تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من أجل نزع أسباب التطرف سويسرا تمول مشروعا لإدماج الشباب في أكبر حي شعبي في تونس

شبان من حي شعبي في تونس يُشاركون في مشروع منظمة "أليرت إنترناشيونال"

ابتداء من عام 2015، تحرك فريق منظمة "أليرت أنترناشيونال" غير الحكومية داخل الأحياء الشعبية القريبة من العاصمة التونسية من أجل دعم قدرات الشباب ومساعدتهم على الإنخراط في الشأن العام، مع الحرص على تعزيز الحوكمة المحلية التشاركية، وأخذ انتظارات الشباب وآمالهم في الإعتبار. 

(swissinfo.ch)

في ظل حرص سويسري على توخي منهج غير صدامي في مكافحة الإرهاب يُركز على إيجاد مناخ اجتماعي واقتصادي ينزع أسباب التطرف واللجوء للعنف، خاصة في الأوساط الفقيرة مثل تلك التي تقيم حي التضامن وحي دوار هيشر القريبين من العاصمة التونسية، ساهمت برن في تمويل مشروع "تعزيز قدرات الشباب" ومساعدتهم على الإنخراط في الشأن العام في هذين الحيّيْن، الذي أطلقته جمعية "أليرت أنترناشيونال" غير الحكومية، وينتهي تنفيذه قريبا.

في عام 2015، أطلقت جمعية "إنترناشونال أليرت" مشروعا يرمي لتعزيز المشاركة السياسية للشباب في الأحياء الشعبية الحضرية، مثل حي التضامن وحي دوار هيشر الواقعين شمال العاصمة التونسية. وبدأ المشروع، الذي ينتهي تنفيذه في غضون أسابيع، عبر مسارين: الأول كان يهدف إلى إجراء دراسة سوسيولوجية عن حي التضامن وحي دوار هيشر، وقد برز الحيّان أثناء الثورة التونسية، بتحركاتهما المبكرة وبعدد القتلى الذي دفعاه أثناء المواجهات مع قوات الشرطة. لكن الفكرة التي شاعت عنهما أظهرتهما في صورة وكرين للإجرام، خصوصا بعدما تطور تنظيم "أنصار الشريعة" (المحظور حاليا) الذي صار مصدرا لمخاوف عامة من مضاعفات التشدد الديني. 

في انتظار الإنتخابات البلدية

يتم تنفيذ المشروع الخاص بحي التضامن بتمويل سويسري - كندي بالإضافة لـمنظمة "أوكس فام". وسينتهي في غضون أسابيع، لكن جمعية "أليرت أنترناشيونال" في سبيلها إلى نقله إلى مناطق أخرى، وهي تُعدّ لمأسسته بعد الإنتخابات البلدية المقرر إجراؤها يوم 17 ديسمبر 2017. 

كما تستعد الجمعية لتوسيع عملها كي يشمل قطاعات أخرى لم تتطرق لها حتى الآن مثل الصحة الشبابية والتعليم، وذلك "اعتمادا على الشباب ولفائدة الشباب"، مثلما تقول ألفة لملوم. 

وهي تُركز على إيجاد حوكمة ديمقراطية محلية، بالإضافة لتأمين انخراط واسع للشباب، وبالتوازي مع ذلك إصلاح مؤسسات الدولة.

نهاية الإطار التوضيحي

بناء على ذلك "أردنا كسر الصورة السلبية والقيام ببحث لفهم ظروف عيش الشباب في الحيين، وخاصة أيام حكم (الرئيس المخلوع) زين العابدين بن علي، إذ كان البحث الإجتماعي الميداني محظورا آنذاك"، بحسب ما قالت مديرة مكتب "انترناشونال أليرت" الدكتورة ألفة لملوم لـ swissinfo.ch.

من تلك الخطوات الأولى بدأت الجمعية تُراكم معرفة سوسيولوجية، وهذا يندرج في طبيعة تكوين جمعية "أنترناشيونال أليرترابط خارجي"، التي جمعت منذ البدء بين البحث والعمل الميداني. ورعت الجمعية فريقا من الباحثين ضم علماء اجتماع وديموغرافيين، بالإضافة لدعم لوجستي. وكان هدفها مثلما شرحت ألفة لملوم وضع مقاربة إدماجية، أي اTبتعاد عن فرض مناهج وتصورات مُعينة. وهكذا أمضت المجموعة الأشهر الأولى في إقامة علاقات مع السلطات المحلية والأحزاب والجمعيات الخيرية. بل إن الفريق ظل طيلة فترة التحضير يعمل على إقناع جميع الأطراف بأهمية البحث المُزمع القيام به، سواء السلطات أم الشباب المُستهدفين أم النيابة الخصوصية (الهيئة الوقتية للمجلس البلدي).

كانت الخطوة العملية الأولى مُتمثلة في تشكيل "فوكس غروب Focus group" ضم 15 شابا (وأحيانا أكثر) من الذين تقطعت مسارات دراستهم والذين أدخلوا السجون أو الإصلاحيات، ولكن أيضا من أعضاء الجمعيات ورجال الأعمال. ولجأت الجمعية إلى المحامين الذين دافعوا عن الشباب من أبناء الحي، مما مكّن من تحسين الأسئلة التي طرحت عيهم (انظر الإطار المصاحب) وضمان نوعية العمل.

أسئلة متعددة ومداخل ستة

توخت الأسئلة المطروحة على الشباب ستة مداخل على النحو التالي:

* الإنتماء الاجتماعي والإقتصادي (عدد أفراد الأسرة ومن منهم يشتغل)

* العلاقة بالحي ونظرة الآخرين لهؤلاء الشباب، خاصة في علاقة بالشعور بـ"الحُقرة" (الإحتقار)

* التمدرس، بمعنى من يُساعد الشاب؟ وماذا تعني له المدرسة؟ وهل هو مُسجّل في التعليم الخاص أم العام؟ وهل يتعاطى المنشطات؟

* ماذا يعني الشغل بالنسبة له وماذا تعني البطالة؟

* العلاقة بالمؤسسات من المعتمدية (الوحدة الإدارية الصغرى) إلى الأحزاب إلى الجمعيات؟ هل تغيّرت هذه العلاقة بعد الثورة؟ هل أدليت بصوتك في الإنتخابات؟ هل شاركت في حراك جماعي (اعتصام أو إضراب...)؟

* ممارسات الشباب للشعائر الدينية

أكثر من ذلك، تطرقت الأسئلة إلى موضوع العلاقة بالسلفية وخاصة تنظيم "أنصار الشريعة".

نهاية الإطار التوضيحي

اعتمد فريق العمل على الإحصاء العام للسكان الذي أجري سنة 2004 وكل المعطيات والأرقام الصادرة عن معهد الإحصاء الحكومي لتحديد حجم العيّنة وتركيبتها حتى تعكس تركيبة المجتمع الأصلي، مع تبني أربعة متغيرات هي الجنس  والسن 18/34 سنة والعمل/البطالة والمستوى التعليمي...

الإستنتاج الأول الذي توصل إليه الفريق من خلال الأجوبة التي تحصل عليها هو أن هناك خيبة أمل من الثورة باعتبارها لم تُلبّ المطالب (التشغيل أساسا)، إذ أكد 90 في المائة من الشباب المُستجوبين أن وضعهم الإقتصادي لم يتحسّن، بينما اعتبر 45 في المائة منهم أن وضعهم تدهور. وعندما يُسألون عن السبب يعزون ذلك إلى البطالة وارتفاع الأسعار والفساد على الصعيد المحلي. 

يشتكي الشباب المُستجوبون أيضا من سوء معاملة الشرطة لهم وسوء سمعة الحي التي ارتبطت بالإجرام، وصعوبة البحث عن فرصة عمل طالما أنك قادم من حي دوار هيشر. بل إن أبناء الحي عندما يذهبون إلى شارع بورقيبة في وسط العاصمة يُقال لهم "ماذا تفعل هنا؟"

الوقاية من الإرهاب خير من العلاج

حرص ديديي بوركهالتر، عضو الحكومة الفدرالية السويسرية المكلف بالشؤون الخارجية خلال زيارته الأخيرة لتونس في شهر نوفمبر 2016 على الإجتماع بعدد من الشبان المنخرطين في مشروع حي التضامن مع منظمة "أليرت أنترناشيونال" غير الحكومية. 

في تلك المناسبة، شرح الوزير في تصريح خاص لـ swissinfo.ch أن "التزام سويسرا بمكافحة الإرهاب ينصبّ أساسا على الوقاية، فهي لا تتوخى سياسة قمعية (تجاه الجماعات المتشددة) لكنها تملك في المقابل إمكانات لوضع برامج في الأمدين المتوسط والبعيد لكشف الأسباب التي تجعل بعض الأفراد، ولاسيما من الشباب، مُنجذبين إلى تلك الجماعات، وأيضا لفهم سبب إقبالهم على الإنتساب لها".

نهاية الإطار التوضيحي

رفض للأحزاب

هذا التحقيق الميداني أظهر مستوى عاليا من التسييس (بفضل الثورة) في صفوف الشباب، لكنهم رافضون للأحزاب ونسبيا للجمعيات أيضا. ولدى التطرق للعلاقة مع "أنصار الشريعة" اتضح أن العنصر الأول هو العلاقة بين أبناء الحارة الواحدة وليس الرغبة في تطبيق الشريعة مثلا. وفي هذا السياق، أبدت غالبية المُستجوبين رفضهم تصنيف "أنصار الشريعة" في خانة الإرهاب. من هنا، فإن فهم السلفية يتوزع على مستويين أولهما علاقة أبناء الحارة ببعضهم البعض والثاني هو التشدد الفكري، وهو بُعدٌ سياسي ينبغي تمييزه عن المستوى الأول.

في معرض تعليقها على تلك الإستنتاجات، أشارت علقت ألفة لملوم إلى أن رفض تصنيف "أنصار الشريعة" في خانة الإرهاب لا يعني تأييدها. وأوضحت أن 80 في المائة من المُستجوبين يعرفون شبانا سافروا إلى سوريا، لكنها لم تعتبر ذلك مؤشرا حقيقيا، مع إقرارها بأنه يدلُ على حضور الظاهرة في أذهان الشباب. وفي هذا الصدد، لخصت لملوم صورة المقاتلين الذين سافروا إلى سوريا لدى أغلبية شباب الحيين التونسيين بأنهم ليسوا متشددين، وإنما هم ناصروا شبابا آخر كان يسعى لتحطيم طاغية، وقد تأثروا كثيرا بالصور التي شاهدوها في بداية الثورة السلمية في سوريا، قبل دخول "جبهة النصرة" إلى المعمعة. وكان "المتطوعون" التونسيون يذهبون إلى حلب التي لم يكن فيها مقاتلون من "القاعدة" في البداية.

في هذه البيئة المليئة بالتحديات، تحرك فريق "أليرت أنترناشيونال" داخل الأحياء من أجل دعم قدرات الشباب ومساعدتهم على الإنخراط في الشأن العام ورد الإعتبار لحيَي التضامن ودوار هيشر، وذلك بتعزيز الحوكمة المحلية التشاركية، مع أخذ انتظارات الشباب وآمالهم في الإعتبار. وتمول المشروع سويسرا، التي تتوخى منهجا غير صدامي في مكافحة الارهاب، فهي تركز على إيجاد مناخ اجتماعي واقتصادي ينزع أسباب التطرف واللجوء للعنف، خاصة في الأوساط الفقيرة مثل حي التضامن وحي دوار هيشر. ولذا أقبلت على تمويل مشروع "تعزيز قدرات الشباب" في هذين الحيين، الذي أطلقته جمعية "أليرت أنترناشيونال"، وينتهي تنفيذه في غضون اسابيع.

خريطة مفتوحة ومشاريع نموذجية

الجمعية قامت بأعمال ملموسة في مقدمتها تشكيل "تنسيقية الشباب بحي التضامن"، وتم اختيار أعضائها من بين النشطاء بمن فيهم بعض أعضاء الجمعيات، وقامت "أليرت أنترناشيونال" بتقديم التأطير والدعم للتنسيقية، وكانت أول خطوة أنجزتها هي وضع خريطة شارع مفتوحة Open street map وهي الأولى من نوعها في تاريخ تونس. 

وفي هذا النطاق تولت الجمعية تكوين الشباب وسلمتهم هواتف مجهزة بمُوجّه جغرافي GPS يُتيح رسم خريطة الحي تتضمن مواقع المدارس والمراكز الصحية والمساجد ومراكز الشرطة وفوانيس الإضاءة وجميع المرافق العمومية. وتقول ألفة لملوم: "إن الهدف من ذلك هو أن يستعيد الشباب حيَهم وأن يُدركوا ما هي حاجاته، وبذلك تكون هذه المهمة دعما معنويا لهم أمام السلطات المحلية" (توجد الخريطة الأصلية حاليا في بلدية حي التضامن).

المشاركة في النقاش وفي بلورة المشاريع والتصويت عليها.. وسائل عملية لاستعادة الشبان الثقة بأنفسهم وتعزيز الرغبة لديهم في المشاركة في الشأن العام.

(swissinfo.ch)

وفي لقاء جمعهم الخريف الماضي في تونس بعضو الحكومة الفدرالية المكلف بالشؤون الخارجية ديديي بوركهالتر، حضرته swissinfo.ch، أكد وفد من هؤلاء الشباب أن "تجربة العمل مع "أليرت إنترناشيونال" أعطت مغزى بنَاء لحياتهم ومكنتهم من الإندماج في المجتمع واكتشاف سُبُل غير مألوفة للمساهمة في تحسين ظروف الحياة في الحي".

في خضم هذه الروح الجديدة، أصبح الشبان يُشاركون في المجالس الجهوية للتنمية وأعلى ذلك من شأنهم في عيون الآخرين، وخلّصهم إلى حد كبير من الوصمة التي كانت تلاحقهم. وأتت بعد ذلك خطوة أعلى تمثلت في وضع الموازنة التشاركية المؤلفة من ثلاثة مجالات هي الإنارة العمومية وتحسين البيئة وإصلاح الطرقات. وقد تم إنجاز هذا العمل بشكل مؤسساتي، إذ قامت جمعية "أليرت أنترناشيونال"  بتكوين الشباب ثم وقعت على اتفاقية مع البلدية لإرساء الموازنة التشاركية.

في السياق، تتحدث ألفة لملوم بملامح تعكس الرضا المشوب بالفخر عن التجمّعات التي التأمت في قاعة البلدية وقاعة الرياضة بحي التضامن التي تم خلالها انتخاب ممثلين من العمادات (التقسيم الترابي القاعدي في تونس) لدى البلدية. بعد ذلك تلقى الشبان المنتخبون تكوينا في تقنيات التفاوض والمتابعة. وفي خط مُواز رتبت الجمعية منتديات حوار بين السلطات المركزية والشباب بُغية إيجاد فضاء يُبلور توصيات مشتركة تفتح عيون البلدية على ظواهر اجتماعية مختلفة. وحضر المنتديات ثلاثة أعضاء من البرلمان. وتُعلق لملوم بأن "المغزى من ذلك هو إيجاد أدوات وآليات لنقل مطالب الشباب إلى السلطات".

أكثر من ذلك، صيغت في هذا السياق مشاريع اقتصادية نموذجية مبنية على الإقتصاد التضامني وكانت ترمي لهدفين: أولهما تشجيع الشبان على التفكير في طرق غير مألوفة للبحث عن فرصة عمل، وإبراز أن الإقتصاد الإجتماعي هو أحد البدائل الممكنة في هذا الإطار، وثانيهما تجسيد جدوى التنمية التضامنية الإجتماعية. 

ولما طلبتُ من أحد الشبان المعنيين أن يضرب مثلا من تلك المشاريع ذكر مشروعا لفرز النفايات البلاستيكية، وأشار إلى أن أعضاء "أليرت أنترناشيونال" عملوا معهم ميدانيا، مما جعلهم يشعرون بأن لعملهم قيمة، بالإضافة إلى أن المشروع بصدد التحوُل إلى مشروع مستقر، بالاضافة لفوائده الإجتماعية. وأوضحت لملوم أن الجمعية "تقوم بتأطير الشبان وإعداد دراسة السوق ثم تمدهم بالاعتمادات لشراء التجهيزات اللازمة".

أليرت أنترناشيونال (Alert International)

تأسست هذه المنظمة غير الحكوميةرابط خارجي في بريطانيا في عام 1986، وياتلخص هدفها في "المساعدة على إيجاد حلول سلمية للصراعات".

انطلق مؤسسوها من ملاحظة أن النزاعات بين الدول تراجعت فيما تصاعدت حدة النزاعات الداخلية.

اعتبرت أن التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان لا يكفي وإنما هناك حاجة لمقاربة جديدة تكون ميدانية.

نهاية الإطار التوضيحي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×