هي الدروس التي استفدتها من تلك التجربة؟

عزالدين أبو العيش: ممارستي للطب في المستشفيات الإسرائيلية كانت عن قناعة تامة مني بأن مهنة الطب لها وجه واحد، هو الوجه الإنساني، وقيمة واحدة هي إنقاذ حياة البشر. فإنقاذ حياة إنسان واحد تساوي إنقاذ حياة كل البشر، كما أن قتل إنسان واحد، كقتل البشر كلهم.

يجب وضع حياة البشر فوق كل اعتبار. الفلسطيني الذي يعمل في المؤسسات الإسرائيلية لا يُنظر إليه إلا كقوة منتجة ويد عاملة، ولقد حان الوقت ليُنظر إليه كإنسان مبدع وقادر على أن يعطي، وأنه يستحق حياة حرّة وكريمة مثل الآخرين، ولابد من تغيير معادلة الإنسان المستعبد والإنسان المستعمر.

أردت من خلال العمل الذي كنت أقدمه أن أثبت لهم أن هذا الإنسان قد ارتفع على أحقاده وأنه يُعالج الجميع من دون السؤال عن إسم المريض وعن عائلته أو دينه أو وطنه... فهل نستطيع أن نعيش ما نمارسه داخل المستشفى في حياتنا العامة؟

... لكن، كيف كانت علاقاتك مع زملائك الإسرائيليين، وانت تعلم أن من بينهم من له أبناء واشقاء في الجيش الإسرائيلي: منهم من يعطي أوامر ومنهم من يتلقى أوامر، وينفّذها؟

عزالدين أبو العيش: كانت الرسالة أن هذا الإنسان الفلسطيني، إبن مخيم جباليا والمُهجّر من أراضي 1948، قادر على أن يكون بينكم وأن يساعد مرضاكم، وأنه قادر على ان يكون فاعلا وإيجابيا. كنت أرى أن هذه هي الطريقة المثلى ليغيّروا من نظرتهم إلينا، ويجب أن يتغيّر الإنسان الإسرائيلي وأن يرفعوا عن أعينهم وعقولهم هذه الحواجز التي اختلقوها تحت ذرائع الخوف، وأن يعلموا في النهاية أنه لا كرامة لهم إلا بكرامة الإنسان الفلسطيني وأنه لا وجود لهم إلا بوجود هذا الأخير. فوجودهم مرتبط ارتباطا وثيقا بوجود وإستقلال الإنسان الفلسطيني.

لماذا اخترت رفع شعار "لا للكراهية، لا للحقد"، رغم الآلام والمتاعب التي اعترضت حياتك الشخصية والعائلية؟

عزالدين أبو العيش: من حق كل انسان الإختيار، وهذا ما يمّيّزنا عن بقية الكائنات. من حق الفلسطيني أن يكره جلاّده، إذا أراد أن يكره، ولكن هل هذا هو الطريق الصحيح؟ جميع القيم الإنسانية لا تحث على الكراهية، والأديان والقيم السامية، لا تحث على الإنتقام.

الإنسان الفلسطيني لديه قضية عادلة، وعلينا كفلسطينيين أن نكون أصحاء عقليا وجسديا ونفسيا، لأننا بالكره نفقد الصواب، لن نكره ولن نفقد الصواب، وسندافع عن حقنا بكل قوّة. يريدون منا أن نكون ضحايا، ليس فقط للتعذيب والقتل، بل وأيضا للكره المدمّر لأنفسنا: لن أكره لأدافع عن نفسي ولأثبت للعالم بأنني متمسك بحقي بكل عزيمة وإصرار.

كررت في أكثر من مناسبة أن الإيمان الداخلي هو السلاح الحقيقي وهو سرّ النجاح، وأن الكراهية لن تكون الحل للمأساة الفلسطينية. هل يُفهم من هذا رفضكم لكل أشكال المقاومة الأخرى؟

عزالدين أبو العيش: المقاومة حق لكل إنسان، مقاومة الكره والعنف والدفاع عن حقنا والمقاومة بالكلمة. والكلمة اليوم أقوى من أي سلاح آخر. لقد تغيّرت وسائل المقاومة وأصبح العلم والتكنولوجيا، هما السلاح الأقوى حاليا.

آنظروا ما يحدث حاليا في العالم العربي! الذين قادوا هذه الثورات، هم الشباب المسلحين بإيمانهم العميق وتحديهم للخوف، وأعلنوا أن زمن الإذلال قد ولّى وأن زمن الشجاعة والصمود قد أقدم. الدرس الذي نتعلمه من ثورات الربيع العربي هو أن من يحمل السلاح هو الأضعف وهو الأجبن اليوم.

كنت من قبل تعيش بين شعبيْن، واليوم تُقيم في إيطاليا في تواصل مع الرأي العام العالمي. ما هي الرسالة التي تشغلك اليوم والتي تبذل الجهد من أجلها؟

عزالدين أبو العيش: كنت في الماضي أعبر الحدود لأقدم خدماتي الإنسانية كطبيب، ولم أكن رجلا سياسيا ولن أقبل أن أكون كذلك في المستقبل، سأبقى الإنسان الطبيب الذي يعمل على إنقاذ حياة الإنسان. فلسطين في عقلي ووجداني، ولا يستطيع أحد أخذها مني أو دم أو ذكرى بناتي، فهنّ وجميع شهداء الكرامة، أحياء بيننا أراهم كل يوم.

ورغم أنّني مقيم حاليا بإيطاليا، لكنني أزور وطني المسلوب مرتيْن في السنة، لكي أزور قبور الشهداء لأشعر بالغضب، ولأتزوّد بالقوة من أجل مواصلة المشوار، ومن أجل أن تبقى قضيّتنا حيّة، وستبقى حيّة مادام هناك طفل فلسطيني واحد على وجه هذه الأرض.

أبو العيش.. الطبيب والكاتب القادم من مخيم جباليا

عمل أبو العيش طبيب أمراض النساء والتوليد، متخصص في علاج العقم، في العديد من المستشفيات الإسرائيلية، يساعد النساء اليهوديات على الإنجاب، لكن مقر سكناه ظل بمخيم جباليا بغزة، حيث كانت له عيادة أيضا. فقد تأقلم هذا الطبيب مع إجراءات التفتيش المتشددة عند المعابر، والتي عادة ما تكون مهينة.

ظنّ هذا الفلسطينيّ الذي تربطه علاقات صداقة مع زملائه من الأطباء الإسرائيليين، أن الخدمات الطبية التي يقدمها في المستشفيات الإسرائيلية تمنحه نوعا من الحصانة، فعندما اندلعت الحرب على غزة نهاية 2008، رفض هذا الطبيب الفرار من المخيم الذي كانت تحاصره القوات الإسرائيلية، وظل هو وأبناؤه متحصّنين في  منزلهم داخل المخيم.

لكن قذيفة أطلقها الجيش الإسرائيلي أصابت بيته في يوم من أيام حملة "الرصاص المصبوب"، مما أسفر عن استشهاد ثلاث من بناته الثمانية، فيما أصيبت إثنتان أخريان بجروح خطيرة. وردا عن تلك المجزرة كتب أبو العيش كتابا بعنوان: "لا أكـره"، يروي فيه سيرته الذاتية، وما تعرّضت له عائلته من مصاعب ومحن: بدءأ بلجوئها من أراضي 1948، ونجاحه الدراسي برغم التحديات، ووفاة زوجته، ثم استشهاد بناته، لكنه تعالى عن كل ذلك، وقرّر التمسّك بقيم العدل والسلام، والإصرار على المحبّة فلا يكره، مما جعل البعض يرشحه لنيل جائزة نوبل للسلام.

منذ نشأته، كان أبو العيش يهتم بقراءة الروايات، ولم يقرأ كثيرا في السياسة، ويتقن إلى جانب العربية، اللغتين العبرية والإنجليزية، وأكمل دراساته العليا في مجال الطب بجامعة القاهرة.

عمل أبو العيش كطبيب لأمراض النساء في مستشفيات إسرائيلية، وفي قطاع غزة وفي مستشفى العزيزية بالمملكة العربية للسعودية، وله عيادة خاصة في قطاع غزة.

يعمل أبو العيش حاليا أستاذا زائرا بجامعة تورينو الإيطالية، ويُشارك بكثرة في المهرجانات والمؤتمرات الدولية الداعية إلى التعايش والسلام.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.