Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

جولة في كنوز جزيرة إيليفنتين بأسوان


بقلم محمد شريف, أسوان


يقوم المعهد السويسري للأبحاث المعمارية والآثار لمصر القديمة بالاشتراك مع المعهد الألماني بأعمال تنقيب في جزيرة إيلفنتين بأسوان منذ عام 1969 للكشف عن معالم مدينة تعكس مختلف الحقب التاريخية في مصر.

عمليات التنقيب لم تقتصر على المعابد والمباني الرسمية بل شملت الأحياء السكنية التي يتم ترميمها لتصبح شاهدا عن معالم حضارات تعاقبت على المنطقة منذ أكثر من 5000 سنة.

ما يثير انتباهك عندما تحاول التوجه الى جزيرة إيليفنتين أو Elephantine عندما تصل الى مدينة أسوان، هو أنك تضطر للبحث عن قارب شراعي يعبر بك إحدى أذرع وادي النيل التي تحيط بالجزيرة، او أن تسافر مع عامة سكان الجزيرة من النوبيين على متن "العبارة" او "المعدية" نظرا لعدم وجود جسور او طرق مؤدية للجزيرة.

ولاشك في ان هذا الوضع كان من بين العوامل التي ساهمت في حفاظ جزيرة إيلفنتين على كنوزها، ليس المادية بل المعلوماتية والأثرية عن حضارات متعاقبة عمرت المنطقة وتركت بصماتها التي استطاعت حفريات المعهدين الألماني والسويسري إبرازها للوجود في عمل مشترك منذ عام 1969.

عوامل حضارية وأثرية للإختيار

ما إن تسال عن مكان حفائر الآثار في الجهة الغربية من جزيرة "إيلفنتين" حتى يسارع أول من يصافك من السكان لمناداة الدكتور كورنيليوس وتوجيهك نحوه.

مرفوقا بزوجته وعدد من العمال المصريين المتخصصين في عملية التنقيب عن الآثار من منطقة "قفط"، تعثر على مدير المعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة، كورنيليوس فون بيلغريم وسط الغبار وتحت أشعة الشمس الملتهبة في بعض الأحيان، منهمكا إما في الإشراف على أعمال الحفائر او أعمال الترميم.

وعن سبب اختيار المعهد السويسري للتنقيب في جزيرة فيلة بالذات، يقول الدكتور كورنيليوس فون بيلغريم "إننا انطلقنا من مبدأ أن هذه هي المدينة الأصلية لمدينة أسوان، وانها شيدت هنا لأسباب أمنية". كما يضيف بأن المدير السابق للمعهد السويسري الدكتور ياريس "كانت له صلات بالبعثات التنقيبية السابقة التي سبق لها أن اشتغلت في المدينة منذ بداية القرن الماضي".

أما مدير عام آثار أسوان والنوبة الدكتور محمد البيلي فيرى في إيلفنتين "عاصمة المقاطعة الأولى في مصر وعاصمة أسوان، وأن شرائح الجبل الذي تتكون منه الجزيرة تحتوي على جميع الحقب التاريخية حتى يومنا هذا بحيث أن القرية النوبية مازالت قائمة حتى اليوم بالقرب من منطقة الآثار".

وهو ما يرى فيه "موقعا خطيرا لكونه يشتمل على كل الحقب التاريخية ولكونه كان موقعا استراتيجيا يربط الجنوب بالشمال، وملتقى القوافل الملاحية والتجارية القادمة من الشمال للجنوب والعكس، ونقطة اختلاط ثقافي بين ممرين تتميز بهما أسوان أي البحر الأحمر ووادي النيل".

ونظرا لذلك يرى الدكتور البيلي أن "التنقيب فيها يكتسي أهمية كبرى بالنسبة لنا لكي نعرف حقيقة ماضينا ونستدل بها لمستقبلنا".

سجل يحمل بصمات أكثر من 5000 سنة

منطقة حفريات جزيرة إيلفنتين، تقع في الجزء الغربي من الجزيرة على مرتفع استطاع أن يحتفظ بكل المعالم التاريخية من معابد ومباني رسمية وطرقات الى جانب الأحياء السكنية لعامة الناس.

وقد تقاسم كل من المعهد الألماني للآثار والمعهد السويسري للأبحاث المعمارية والأثرية لمصر القديمة منذ عام 1969 مهمة التنقيب في الجزيرة. وسمح هذا التعاون باكتشاف معالم مدينة عرفت تطورا عبر الحقب التاريخية المختلفة الممتدة من حوالي 3000 قبل الميلاد حتى يومنا هذا.

هذا التطور يجسده المسار المفتوح أمام السياح والمزود بتعليمات ولوحات إرشادية للمساعدة على فهم الحقب المختلفة. وهو الذي تجولت فيه سويس إنفو رفقة مدير المعهد السويسري كورنيليوس فون بيلغريم.

يستوقفنا طريق، يقول عنه كورنيليوس "إنه الطريق الذي يفصل المدينة الى قسمين، البيوت السكنية من الطوب في الغرب، وفي مقابلها المعابد والمباني الرسمية وقصر الحاكم".

وينتهي هذا الشارع الفرعوني بحائط مكون من شرائح متراكمة يقول عنها كورنيليوس "إنها تراكمات الحقب المتتالية التي عرفها تطور المدينة، والتي يمكن أن تقرأ من خلالها أن عرض الشارع تحول من 2 متر في العصر الوسيط أي في حدود 1500 ق.م، إلى 3 متر 1000 سنة قبل الميلاد لينتهي بعرض 5 متر. وهو ما يفسر أنه تطور مع تطور عدد سكان المدينة الذين كانوا يستخدمونه لطقوسهم ومسيراتهم نحو المعابد".

من المعابد التي تم اكتشافها في جزيرة فيلة معبد ساتت التي تعتبر آلهة المنطقة وبالأخص آلهة فيضانات وادي النيل وكانت محط تبجيل مختلف الأسر الحاكمة بحيث تم العثور على بقايا معابد شيدت تكريما لها.

وقد تم ترميم أربعة معابد او بقايا معابد لآلهة ساتت في عين المكان يعود الأول للأسرتين الأولى والثانية أي في حدود 2800 عام قبل الميلاد، والمعبد الثاني لبداية الأسرة السادسة أي في حدود 2250 ق.م، والثالث بناه سنوسرت الأول في حدود 1950 ق.م، والرابع والأخير شيدته الملكة حتشبسوت في حدود العام 1480 ق.م.

غير بعيد عن معبد ساتت يرتفع ما تبقى من معبد الإله خنوم الذي يقول عنه كورنيليوس فون بيلغريم "إنه كان اكبر آلهة منطقة الجنادل او "كاترات" والذي شمل نفوذه عدة مناطق من مصر القديمة بحيث وجدت له معابد في العديد من المناطق".

معبد خنوم الذي لم يتبق منه واقفا سوى عمودي المدخل الرئيسي، اهتم المعهد السويسري بفحص عمرانه لأول مرة في الخمسينات من القرن الماضي. وفي دراسة استغرقت 10 سنوات منذ عام 1969 اهتم المعهد السويسري بدراسة خصائصه العمرانية. وبعد فحص أسس المعبد، تم التأكد من أن نهب أحجاره في وقت سابق، لم يعد يسمح بإعادة بنائه او ترميمه. لكن الدراسة سمحت قبل عام باكتشاف أن الأحجار المستخدمة في أساسه تعود الى حقب سابقة وأنها كانت لمعبد أقدم منه. وبما أن تلك القطع الحجرية بقيت محفوظة في أساس المعبد يرى خبراء المعهد السويسري أنه بالإمكان ترميم هذا المعبد القديم في مكان غير بعيد عن المعبد الحالي إذا توفرت الموارد المالية الضرورية.

وغير بعيد عن مكان المعبد، تم اكتشاف مقبرة كباش الإله خنوم، الذي كان يصور برأس كبش. كما تم اكتشاف معبد شخصية لم تكن معروفة ولكنها أصبحت مقدسة بعد وفاتها لحد أنه تم بناء معابد لها وهي شخصية حقاإيب، والتي ُيقال أنها كانت من أعيان المدينة وقد تم تبجيلها لعمل جليل قدمته لأبناء المدينة.

واجهة رغم النهب والدمار

لم يتم في حفريات جزيرة إيلفنتين الاهتمام فقط بالمعابد والمراكز الرسمية بل يسهر المعهد السويسري بالتعاون مع المعهد الألماني على اكتشاف وترميم الأحياء السكنية القديمة التي بقي جزء هام منها في وضعية جيدة.

ومن يزور المنطقة من الغرب يتوقف على أطلال حضارات متعاقبة يجسدها جدار يحمل بين طياته بصمات الماضي. ويقول كورنيليوس فون بيلغريم "إنه على الرغم من الدمار الذي لحق بالمنطقة ليس بسبب النهب، بل لإن الأهالي كانوا يستخدمون الركام لتسميد مزارعهم، سنحتفظ بهذه الواجهة، بعد تدعيمها وتأمينها، لكي يتعرف الزائر على مختلف الحقب التاريخية الممتدة من العهد الفرعوني القديم حتى المراحل الإسلامية". كما يتم ترميم أحياء سكنية مبنية من الطوب اللبن الذي يتم إنتاجه في وحدة المعهد التي تستخدم نفس الأساليب القديمة.

وتحد المدينة من الغرب بقايا سور يعود الى العهد القديم والذي تم دعمه بسور أحدث ما زالت أجزاء منه شاهدة على أهمية هذه المدينة العسكرية والتجارية. وقد اكتشف المعهد السويسري أدراج سلم روماني قد يكون يقود إلى معبد روماني لكنه يقع خارج المنطقة المحددة كمنطقة آثار في جزيرة فيلة. ويقول مدير المعهد أن الأمر يتطلب إخضاع المشروع لإجراءات السلطات المصرية لإعلان المنطقة منطقة آثرية. وقد يصبح ذلك مشروع تنقيب في وقت لاحق.

ولاستكمال الصورة عما كانت تعج به جزيرة فيلة من كنوز، أقيم متحف بالجزيرة يحمل اسمها تُعرض فيه مختلف التحف الفنية التي تم العثور عليها خلال عمليات التنقيب المتتالية من ضمنها العديد من الموميات والأواني الفخارية والأسلحة. كما قام المعهد الألماني بتشييد متحف جانبي احتوى على كافة التحف التي تم العثور عليها في الحفريات التي أنجزها المعهدان الألماني والسويسري.

ولا يفوت زائر جزيرة فيلة، عند العودة الى مرسى "المعدية" أي الباخرة التي تستعمل كوسيلة نقل بين ضفتي النهر، ان يمر عبر الأزقة الضيقة للقرية النوبية، التي تتميز بأن غالبية سكانها من أبناء النوبة الذين يمثلون السكان الأصليين في المنطقة والتي تعتبر رغم كونها قرية معاصرة، تحفة معمارية وسوسيولوجية يرغب ابناؤها في أن تظل شاهدة على حضارة عمرت المنطقة.

نبذة عن تاريخ جزيرة ELEPHANTINE

كانت جزيرة إيلفنتين أو الجزء الجنوبي منها في العصر العتيق أي حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، عبارة عن عدد من الصخور الجرانيتية التي لا يظهر منها أثناء فيضانات وادي النيل في الصيف سوى اثنتين.

وتظهر الحفريات أن أولى التجمعات السكنية بالمنطقة تعود الى عصور ما قبل التاريخ وبالتحديد لعصر نقادة الوسيط أي في حدود 3500 قبل الميلاد. لكن من غير الواضح ما إذا كان السكان من النوبيين المتمصرين ام ان ايلفنتين عبارة عن نقطة حدودية مصرية متقدمة.

اسمها التاريخي هو "آبو" الذي يمكن أن يترجم الى كلمة " فيل" او "عاج".

بعد توحيد قطري مصر الوجه البحري والوجه القبلي وقيام الدولة الموحدة حوالي 3000 ق.م ، أصبحت إيلفنتين مركزا تجاريا هاما يشرف على منطقة الحدود الجنوبية إضافة الى كونها مركزا لاقتلاع صخور الجرانيت التي كانت تنقل الى باقي أنحاء البلاد لبناء المعابد.

أثناء الأسرة الأولى أي ما بين 2950 و 2800 ق. م، أقيمت في أعلى نقطة على شاطئ الجزيرة الشرقية تحصينات بها برج حراسة ، وكانت بها حامية تتكون من رجال أغراب عن المنطقة أي من شمال مصر .

مع بداية الأسرة الثانية أي ما بين 2800 و 2650 ق.م ، تم توسيع الأحياء السكنية لتشمل الجزيرة بكاملها . ونتيجة لكونها اتخذت شكل القلعة كان يشار إليها في الكتابات القديمة باللغة الهيروغليفية ب " القلعة".

تشير الدلائل إلى أن معبد الإلهة ساتت تم تجديده مرات عديدة في عهد الدولة القديمة ولكن في نفس المكان. كما تشير النقوش الموجودة الى أن الأهالي كانوا يبجلون إلى جانب ساتت إلاه منطقة الجنادل الإله خنوم برأس الكبش .

وفي عهد الملك منتوحتب الثاني نب حبت رع، أي في حدود 2000 ق.م، تم تشييد معبد جديد للإلهة ساتت ألحق به فناء يوجد فيه حوض كبير للاحتفال بقدوم فيضان النيل .

بتوغل الملك سنوسرت الأول حتى الجندل الثاني وضم النوبة السفلى الى مصر، فقدت جزيرة إيلفنتين من أهميتها كنقطة حدودية تشرف على الجندل الأول.

وفي عهده أيضا تم بناء اول معبد للإله خنوم ، إله منطقة الجنادل. وفي عهد الأسرة 11 تم تشييد معبد حقاإيب الذي كان من حكام إيلفنتين، وهو تقليد واصلته الأسر المتتالية فيما بعد بتكريمها لهذه الشخصية في المناسبات الدينية المختلفة وبتجديدها لتلك المعابد.

قبل نهاية عهد الأسرة 26، تعرضت مصر لأول احتلال أجنبي أي الاحتلال الفارسي ، وكان لذلك تأثير على أيلفنتين التي تحولت الى قلعة فارسية.

في عهد الأسرة 30 عرفت ايلفنتين ازدهارا تحت السيطرة اليونانية ثم بعدها تحت السيطرة الرومانية منذ العام 30 ق.م.

وقد قام البطالمة بتوسيع معبدي ساتت وخنوم كما تم الوصل بينهما بشرفة تطل على النيل وتم تزويدهما بمقياس لنهر النيل ما زال متواجدا حتى اليوم.

ويوحي تركيز المعابد في جزيرة ايلفنيتن الى ان العهدين البطلمي والروماني عرفا انتقال الحياة التجارية والعمرانية الى الضفة الأخرى من النهر في اتجاه مدينة سيني او أسوان الحالية.

فقدت ايلفنتين أهميتها لصالح مدينة سيني بعد انتشار المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي. كما عرفت تلك الفترة مرحلة استخدام حجر المعابد لبناء معابد وكنائس مما جعل معابد ايلفنتين لم يتبق منها سوى الأساس.

وبانتشار الإسلام لم تعمر المسيحية كثيرا، ولا زالت أطلال جبل ايلفنيتن تشير الى حركة تعمير حتى القرن التاسع او العاشر الميلادي.

ومازالت هناك قرية نوبية قائمة حتى اليوم في جزيرة إيلفنتين.

swissinfo.ch



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×