"الميزانية التشاركية" تجربة واعدة في تونس لسلطة محلية تحت التأسيس




في هذا المبني المميز، يُوجد مقر بلدية صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسية. 

(swissinfo.ch)

بعد نجاح الثورة التونسية في الإطاحة برأس النظام زين العابدين بن علي قبل خمسة أعوام، اختلت منظومة البلديات بشكل كبير. ويعود ذلك إلى قرار الإقالة الجماعية للمسؤولين البلديين السابقين واستبدالهم بآخرين، وُضِـعوا على رأس ما سُـمي بالنيابات الخصوصية، وهي آلية مؤقّـتة تمَّ اعتمادها للمحافظة على الحدِّ الأدنى من المهام البلدية، دون أن تنجح في تعويضها.

وأمام كثرة الشكاوى التي تقدّم بها المواطنون في مُعظم جهات البلاد، أقدَمت بعضُ البلديات على خوْض تجربة "الميزانية التشاركية"، في محاولة منها لامتِصاص غضب المتساكنين، وتجاوبا من ناحية أخرى، مع رغبة التونسيين في إيصال أصواتهم إلى الجهات المسؤولة على وضع الأولويات على الصعيد المحلي.

الذين بادروا باقتراح هذه التجربة، كانوا مجموعة صغيرة من الشبّان أسّسوا جمعية تحت عنوان "الحركة الجمعياتيةرابط خارجي"، ونجحوا في إقناع بعض البلديات بأهمية اعتماد صيغة "الميزانية التشاركية"، بعد حملة المُناصرة التي نظّموها خلال سنة 2013، فانطلقت التجربة بتونس خلال سنة 2014.

في عام 2015، انضمّت أخيرا بلدية صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسية إلى 6 بلديات سبقتها في هذه التجربة، وهي بلديات: المرسى ومنزل بورقيبة وتوزر وقابس (2014) ومنوبة وقفصة (2015). وبفضل هذه الآلية، تمكّن جزء من المواطنين من المشاركة بفعالية في إقرار مشاريع تتعلّق بالبنية التحتية في مناطقهم وأحيائهم السكنية.

في السياق، يذكر رئيس بلدية صفاقس مبروك قسنطيني أن التجربة نجحت بسرعة وبيُـسر، إذ سجّلت هذه البلدية أعلى نسبة مشاركة لسكّان الأحياء، مقارنة ببقية النيابات الخصوصية، حيث شارك فيما سُمِي بـ "منتديات المواطنين العشرة" التي نظمت خلال السنة المنقضية أكثر من 2000 مواطن ومواطنة، وهو ما جعل الصورة أقرب إلى شكل من أشكال ممارسة الديمقراطية التشاركية بطريقة ملموسة.

ابتكار ديمقراطي

عمليا، تُعتبَر الميزانية التشاركية ابتكارا ديمقراطيا هاما يسمح للمواطنين بشكلٍ فردي بتقديم مقترحاتهم للمشاريع المفضّلة للإستثمار على المستوى المحلّي والتي ستنفذ من طرف البلدية ابتداءً من سنة 2016.

وقد طبّقت في تونس صيغتان إلى حدِّ الآن، فهناك مجالس بلدية اقتطعت جزءً من الميزانية المحلية، التي بلغت بمدينة صفاقس 3 مليارات من الملّيمات (مليون ونصف المليون من الفرنكات السويسرية تقريبا)، أي في حدود 20% مقتربة بذلك من المقاييس الدولية المعمول بها في منظومة "الميزانية التشاركية"، وهناك بلديات أخرى فوّضت المواطنين المشاركين في التجربة باختيار المشاريع، وأيضا تحديد النِّسبة المخصّصة من الميزانية العامة، التي أصبحت تسمّى "ميزانية المواطن".

إضافة إلى ذلك، تُمكّن هذه الآلية السكان من اتِّخاذ القرار، ثم متابعة جميع مراحل تنفيذه، بدءً من الإجراءات الإدارية، وصُولا إلى مراقبة التنفيذ الميداني في مواقع الأشغال.

وتتم المراقبة بفضل انتخاب "نواب الأحياء"، حيث تمّ التوافُـق في صفاقس على اختيار ثلاث نواب، رجل وسيدة وشاب. وبعد اقتراح 30 مشروعا، تمّ الإبقاء بعد نقاشٍ مستفيض على 25 مشروعا موزّعة على جميع الأحياء.

في هذا العام أيضا، تمكّـن سكان صفاقس من اقتراح عددٍ من المشاريع الخاصة بالتنوير العمومي والطرقات والأرصفة، التي سيتم تنفيذها خلال سنة 2016 في مناطقهم السكنية، وهو ما جعل رئيس النيابة الخصوصية لمدينة صفاقس يتوقّع بأن التجربة ستستمر بعد أن حقّقت نِسبة عالية من النجاح.

إعادة بناء الثقة

هذا التقييم الإيجابي لنتائج التّجربة يؤيِّده بقوّة رئيس "الحركة الجمعياتية" السيد قريش جاء وحدو، الذي ذكر لـ swissinfo.ch أن الدليل على ذلك، هو قرار جميع البلديات السَّبعة التي شاركت في تجربة الإستمرار فيها خلال السنة الجديدة. ومما يُـلفِت النظر في هذه الآلية، الدور الهام الذي يقوم به المجتمع المدني، مشيرا إلى مشاركة 380 جمعية في مراقبة هذا المسار وتدعيمه، لأن الجمعيات عُـنصر أساسي في تنفيذ هذه الآلية. وقد تمّ انتقاء مسيِّرين من هذه الجمعيات، خضعوا لتدريب مكثَّـف، وأصبحوا جزءً لا يتجزّأ من إدارة التجربة. هؤلاء يعملون إلى جانب المجلس البلدي وممثلي الأحياء، وهو ما مِن شأنه أن يُطمئِـن المواطنين على مصير قراراتهم. مع العِلم أن انتخاب هذه الأطراف قد تمّ تحت مُراقبة الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الإنتخابات رابط خارجي(عتيد)، وهو ما أضفى الشفافية الكاملة على هذه الانتخابات، وأبعَد شبَح الفساد عن هذه التجربة.

يقول السيد جاء وحدو إن الدستور التونسي نصّ على وجوب مشاركة المواطنين، لكنه لم يضع لذلك آلية واضحة، وهو يعتقِد بأن الميزانية التشاركية يُمكِن أن تكون الآلية الأفضل لتحقيق هذا المقصَد الدستوري، خاصة وأنها توفِّر فرصة جيِّدة للمراقبة الداخلية، التي من شأنها أن تحدّ كثيرا من إمكانية الفساد والتواكل وتجعل المواطن يُدرِك بأن البلدية هي بلديته. كما يتوقع بأن نتائج هذه التجربة ستكون إيجابية على أكثر من صعيد، لأنها ستُساعد كثيرا على إعادة الثقة في المؤسّسة من خلال رفْع حجْم استِخلاص الجباية المحلية، نتيجة ملامسة المواطنين للشفافية المالية، وهو ما من شأنه أن يخفِّف من أزمة الثقة المَوْروثة عن المرحلة السابقة.

إضافة إلى ذلك، يتوقع رئيس "الحركة الجمعياتية"، بأن المرحلة القادِمة ستشهَد أيضا دعْما متزايِدا من البلديات للنشاط الثقافي على المستوى المحلّي، وهو ما حصل ولا يزال في كلّ الدول الديمقراطية التي اعتمدت على تقوية السلطة المحلية. فإعادة بناء الثقة، لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال توسيع دائرة مشاركة المواطنين في صُنع القرار والسَّهَـر على تنفيذه. 

تجربة واعدة قد تُعمّم قريبا..

من المنتظر الآن أن يشهد عام 2016 تقييما شامِلا لهذه التجربة، التي تتم لأول مرة في تونس، بفضل التحوّل السياسي الحاصل في البلاد منذ الإطاحة بالنظام السابق. ويعتقد الذين شاركوا في هذه المغامرة، أن جمهور المواطنين مرشَّح لكي يزداد وأن نسبة النازحين من الشباب ستتقلّص خلال المرحلة القادمة، إذا ما تمكَّنت البلديات من تعزيز دخْلها ومساعدة أبناء المناطِق الفقيرة على تمويل مشاريعهم الصغيرة، بل إن السيد قريش قد أكَّد في هذا السياق أن التجربة "قد بدأت تحقّق هدفيْن لم يكونا وارديْن عند انطلاق المبادرة".

أولهما، اختلاط المواطنين بعضهم ببعض، دون معرفة سابقة رغم انتمائهم لنفس الحي، وهو ما قرَّبهم من بعضهم البعض، رغم اختلاف مشاربهم ومواقعهم الإجتماعية واهتماماتهم الدينية والسياسية. لقد وحّدت بينهم مصالح الحيّ ورغبتهم المشتركة في حماية محيطهم السكني. أما الهدف الثاني، فقد تمثل في بداية إيمانهم بأن في الديمقراطية شيء جميل، وذلك خِلافا للصراعات الكريهة التي خلّفتها معارك الأحزاب من أجل افتكاك المواقع. فتجربة ستة أشهر من الديمقراطية المباشرة جعلتهم يؤمنون بأنهم قادرون على تغيير أوضاعهم القريبة نحو الأفضل.

أما بالنسبة لنقائص هذه التجربة، فهي تتمثل بدرجة أساسية في السُّمعة السيِّئة للسُّلطة المحلية لدى المواطنين. لقد أصبح واضحا أن هذه السلطة في حاجة عاجلة لإعادة بنائها على قواعد صحية جديدة. وثانيا، لوحظ وجود صعوبة إدماج المواطنين في الشأن المحلّي بعد فترة طويلة من الإقصاء والتّهميش. يُضاف إلى ذلك ضُعف الإدارة وثِقل البيروقراطية، على الصعيديْن المركزي والمحلي.

خلاصة القول أنه مهْما كانت الصعوبات التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن تجربةرابط خارجي "الميزانية التشاركية" تبدو واعدة، وقد يكون لها شأن كبير إذا ما استمرّت، خاصة وأن معلومات تم تسريبها لـ swissinfo.ch تؤكِّد أن مشروع القانون الجديد للبلديات "سيتضمّن تنصيصا على ضرورة اعتماد هذه الآلية وُجوبا في جميع البلديات" التونسية.

×