Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تحديات جمّة أمام الديمقراطية المباشرة


الشعبوية والإعلام والعولمة.. عناصر مُستجدّة تؤثّر في التّجربة السويسرية







تواجه الديمقراطية المباشرة في هذه المرحلة العديد من التحدّيات والمصاعب من شأنها أن تحيد بها عن أهدافها، خاصة توسيع المشاركة في إدارة الشأن العام، ودعم اللامركزية في اتخاذ القرار، ورسم السياسات. ومن أبرز هذه التحدّيات، وفقا للخبراء في المجال، هي العولمة، والدور المجتمعي المتعاظم لوسائل الإعلام، والنزعات الشعبوية لدى بعض النخب السياسية.

فمع تحوّل العالم إلى قرية متشابكة المصالح، متبادلة التأثير والتأثّر، أصبحت القرارات المهمة في كل بلد تؤخذ على مستوى المؤسسات الدولية والإقليمية، والقليل منها على المستوى المحلّي. ومع ثورة وسائط الإتصال، باتت وسائل الإعلام تلعب أدوارا مؤّثرة، وتساهم بشكل فعال في توجيه الرأي العام، وتعبئته في هذا الإتجاه أو ذاك. هذان التطوّران أديا بالنتيجة إلى عودة قوية إلى النزعات الشعبوية اليمينية التي عرفتها أوروبا في النصف الأوّل من القرن العشرين.

لإلقاء نظرة شاملة حول هذه التطوّرات، وتأثّر تجربة سويسرا في مجال الديمقراطية المباشرة بها، التقت swissinfo.ch بالناقد والباحث السويسري من أصل مغربي عبد المولى لمحنكر، المتخصص في علم الجغرافيا وعلم الإجتماع والعضو السابق بالمجلس البلدي بمدينة رومون بكانتون فريبورغ. وهذا نص حوارنا معه.

swissinfo.ch: ميشال ويلباك يميّز بين الديمقراطية المباشرة "الحقيقية والفضلى"، والديمقراطية النيابية "الخاطئة والمنحرفة". كيف تنظر أنت إلى هذه المقابلة بين هذيْن النمطين من الديمقراطية؟

المولى لمحنكر: لا يمكن فهم هذا الرأي من دون معرفة شخصية ميشال ويلباك أو وضع رأيه في سياقه الفكري والسياسي. فويلباك أديب وروائي فرنسي، وفي نفس الوقت يعبّر عن مواقف سياسية. ولقد أوضح في العديد من كتاباته أن الهاجس الرئيسي الذي يقض مضجعه هو إمكانية وصول غالبية مسلمة إلى السلطة في فرنسا يوما ما. فهو إذن لا يؤمن بشرعية الإنتخابات أو من تفرزه إذا كانت ستأتي بمن يخالفونه الرأي خاصة في الآونة الأخيرة وفي كتابه "Soumission". وهو يعتقد بأن الإسلام ليس ديمقراطيا، وليس بإمكان أتباعه أن يكونوا ديمقراطيين. إذن هو يؤيّد الديمقراطية المباشرة التي تصوّت ضد المآذن، وليس غيرها.

إنها الديمقراطية الشعبوية التي تنبذ الصندوق إذا أفرز ما يخالف رأيه أو ثقافته. هذا التمييز يعبّر عن تيار كامل يرغب في أن يكون المسلمون متعصبين ومتوحشين ويمارسون العنف، ولا يرغب في رؤيتهم ينخرطون في العملية الديمقراطية، ويدافعون عن قناعاتهم من خلال صناديق الإقتراع، ويؤمن بضرورة قطع الطريق أمامهم في الحالة الثانية. لذلك لا يجب قراءة ما يقول ويلباك عن الديمقراطية من جهة ما هو مفكّر متمسّك بقيم ومبادئ الديمقراطية، بل ك"فاشي" وغير ديمقراطي يتخفى تحت صفة روائي ينشر خطابا مفعما بالكراهية والإقصاء ضدّ أقلية أوروبية ليس هناك أي امكانية لكي تنجح يوما ما في تحصيل الأغلبية، سواء من حيث العدد أو التمثيل داخل المؤسسات الديمقراطية، لكن الخوف الحقيقي بالنسبة لهذا التيار هو رؤية هذه الأقلية تتحوّل في المستقبل إلى قوة فاعلة ومؤثّرة داخل المجتمع، وتعبّر عن وجودها من خلال القنوات الديمقراطية.

swissinfo.ch: الديمقراطية المباشرة مثار جدل في سويسرا أيضا: البعض يعتقد أن سويسرا "مستقرّة وغنيّة" بفضل الديمقراطية المباشرة، في حين يرى البعض الآخر أن سويسرا هي كذلك برغم ممارستها للديمقراطية المباشرة. لو ألقينا نظرة على ماضي هذا البلد، أي الرأيين أقرب إلى الصواب؟

عبد المولى لمحنكر: الديمقراطية المباشرة ثابت من ثوابت الهوية السويسرية. ومنذ 1831، سنة انضمام سانت – غالن إلى الكنفدرالية السويسرية، شهدت هذه الممارسة تطوّرات متلاحقة إلى سنة 1848، سنة إقرار الدستور الفدرالي في نسخته الحديثة والذي أدخلت عليه تغييرات متلاحقة إلى يومنا هذا، وهو أيضا الذي وضع أسس الدولة السويسرية المعاصرة. فلا يمكن بأي حال فصل تاريخ هذا البلد واستقراره عن الديمقراطية المباشرة.

لكن في المقابل، ليس من السهل ربط الإستقرار والرفاه السويسري بهذا الشكل من الممارسة الديمقراطية سلبا أو إيجابا. فهي عنصر من بين عناصر أخرى تآلفت لتخلق رؤية متميّزة تجاه المجتمع وطريقة في إدارة الشأن العام تحترم حالة من التوازن في توزيع السلطة بين عموم الشعب ونخبه، وبين المدن والقرى، وبين الأقلية والأغلبية، وليس من باب الصدفة أن نتائج أي استفتاء تتوقّف على غالبية أصوات الناخبين، وكذلك غالبية أصوات الكانتونات، بغض النظر عن أحجام هذه الأخيرة. والغاية هي إعطاء الصوت للأقليات أيضا حتى لا يهيمن أو ينفرد الكبار بالشأن العام. وأعتقد أن العناصر التي تشكّل نسيج هذه الديمقراطية المباشرة تساهم إلى حد كبير في خلق الثروة وتحفظ رفاهية هذا المجتمعن وتوازنه ما يوفّر وضعا مناسبا للأعمال نتيجة الحوار الإجتماعي المستمر بين جميع الأطراف خاصة العمال ورجال الأعمال.

swissinfo.ch: طبع العلاقات السويسرية مع العالم في القرن العشرين خاصة شعور قوي بوجود تهديدات خارجية. إلى أي حدّ أثّر هذا الامر في ممارسة الديمقراطية المباشرة في سويسرا؟

عبد المولى لمحنكر: لا أعتقد أن هذا الحكم يمكن سحبه على كل الفترات. صحيح أنه ساد في فترة ما شعور بوجود تهديد أحمر (الكتلة السوفياتية الإشتراكية)، وهو تهديد في الحقيقة تم اختلاقه لتبرير الحفاظ على المؤسسة العسكرية وعلى السياسة التسليحية، وأعتقد أن هذا الشعور، وبغض النظر عن واقعيته، قد قوّى وعزّز الصلات بين مكوّنات هذا البلد.

ولكن عدم الإنجرار وراء سياسة الأقطاب الدولية، سمح لسويسرا خلال فترة الحرب الباردة بلعب دور الوسيط، وأهّلتها سياسة الحياد التي اتبعتها خلال الحربين العالميتيْن لأن تكون الأرض التي يلتقي عليها المتنازعون من أجل حلّ خلافتهم بالطرق السلمية، وهي السياسة نفسها التي أهّلتها لأن تكون المقرّ الثاني للأمم المتحدة والمنظمات الدولية بعد نيويورك، وهو الأمر نفسه أيضا الذي جعلها تستقبل العديد من الشخصيات الثورية ومن اليسار الراديكالي، مثل لينين ورفاقه مباشرة قبل الثورة البلشيفية، ومناهضي النظام الشيلي عقب وصول بنوشيه إلى السلطة، وسمحت بنزول ياسر عرفات على أراضيها سنة 1973، عندما حل بجنيف ورفضت الأمم المتحدة استقباله في مقرّها بنيويورك. إن وجود مقرّ اللجنة الدولية للصليب الأاحمر بجنيف كذلك يمنح الدولة السويسرية ميزة خاصة في إدارة الصراعات، والإسهام في حل النزاعات.

لقد تعاملت سويسرا في أغلب الأوقات مع التهديدات الخارجية المحتملة بالكثير من الدبلوماسية، وتقترح بإستمرار حلولا سياسية سلمية مهما تعقدت الأوضاع، لأنها الضامنة لإتفاقيات جنيف المؤسسة للقانون الإنساني، ولأنها تاريخيا كانت أرض هجرة ولجوء. هذا اللجوء باستمرار للحوار بين الأحزاب السياسية والهيئات المدنية، وبين الكانتونات، واللغات والأديان، لخلق توافق في الداخل، أدى إلى مراكمة خبرة واسعة في مجال إدارة النزاعات في الخارج. وتثبت وقائع التاريخ أن سويسرا خرجت رابحة من أي تهديد أو خلاف مع الخارج. وهي حالة استثنائية على مستوى الغرب.

swissinfo.ch: كيف يمكن أن تفسّر لنا ارتباط الديمقراطية المباشرة اليوم في سويسرا، والتي تعني من حيث التعريف المزيد من الحرية، ومن المساواة والمشاركة، بمساع للتضييق على الأقليات وبالحد من الإنفتاح تجاه الآخر؟

عبد المولى لمحنكر في سطور

29 أغسطس 1964: ولد عبد المولى بستيوته بهضبة تاسووت بالمغرب.

1989: حصل على الإجازة في الجغرافيا والتاريخ والإقتصاد، وعلم الإجتماع من جامعة مراكش.

1990- 1997: إلتحق بمعهد الجغرافيا بجامعة لوزان، حيث عمل مساعد أستاذ.

1998: عمل متعاونا علميا مع كاريتاس السويسرية خاصة بشأن ملف المهاجرين.

2000: أنشأ عبد المولى وكالة أسفار "المجرة" بلوزان، ولايزال يتابع تعاونه العلمي مع جامعة لوزان.

2006: أنتخب عضوا في المجلس البلدي ببلدية رومون بكانتون فريبورغ حيث يعيش مع عائلته الصغيرة المشكلة من إبنيْن وزوجته السويسرية من كانتون فالي.

2009: شارك عبد المولى بنشاط رفقة مسلمين آخرين في حملة "لا للإساءة إلى بلدي"، ردا على دعوة الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي لإعلان الجهاد ضد سويسرا.

ينشط عبد المولى كثيرا في الملفات المتعلقة بحقوق المواطنة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ويشارك بنشاط في العديد من الجمعيات والمؤسسات.

عبد المولى لمحنكر: بداية، لا أعتقد أننا في بلد يضيّق على الأقليات. كل ما في الأمر أن المشهد السياسي السويسري حاليا يفتقر إلى التوازن، وتميل الكفّة فيه لصالح خطاب شعبوي يسيء استخدام الديمقراطية المباشرة، ويقوم على الاعتقاد بأن الشعب قادر على إيجاد حلول لجميع المشكلات والإجابة على كل الأسئلة المطروحة على الدولة وعلى المجتمع. لكن هذا التوظيف، وللحقيقة، يقوم به أيضا اليسار، إذ يقترح من حين لآخر استشارات شعبية ذات توجّه يساري تقدّمي.

في المقابل، يوجد يمين متشدّد ونشط جدا، ولا يفوّت أي فرصة لتوظيف الديمقراطية المباشرة لصالح أجندته السياسية والحزبية. لكن في النهاية، هذه الديمقراطية تسمح بإطلاق حوارات مجتمعية على نطاق واسع، وتعطي الفرصة حتى للأقليات للتأكيد على حقها في الوجود في هذا البلد. لا أعتقد، ولو اخذنا مبادرة حظر المآذن، كمثال لأنها تهمّني عن قرب، أن الديمقراطية المباشرة تضيّق من مجال الحريات، إذ لا يجب أن ننسى أن النتيجة النهائية كانت 57% يؤيدون حظر المآذن مقابل 43% عارضوا ذلك. فكما هو بيّن الفارق ليس كبيرا، وما سجّله المراقبون في ذلك الوقت أن الكانتونات التي كان فيها الأجانب، وخاصة المسلمون، متواجدون (الكانتونات الناطقة بالفرنسية او في مراكز المدن) كانت نسبة المؤيدين للحظر أقل.

لكن المشكلة التي طرأت في السنوات الاخيرة على الديمقراطية المباشرة، وهي مسألة خطيرة جدا، هو تلاعب وسائل الإعلام بالرأي العام وبمشاعر الناس على وجه الخصوص. وهذا التلاعب الذي يخرج عن كل سيطرة بات يؤثّر بشكل فعال على توجهات الرأي العام ، ويتدخّل في تحديد طريقة تصويت الناخب، وهذا نتيجة ضعف معرفة الإعلام بالآخر، وأيضا لأن الإعلام تحوّل إلى "قوّة سياسية"، مسفيدا من تحرّر خطابه الذي يميل إلى النقد، وتحقير ما تقوم به بقية مؤسسات المجتمع المحكومة، وعلى خلاف الإعلام، بقيود قانونية وشروط دقيقة..

إذن الممارسة الديمقراطية في سويسرا باتت خاضعة لعامليْن مؤثريْن: اختلال توازن المشهد السياسي لصالح يمين متشدّد وشعبوي، ووسائل إعلام تجيّش الرأي العام بما يعزّز قوّة ذلك اليمين ويشيع صورا نمطية سلبية عن كل ما هو أجنبي ووافد، أفرادا وجماعات وثقافات. ورغم كل ذلك شهدت سويسرا مؤخرا انهزام اليمين الشعبوي في أكثر من معركة انتخابية. بالنهايةهي ديمقراطية مباشرة قد يُساء توظيفها من اليمين  كما من اليسار. ولكن، تظل سويسرا دولة قانون تضمن حقوق الجميع.

swissinfo.ch: تحدّثتم عن النزعة الشعبوية لدى أقصى اليمين. فما هو الخطر الذي تمثله هذه النزعة على المجتمع عموما؟

عبد المولى لمحنكر: هذا السؤال يدفعني إلى التفكير في قدرة الديمقراطيات الغربية عموما على الصمود مثلا في مواجهة الإسلاميين الراديكاليين، لأن هذه الديمقراطيات التي صمدت أثناء مواجهتها للفاشية وللنازية، وللأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية، نراها اليوم تتراجع عن أهمّ المبادئ الديمقراطية، التي أسست لحقوق الغنسان والتي بات يطعن فيها  بدعوى محاربة الإرهاب (قانون محاربة الإرهاب "باتريوت آكت" في أمريكا، وقانون محاربة الإرهاب في فرنسا وألمانيا، إلخ...). ولكن، في نفس الوقت، تواجه هذه الديمقراطيات داخل مؤسساتها، خاصة المجالس النيابية، نخبة سياسية ترفع شعارات شعبوية لتحقيق مكاسب انتخابية وحزبية بحتة. من شأن هذا السلوك افساد العملية الديمقراطية سواء كانت مباشرة أم نيابية، ويعطيها مضامين أخرى غير التنافس في خدمة مصالح الناخبين. ومع ذلك، تظل سويسرا بلد قانون.

وعندما نرى رجلا مثل ديك مارتي، وعلى الرغم من انه من اليمين الليبرالي، فإنه يعلن وبأعلى صوته تمسّكه بمنظومة حقوق الإنسان كاملة من دون نقصان. المشكلة التي تعاني منها سويسرا اليوم هو أن هذه النزعة الشعبوية لدى أحزاب أقصى اليمين باتت تفرض أجندتها على أحزاب اليمين كما على أحزاب اليسار. ونظرا لكون أقصى اليمين يقدّم إجابات شعبوية ترضي المشاعر ولا تغيّر من الواقع شيئا، فإنه يصعب على بقية مكوّنات الساحة السياسية منافستها خلال المعارك الانتخابية. المعضلة هنا هو أن اليمين المتشدد ينحرف بالديمقراطية المباشرة عن أهدافها الحقيقية من جهة كونه يستخدمها لتحقيق غرض محدد هو خلق مجتمع من الجنس الأبيض الخالص، الآري، كاثوليكي او بروتستانتي لا يهم، لكن لا مكان فيه لعنصر آخر.

swissinfo.ch: هل هذه هي الاجندة الحقيقية التي تخفيها مقولة "سويسرا ليس بإمكانها إستيعاب كل البؤس الموجود في العالم" والتي باتت متداولة الآن على اليمين كما على اليسار؟

عبد المولى لمحنكر: هذا الخطاب لا يمكن القبول به. ولابدّ من الحذر عندما يدعي أحدهم أنه من اليسار ثم يرّوج لسياسات ومقولات أقصى اليمين. وإن فعل ذلك فهو يميني يحمل قناع اليسار. من الخطأ وصف هذا النوع من الخطاب بالواقعية السياسية، لأنه مخالف للوقائع التاريخية: عندما كانت أوروبا تعيش البؤس في قرون مضت، صدّرت أعدادا هائلة من سكانها إلى أمريكا وأستراليا وإفريقيا...ولو أخذنا منطقة مثل كانتون فالي بسويسرا، نجد أن ثلث سكانه قد هاجروا إلى الأرجنتين، عندما لم يكن هناك ما يفعلونه في بلدهم الاصلي.

واليوم، عندما يقول فرايزنغر، أحد زعماء اليمين المتشدد بالفالي، أنه لا مكان لطالبي اللجوء في الفالي، لابد من تذكيره بحقائق التاريخ. كذلك يجب أن نذكّر المجموعة من سكان كانتون فريبورغ الذين يبذلون جهودا كبيرة من أجل منع فتح مركز لإستقبال طالبي اللجوء في منطقتهم أن آلاف العائلات أصيلة فريبورغ قد هاجرت في الماضي لتستقرّ في البرازيل بحثا عن حياة أفضل (نجد اليوم في البرازيل مدينة تسمى فريبورغ الجديدة، ويصل عدد سكانها إلى 180.000 ساكن). السفن المحمّلة بطالبي اللجوء التي نتحدّث عنها اليوم ليست ظاهرة جديدة، وكل ما في الأمر، كانت هذه السفن تغادر قديما الموانئ الأوروبية، واليوم هي تتحرّك في الإتجاه الآخر، وكما يقال "تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن".

swissinfo.ch: وضع السياسات وصناعة القرار أصبحا اليوم اكثر تعقيدا، حيث الكثير منهما يتمّ من خلال التعاون والتنسيق على المستويْن الأوروبي والدولي. فما الفائدة إذن من التمسّك بإستشارة الناخبين في بلد من البلدان كسويسرا؟

عبد المولى لمحنكر: أعتقد أن ما جرى في اسبانيا مؤخرا، وما شهدته إيطاليا عقب آخر انتخابات عامة، وكذلك في اليونان، يقدّم درسا قيّما جدا في مجال الديمقراطية المباشرة. الحاجة اليوم هي اكثر ما يكون للعودة إلى هذا النمط من الإستشارات الشعبية. ومن يتأمّل النقاشات التي أعقبت ثورات الربيع العربي وظهور حركة "الغاضبون" (Les Indignés) وغيرها،...كلها كانت حركات تدعو إلى اعادة سلطة القرار إلى المواطنين، لأن الديمقراطية النيابية برأيهم انحرفت عن مبادئها، وباتت تفتقد إلى الشفافية خاصة مع تعاظم دور اللوبيات ما أدى غلى افراغ الديمقراطية من دلالاتها الحقيقية، وبالتالي يرون أن هناك حاجة للعودة إلى الديمقراطية المباشرة لإستعادة استقلالية القرار على المستوييْن المحلي والوطني.

swissinfo.ch: العديد من الديمقراطيين العرب تعوزهم الشجاعة السياسية أمام مطالب اللامركزية وتوسيع مجال السلطات المحلية بدعوى أن ذلك يهدّد وحدة أوطانهم. ما هي الدروس التي يمكن استفادتها من التجربة السويسرية؟ وهل هذه المخاوف مبرّرة؟

عبد المولى لمحنكر: أعتقد ابتداءً أن السياق التاريخي لعام 1848، والسياق التاريخي لعام 2015 مختلفان، على مستوى تركيبة المجتمعات من جهة، ومن حيث شرعية الأنظمة القائمة من جهة أخرى. وثانيا، اللامركزية لا تعني التقاسم من أجل التقاسم. بل هي توزيع للسلطات والصلاحيات وفقا لرؤية شاملة تهدف إلى تعزيز المشاركة المواطنية، ومشكلة العالم العربي هو أن هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة مفقودة. وما يسود المنطقة العربية اليوم رؤيتان: رؤية دينية بالمعنى الطائفي للكلمة، ورؤية قبلية مناطقية. والأولى تجميعية لكنها لا تقدّم إجابات واضحة للقضايا السياسية والمجتمعية، وفي اليوم الذي تتحوّل فيه هذه الرؤية الدينية إلى مشروع مدني سياسي واضح المعالم، تصبح تلك الرؤية قادرة على قيادة المشاريع الوطنية وتوحيد المجتمع.

ومن ينظر للصراعات الدائرة اليوم في أكثر من بلد عربي، يرى أنها تتخذ كذلك طابعا قبليا بين أكراد وبربر وأفارقه،..، إلخ، من جهة،  وعرب من جهة أخرى، أو طابعا دينيا، بين الشيعة والسنة، أو بين مسلمين ومسيحيين. تفجّر هذه الصراعات يبيّن أن هذه المنطقة هي اليوم بصدد إعادة اكتشاف اختلافاتها وتنوّع مكوّناتها الثقافية والعرقية بعد أن دأبت لعقود على نفي وجودها إو إخفائها من خلال حكم شموليّ او رؤية إيديولوجية وهمية خلال تلك العقود، كانت الجهات النافذة تتغنّى بوحدة مغشوشة تزيّن بها الواجهة. تحطيم هذه الوحدة المغشوشة، وبناء وتشييد وحدة وطنية حقيقية تستند إلى مشروع وطني جامع أمر يتطلّب تفكيرا عميقا وقرارات تاريخية صعبة. ولتحقيق هذا المطمح، لابد من توفّر ثلاثة عناصر أساسيّة: مجتمع مدني واع، قادر على التوافق على مشروع تكون جميع المكوّنات (العرقية والدينية والثقافية) مستفيدة منه، ونخبة سياسية ونقابية وثقافية قادرة على تحقيق هذا المشروع، وموطنين في مستوى المواطنة الحقيقية وما يستتبعها من واجبات وحقوق. وكل هذا يتطلّب وجود مؤسسات فاعلة ومستقلّة، ومواطنة كاملة غير منقوصة.

swissinfo.ch

×