Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

صندوق تأمين واحد؟


قطاع الصحة في سويسرا.. بين سلطة الدولة ومنافسة السوق


بقلم صونيا فيناتزي


 انظر لغة أخرى 1  لغة أخرى 1
يُفسر الفرق بين الأنظمة الصحية في أوروبا بالوضع الإقتصادي للبلاد، بحيث أن الدول الغنية، مثل سويسرا، تعرض خدمات أفضل، وفقا للباحثين. (Keystone)

يُفسر الفرق بين الأنظمة الصحية في أوروبا بالوضع الإقتصادي للبلاد، بحيث أن الدول الغنية، مثل سويسرا، تعرض خدمات أفضل، وفقا للباحثين.

(Keystone)

باتت خدمات الرعاية الصحية "ذات السرعتين" حقيقة واقعة في أوروبا. فعلى الرغم من وجود اتجاه عام نحو نظام مختلط للرعاية الصحية، يخضع لرقابة الدولة وللمنافسة الحرة، إلا أن الدول الغنية، ومنها سويسرا، تسير بوتيرة أسرع، وتبتعد أكثر فأكثر عن البلدان الأكثر فقرا. 

"لا لنظام صحي على الطريقة الإيطالية"، و"لا نريد نظام تأمينات على الطريقة الفرنسية!": المقارنات بين محاسن نظام الرعاية الصحية في سويسرا ومساوئ الأنظمة الصحية في الدول الأخرى تحتل مكانة بارزة في جدول أعمال معارضي المبادرة الشعبية: "مؤسسة عمومية واحدة للتأمين الصحي" التي سيجري التصويت عليها يوم 28 سبتمبر 2014. لكن، هل هم مُحِقّون؟

في معرض إجابته، قال جوليانو بونولي، أستاذ السياسة الإجتماعية في جامعة لوزان، لـ swissinfo.ch: "المقارنة مع إيطاليا خارج السياق، وليس لها معنى. وبشكل عام، تتوزع دول أوروبا الغربية إلى مجموعتين كبيرتين بنظامين لتمويل الرعاية الصحية، أحدهما يعتمد بشكل رئيسي على التأمين الاجتماعي، ويُموّل بواسطة الاقتطاعات من الرواتب أو من التأمينات الأخرى، ومقدمو الرعاية الصحية فيه هم مهنيون مستقلون، بينما يعتمد النظام الآخر على الخدمة العمومية المقدّمة من قبل الدولة، ويُموّل عن طريق الضرائب، ومقدمو الرعاية الصحية فيه هم أطباء من موظفي القطاع العام". 

للجودة ثمن 

يعترف القاصي والداني بجودة النظام السويسري للرعاية الصحية، وتتصدر سويسرا قوائم التصنيف لجميع المؤشرات الصحية على وجه التقريب، لكنها أيضا في وضع لا تحسد عليه بالنسبة للتكاليف حيث تحتل المراكز الأولى أيضا.

ففي عام 2012، بلغت نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية 11,4٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسبة 9,3٪ في المتوسط لبلدان منظمة التعاون والتنمية (6080 دولار مقابل 3484 دولار للفرد الواحد)، وبلغت نسبة ما تسدده الأسر بشكل مباشر 26٪ من إجمالي الإنفاق الصحي، مقابل 19٪ في المتوسط. 

وتعتبر إيطاليا ضمن دول المجموعة الثانية. أما بالنسبة لسويسرا، إن تمّ استبدال مؤسسات الرعاية الصحية الخاصة - البالغ عددها حاليا 61 - بمؤسسة حكومية واحدة: "فلن يكون هناك تأميم لنظام الرعاية الصحية، بل مجرد تدخّل طفيف من قبل الدولة في نظام المنافسات القائم"، كما أوضح الخبير بونولي.

أما مسألة تعميم المقارنة على جميع الدول فهي: "أمر في غاية الصعوبة نظرا لوجود أنظمة متشعبة، فيها من التفاصيل ما هو مهم جدا"، على حد تعبير بونولي. وفي أوروبا الغربية بالذات، لكل بلد من بلاد "المجموعتين الكبيرتين" خصوصياته. 

تصنيفات وفقا للمؤشرات

ولذلك، فإن إجراء المقارنات بين الدول ينبغي أن يكون: "بطريقة موجهة، حول جوانب محددة، فمن المثير للإهتمام مثلا إجراء مقارنة على مستوى احتواء الأسعار أو الكفاءة"، مثلما يضيف هذا البروفيسور.

وبناء عليه، يمكن الوثوق بدراسات المقارنة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، باعتبار أن كلتا المنظمتين الدوليتين لا تعتمدان تصنيفا عاما للنظم الصحية، وإنما تُصاغ تصنيفاتهما وفقا للمؤشرات المختلفة.

وكلّ عام، يقوم خبراء المجموعة السويدية "هيلث كونسومر باور هاوس"، الهادفة إلى تعزيز نفوذ المرضى ومسؤولياتهم عبر دعم مبدَأيْ التقييم والشفافية في القطاع الصحي، بحساب المؤشر الأوروبي لاستهلاك الرعاية الصحية، من خلال دراسة تشمل 35 دولة، وتعتمد على مقارنة نتائج الإحصاءات الحكومية والدراسات الاستقصائية للمرضى والأبحاث المستقلة المتعلّقة بـ 48 مؤشرا في ستة مجالات صحية.

امتياز نموذج التأمين الخاص

من حيث المبدأ: "يلاحظ بأن النّظم التي يكون فيها وزن الدولة أكبر تكون أفضل من ناحية احتواء التكاليف، لكن لديها قابلية أكبر لإنتاج قوائم انتظار، أما النظم التي يقل فيها ثقل الحكومة، فإنها أقل إنتاجا لقوائم الانتظار لكن لديها صعوبة أكبر في كبح جماح الإنفاق"، على حد قول جوليانو بونولي. بَيْد أنه لا يمكن اعتبار ذلك قاعدة مطلقة: "فهناك دول لديها نظام رعاية صحية حكومي دون أن يكون لديها قوائم انتظار، فالأمر معتمد على الأموال المتاحة، إنه خيار سياسي".  

المنافسة 

يُلزم كل شخص مقيم في سويسرا بأن يكون لديه تأمين الرعاية الصحية الأساسية، ويمكنه بحسب الوضع الراهن الاختيار بين 61 شركة تأمين مصرّح بها وتتبع للقطاع الخاص، وملزمة بعدم رفض كل من يتقدّم لها، وبالتعاقد مع جميع مقدمي الخدمات الطبية، وبعدم ربط التسعيرة بحجم المخاطرة. 

هذا الأمر يحول دون وجود منافسة حقيقية بين الشركات، لأن المنافسة تعتمد في الأساس على اصطياد العملاء الأقل مخاطرة أو ما يُطلق عليه مصطلح "المخاطرة الجيدة"، وهي الثغرة التي توجّهت نحوها سهام أصحاب المبادرة: "مؤسسة عمومية واحدة للتأمين الصحي"، كما انتقدتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية في تقرير مشترك صدر في عام 2011، وانتقدها أيضا معهد البحوث الاقتصادية والمالية في باريس من خلال الدراسة التي أجراها في عام 2013 تحت عنوان: "تعزيز الحرية الإقتصادية والمنافسة الضريبية"، فضلا عن العديد من الدراسات التي اعتبرت وجود تكافؤ في المخاطر بين الشركات يمثل خللا كبيرا يعيق احتواء التكاليف وتحسين الخدمات. 

ومن وجهة نظر جوليانو بونولي: "هذه المنافسة ليست صحية، وعقيمة على المستوى العالمي"، ويدعو، أستاذ جامعة لوزان، في حال تمّ اعتماد النموذج الذي تطرحه المبادرة، إتاحة المنافسة بين مؤسسات التأمين العمومية على مستوى الكانتونات، ومن شأن هذه المنافسة أن تعمل بشكل مختلف، يتمثل في الضغط على السياسيين من قبل المواطنين الذين يمكنهم من خلال مبدأ الشفافية المقارنة بين الأسعار في الكانتونات المختلفة. 

في المقابل، أوضح محررو المؤشر الأوروبي لاستهلاك الرعاية الصحية لعام 2013 بأن: "أكثر نظم الرعاية الصحية الحكومية التي حققت نتائج ممتازة، توجد في دول صغيرة وغنية، مثل الدنمارك وأيسلندا والنرويج، وأغلب الدول التي سجّلت نتائج جيدة تطبّق نموذج رعاية صحية يعتمد على التأمين الخاص، كهولندا وسويسرا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا". وخلص الباحثون السويديين، بناء على مؤشرات استهلاك الرعاية الصحية في أوروبا، إلى أن: "نظم الرعاية الصحية المعتمدة على التأمين الخاص تُوفّر، على ما يبدو، نتائج أفضل مقارنة بتلك المموّلة من القطاع العام".

وإذا ما تمّ التحوّل في سويسرا إلى نظام التأمين الصحي الحكومي بحسب رؤية المبادرة الشعبية، فإنه من المتوقع بقاء نظام التأمين الخاص على كل حال: "وبدلا من دفع الأقساط لجهة تأمينية خاصة، فإنها ستُدفع لمؤسسات تأمينية عمومية تتبع للكانتونات"، وفق ما ذكر بونولي، مُضيفا بأن الأقساط ستبقى فردية، ولن يتم اقتطاعها كنسبة مئوية من الراتب أو الدخل، وأنها ستبقى تختلف من كانتون إلى آخر.

الثراء يلعب دورا

من جهة أخرى: "لن تكون هناك ثورة"، إذا تمت الموافقة على المبادرة، على حدِّ قول المتخصص في السياسة الاجتماعية، وإنما سيكون لهذا التغيير تناغم مع جملة الإصلاحات التي نفّذتها معظم الدول الأوروبية خلال العقدين الماضيين، والتي امتازت بمرونة التقارب بين النموذجين الرئيسيين.

وأشار بونولي إلى أن: "المقصد هو إيجاد حلّ وسط من خلال اعتماد نموذج يزاوج بين عناصر السوق الحرة وعناصر سيطرة الدولة، فقد استفادت النظم الأكثر حكومية من آليات السوق من أجل أن تتيح لنفسها إمكانية استخدام الموارد المحدودة بكفاءة أكبر، بينما سمحت النّظم اللّيبرالية بمزيد من تدخل الدولة". وبالفعل، خطت سويسرا خطوة كبيرة في هذا الاتجاه عندما بدأ في عام 1996 سريان العمل بقانون التأمين الصحي الفدرالي، حسب ما ذكر البروفيسور.

ورغم أهمية نوع التمويل على مستوى خدمات الرعاية الصحية، إلا أن القوة الإقتصادية للبلاد هي التي تُحدد أكثر جودة الخدمات الصحية في رأي القائمين على حساب المؤشر الأوروبي لاستهلاك الرعاية الصحية، الذين قالوا: "في تصنيف عام 2013، احتلّت أغنى الدّول صدارة الترتيب، وبصورة أكثر وضوحا عمّا كانت عليه في السنوات السابقة"، والفجوة آخذة في الإتساع. وحاليا، تسير خدمات الرعاية الصحية في أوروبا "بسرعتين" تبعا لغنى البلد. فليس من المستغرب إذا أن نجد سويسرا في المرتبة الثانية مباشرة بعد هولندا.  

swissinfo.ch

×