Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

نقاشات أفقية


المقاهي العلمية.. فضاءات مُريحة للتواصل بين الجُمهور ونخبه


بقلم عبد الحفيظ العبدلي- نوشاتيل، فريبورغ


منذ سنوات، تشهد ظاهرة المقاهي العلمية في سويسرا انتشارا وتوسّعا سريعا من حيث الجامعات المنظمة لها أو لجهة الموضوعات المُثارة في فضاءاتها. (Bernard Léchot)

منذ سنوات، تشهد ظاهرة المقاهي العلمية في سويسرا انتشارا وتوسّعا سريعا من حيث الجامعات المنظمة لها أو لجهة الموضوعات المُثارة في فضاءاتها.

(Bernard Léchot)

تُعدّ "المقاهي العلمية" فضاءات تتّسم بالأريحية والحرية والتناظر المفتوح لطرح أحدث القضايا العلمية والمجتمعية وأكثر وجهات النظر إثارة. لكن رغم انتشار هذه الظاهرة في العديد من المدن والجامعات السويسرية، انطلاقا من بداية الألفية الثالثة، فإنها لا تزال تحتاج إلى تطوير وتَرشيد حتى لا تكون مجرّد أداة إشهار وتسويق للمؤسسات المُشرفة عليها.

وعن الإطار الذي ظهرت فيه هذه المقاهي، تقول ميشال كورونت، الأستاذة الجامعية بكلية العلوم بفريبورغ في حديث إلى swissinfo.ch: "نشأت فكرة المقهى العلمي في فترة أزمة، وقبل 16 عاما تقريبا، حينها كان هناك جدل كبير في سويسرا حول الهندسة الوراثية".

كانت تلك هي المرة الأولى التي اصطدمت فيها النخبة العلمية في كلية العلوم بفريبورغ بتساؤلات الجمهور حول أخلاقيات البحث العلمي، والدور المجتمعي الذي من المفترض أن تلعبه تلك النخبة، وكان لابد إذن من خلق فضاء لملاقاة المواطنين والتحاور معهم لتبديد مخاوفهم وتوجّساتهم في إطار منفتح وشفّاف، يتم فيه النقاش وتبادل وجهات النظر حول أكثر القضايا إثارة للجدل. تجربة فريبورغ وجدت لها صدى كذلك في أزيد من 12 كانتونا آخر من بينها نوشاتيل، وبرن، وبازل، ولوتسرن،...

ومنذ عشر سنوات، ونتيجة تعاون بين قسم الإتصال بالجامعة المحلية، وبعض المختصين في مجالات ثقافية متعددة، انطلقت هذه المغامرة في مدينة نوشاتيل، وهي تجربة يقول عنها إيغور شنيبلي، منسّق المقاهي العلمية هناك متحدّثا إلى swissinfo.ch: "شكلت فضاءً حرا يجتمع فيه خبراء ومختصون مع عموم المواطنين للنقاش والحوار حول موضوع مجتمعي له علاقة مباشرة بالمُستجدات التي تشغل الرأي العام".

منذ البداية، أدرك المنظمون صحة اختيارهم إذ يلاحظ شنيبلي أن "الإقبال الذي حظيت به اللقاءات منذ انطلاقتها أثبت لنا، وبما لا يدع مجالا للشك، أن هناك طلبا واسعا على هذه المقاهي ومن جميع الأطراف، وأن هذا النشاط يلبّي حاجة واقعية".

منصات لنقاش أفقي

لكن، ما الحاجة إلى هذه المقاهي العلمية، والجامعات السويسرية تزخر بالأنشطة العلمية من محاضرات ومنتديات عامة وخاصة، وهي منفتحة بشكل كبير على مختلف فئات وقطاعات المجتمع؟

تكمن ميزات هذا النشاط، وفقا لجيان أندري كاسوت، مسؤول قسم الإتصال بجامعة فريبورغ في كونه "لا يقتصر على اختصاص علمي دون غيره، ويوصل حقائق العلوم بطريقة جذّابة وطريفة، ويسمح للجميع بالخوض في نقاش أفقي تتساوى فيه النخب والجمهور".

ثم إن هذه الفعالية تستضيفها في العادة الأماكن العامة مثل المقاهي والمطاعم، والإستراحات، ما يضفي على هذه النقاشات مسحة من الطرافة تصفها الأستاذة كورونت، التي تواكب هذا النشاط منذ 16 عاما، قائلة: "في كثير من الأحيان يأتي الخبراء والمختصّون إلى المقهى بنية تقديم توضيح عام حول أبحاثهم وأعمالهم العلمية. ولكنهم في نهاية اللقاء، يخرجون مندهشين لأن مساهمة الجمهور في النقاش تكون أكثر أهميّة وثراء مما قدّموه هم أنفسهم".

نافذة للتواصل

بسرعة، انتشرت هذه الظاهرة في الكثير من الكانتونات السويسرية، وانفتحت على فئات اجتماعية عديدة، وإن ظلّت مرتبطة بشكل أو بآخر بالمؤسسات الجامعية، وهو ما يُوحي أن هذه الجامعات واعية بدورها برسالتها نحو المجتمع، فهي التي تصنع نخبه، ومنه تتلقى تمويلها، وهي المعنية الأولى بتقديم إجابات عن أسئلة الجمهور واستفهاماته. 

ولكي تحافظ النخبة العلمية على هذا الدور الريادي "يجب أن تكون محيطة بالقضايا التي تشغل الرأي العام، وألا تنشغل بقضايا وهمية. فالجامعات محكومة بأولويات مجتمعاتها، ولابدّ أن تأخذ ذلك في الإعتبار"، كما تقول الأستاذة الجامعية.

تكتظ المقاهي أو المطاعم التي تستضيف هذه النقاشات في بعض الأحيان بالمئات من الحضور الذين يعجزون عن إيجاد أماكن للإستماع فيضطرون لمتابعة النقاشات عبر شاشات في الخارج. (unine)

تكتظ المقاهي أو المطاعم التي تستضيف هذه النقاشات في بعض الأحيان بالمئات من الحضور الذين يعجزون عن إيجاد أماكن للإستماع فيضطرون لمتابعة النقاشات عبر شاشات في الخارج.

(unine)

من الخطأ إذن اعتبار هذه المقاهي العلمية محاولة من النخب لفك العزلة عليها، أو تعبيرا عن سعي العلوم لمغادرة برجها العاجي، كما يفهم البعض، لأن هذه الصورة البالية لم يعد لها وجود في الواقع، فقد تغيّرت مع تغيّر الأجيال.

وفي هذا الصدد، يقول شنيبلي الذي يُعايش المجتمع العلمي في نوشاتيل منذ ثلاثة عقود: "الأجيال الجديدة من العلماء ومدرّسي المعارف تغيّرت كثيرا. هم اليوم يستخدمون الإنترنت، وينشطون على مستوى شبكات التواصل الإجتماعي، وهم واعون بأهمية العملية التواصلية لأنهم يعلمون أنهم مساءلون ومحاسبون أمام دافعي الضرائب".

استفادة مزدوجة

فضلا عن هذه الأريحية في التواصل بين جميع الأطراف المشاركة في هذه العملية الحوارية، تمنح المقاهي العلمية فضاء ومساحة لتبادل الآراء لا يوجد فيها مُرسل ومتلقي، بل استجوابات واستفهامات متبادلة مفعمة بحرارة ومشاعر التواصل الإنساني، تخرج فيها العلوم عن لبوس تخصصها لتعانق جمهورها وبيئتها.

نماذج من الموضوعات المناقشة

خلال العشرية الأخيرة، احتضنت جامعة نوشاتيل العديد من اللقاءات بين خبراء ومختصين من ناحية، وعموم المواطنين من ناحية إخرى، في فضاء المقاهي العلمية. وقد تعددت الـموضوعات المثارة ومحاور النقاش، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

الإسلاموفوبيا: التقت مجموعة من الناشطين المسلمين بالعديد من الباحثين الجامعيين للنقاش حول ظاهرة الإسلاموفوبيا، والغموض الذي يحيط بهذا المفهوم، الذي يسقط في التعميم ولا يفرّق بين المتطرفين الذين هم أقلية والغالبية المعتدلة من المسلمين. وشدّد الجميع على أهمية تعزيز الحوار وتكثيف التواصل لتجاوز سوء الفهم.

ختان الأطفال، تشويه بدني، أم تقليد ديني؟: خلال النقاش، تم عرض وجهتي النظر المختلفتيْن والموقفيْن الديني الأخلاقي والقانوني المدني، وتم وضع الحدّ الفاصل بين ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به. ومن خلال الحوار، تغلبت وجهة النظر التي تدعو إلى الإنفتاح والتسامح ومحاولة فهم ثقافة الآخر.

الشباب، وما أدراك ما الشباب: تمحور النقاش حول سلوك الشباب والعلاقة بين الأجيال. وإلى أيّ حدّ يبدو شباب اليوم مستعدّا للقيام بواجبه ودوره المجتمعي؟ وما هي حدود التزاماته، وما هو المطلوب في العلاقة بين الشباب والأولياء.

أما في جامعة فريبورغ، فقد كان التركيز دوما على موضوعات ترتبط أكثر بالعلوم الصحيحة، وإن كان هذا لا يُنقص شيئا من أهمية هذه التجربة بالنسبة للجمهور كقضايا النقل في عصرنا، وكيف يمكن إحداث نقلة نوعية على مستوى مؤسسات التعليم؟ والإنسان، هذا الكائن المتطوّر بإستمرار، وكيفية إحداث التوازن بين احتياجات الإنسان واستدامة الموارد الطبيعية،...

التفسير الأوّل لهذا التباين بين التجربتيْن هو أن الجهة التي اشرفت باستمرار على تنظيم المقاهي العلمية في فريبورغ كانت كلية العلوم الطبيعية والفيزيائية تحديدا، أما من يشرف عليها في نوشاتيل فهو قسم الإتصال وكليات مختلفة. وثانيا، هو أنه لما نشأت هذه المقاهي العلمية في فريبورغ، كان يوجد بالموازاة معها نشاط آخر تحت عنوان " Les midis du social " (نقاشات الزوال المجتمعية)، الذي كان يشرف على تنظيمه كرسي العمل الإجتماعي بالجامعة، وبالتالي كان هناك نوع من التكامل بين النشاطيْن.

وتعتقد ميشال كورونت أن المقاهي العلمية "تضفي على العلوم طابعا إنسانيا، لأنها من ناحية، تساعد الخبراء والمختصين على مغادرة لغة التخصص ومحراب المختبرات فيطلعون على انشغالات مجتمعاتهم ويتلقون ردود الأفعال التي ترشّد الممارسة العلمية وتحفّزهم إلى مزيد من المثابرة والعمل، ومن ناحية أخرى، تمكّن الجمهور من التعرّف على الجوانب الخفية من الظواهر الطبيعية والمجتمعية التي تحيط به".

ثم لا يجب أن ننسى أن من أبرز ما يميّز البيئة السويسرية التي تحتضن هذا النشاط ثقافة المشاركة والديمقراطية المباشرة، التي تكون باستمرار مبعث نقاشات وحوارات مجتمعية لا تنقطع إلاّ لتتجدد بمجرّد إطلاق مجموعة من الأشخاص أو جمعية أو رابطة أو حزب بمبادرة شعبية حول هذا الموضوع أو ذاك. وكما هو معلوم، فإن كل اقتراع أو استفتاء يتطلّب عملية تواصلية ونقاشا وشرحا للمواقف الداعمة والمعارضة، وهذا ما يحصل بالضبط في المقاهي العلمية.

حصيلة مشجّعة تحتاج إلى التطوير

إن ما حققته هذه المقاهي العلمية حتى الآن من قدرة على الإستمرارية (16 عاما في فريبورغ، و10 سنوات في نوشاتيل، ومدد مختلفة في الكانتونات الأخرى)، ومن إشعاع وانتشار، وإقبال من الجمهور (أزيد من 60 شخصا في كل مرّة، ويصل في بعض الأحيان إلى المئات) يؤكّد بأن هذه الظاهرة مقبلة على مستقبل واعد. كما أن كل المؤشرات تؤّكد أن هذا النشاط "سوف يتواصل ويتطوّر"، برأي شنيبلي..

ويضيف منسّق المقاهي العلمية بنوشاتيل: "حتى الآن، وبعد 10 سنوات، نحن باستمرار على موعد مع النجاح المتجدّد، ولنا جمهور دائم الحضور، بالإضافة إلى شريحة مهمّة من طلاب الجامعة تداوم على المشاركة والحضور، خاصة منذ أن أصبحنا نستعين في الإعلان عن مقاهينا بوسائل الإعلام المحلية وبعض القنوات التلفزيونية الوطنية التي لا تتردّد في تصوير وبث لقاءاتنا".

لكن مستقبل هذا النشاط يتوقّف أيضا، بحسب ميشال كورونت، على "توسيع مجال التعبير الحر في هذا الفضاء، وخروج هذا الفضاء من دائرة المؤسسات العلمية البحتة إلى فضاء أرحب، والإستماع أكثر إلى ما يطلبه الجمهور، وما يطمح إليه".

أماّ أندري كاسوت، مسؤول الإتصال بجامعة فريبورغ فيدعو إلى "رصد مسارات التفكير والحُلول التي تقترح خلال تبادل وجهات النّظر في المقاهي العلمية، وتوظيف كلّ ذلك لاحقا لصالح المُجتمع والواقع المَحلّي".

ورغم الجهود المبذولة للتعريف بهذا النشاط والإشعاع به، تقرّ كورونت بوجود مجال لفعل المزيد من أجل تعزيز هذا التواصل وتثبيت برنامج المقاهي العلمية ضمن الأجندات الثقافية على المستوى الكانتوني، والإعتراف بأهميته على المستوى الوطني. 

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×