Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

ظاهرة سوء السلوك في المجال البحثي


المؤسسات البحثية السويسرية تلتجئ للعلم للتحقيق في الغش الأكاديمي


بقلم جاني فورتس (*)


 انظر لغات أخرى 5  لغات أخرى 5
الأكاديميون يتعرّضون لضغوط مكثّفة: إما النشر أو الإختفاء... (Keystone)

الأكاديميون يتعرّضون لضغوط مكثّفة: إما النشر أو الإختفاء...

(Keystone)

في شهر أبريل المُنصرم، أعلن المعهد التقني الفدرالي العالي الرفيع المستوى في زيورخ عن فتح باب التّحقيق مع أحد الأساتذة العاملين فيه، إثر اتهامه بتزوير منشورات بَحثية. ومع أن سوء السلوك الأكاديمي ليس بالظاهرة الجديدة، إلّا أن السويسريين لم يلجأوا إلى إتباع نَهج مُتَسق للتحقق من هذه الحالات إلّا في الآونة الأخيرة.

تتعلق الحالة المُشار إليها في معهد زيورخ بإتهامات مجهولة المصدر ظهرت على موقع منتدى "بوب بير" (PubPeer) الإلكتروني (الذي يسمح لمُستخدميه بمناقشة ومراجعة البحوث العلمية)، تشير إلى تلاعب أستاذ مختص بعلم الأحياء بعدد من الصور المرافقة لمقالات علمية كان قد شارك بتأليفها ونشرها. ووفقاً للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) الذي ساهم في تمويل بعض هذه البحوث، يتعلَّق الأمر بنحو 30 مقالة علمية.

وفي هذا السياق، أعلن المعهد المرموق في زيورخ يوم 9 أبريل الماضي عن تشكيل لجنة تحقيقية لتقييم المزاعم التي نُشِرَت منذ شهر يناير من العام الجاري على موقعي منتدى "بوب بير" ومُدونة "مراقبة السحب" (Retraction Watch). ولكن، وكما أخبرت متحدثة باسم المعهد swissinfo.ch، لن يكون بوسع المعهد التعليق على هذه الإجراءات حتى إكتمال التحقيق. وبدوره، يجري المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي تحقيقا منفصلاً.

مشكلة عالمية

ويُعتَبَر التزييف (أي اللجوء إلى التكييف أو التحريف) واختلاق (تلفيق) المعلومات شكلان من أشكال سوء السلوك البحثي، التي توجد منها أنواع كثيرة أخرى، تمتد من السرقة الأدبية (باستخدام نص يخص شخصاً آخر وتنسيبه لنفسك) إلى التأليف الكاذب (للحصول على تقدير عن عمل لم تقم بكتابته) وحتى عَدَمْ الإفصاح عن تضارب المصالح - مثل حقيقة تمويل بحثك العلمي من قبل الشركة التي تبيع المنتج الذي تقوم بدراسته.

وفي نفس المجال، كان أسم أخصائي التخدير الألماني يواكيم بولت قد إقترن بواحدة من أكبر حالات سوء السلوك البحثي في أوروبا حتى الآن. وكان بولت قد طُرِدَ من عمله كأستاذ في مستشفى "كلينيكوم لودفيغسهافن" على إثر تحقيق مُطَوّل، كما سُحِبَت 88 ورقة علمية من مجموع 102 كانت قد نُشِرَت له في مجلات علمية. وكما يبدو، كان بولت يمارس تزوير البيانات منذ فترة طويلة تعود إلى عام 1999.

بعض الإجراءات والمبادئ التوجيهية السويسرية

يتوفر المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ على إجراء متعدّد الصفحات لمعالجة مزاعم سوء السلوك البحثي يعود تاريخه إلى عام 2004. وينص الإجراء على أن المعهد يتوقع من أعضائه الإلتزام بثقافة من النزاهة والمسؤولية والنقد الذاتي في مجال البحث العلمي، وبأن المعهد "يتحمّل مسؤولية التحقيق في أي ادِّعاء مُحدد يخص ممارسات سوء السلوك البحثي".

بالمِثل، فإن لدى المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، توجيه بشأن النزاهة البحثية والممارسة العلمية الجيدة، يُحَدِّد المبادئ الأساسية للتخطيط للبحث [العلمي] وأسلوب تنفيذه وطريقة عرضه وتقييمه. ويُطَبَّق هذا التوجيه على جميع أعضاء المعهد المشاركين في مجال البحث العلمي، إبتداءً من الكادر التدريسي والعلمي، وحتى المُرَشَّحين لنيْل درجة الدكتوراه والطلاب والمشاركين في البحوث والضيوف.

كما أن لِمؤسسة العلوم الوطنية السويسرية، وهي هيئة تمويل استثمرت 819 مليون فرنك سويسري (859 مليون دولار) في مجال البحث العلمي السويسري في عام 2013، أنظمة لمعالجة سوء السلوك العِلمي من جانب المتقدّمين والمستفيدين من المِنح.

في عام 2009، كشف تحليل حول 21 دراسة استطلاعية أجريت في مجموعة من البلدان، عن إعتراف ما يقرب من 2% من العلماء الذين شملهم الإستطلاع باللجوء إلى إختلاق، أو تزوير، أو تعديل البيانات أو النتائج مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم المهنية، كما اعترف 34% منهم بالضلوع في مُمارسات بحثية أخرى مشكوك فيها.

وهنا يطرح السؤال نفسه حول السبب الذي يدفع بهؤلاء العلماء للمخاطرة بمسيرتهم المهنية واللجوء إلى تلفيق أو تزوير أعمال بحثية، والذي تجيب عليه مريم كورنو، التي تعمل كمديرة تحرير في لوزان بالقول :"مثلما هو الحال في نشاطات بشرية أخرى - كالرياضة مثلاً حيث تبرز ظاهرة المنشطات - يسعى الأشخاص إلى التفوق في الأعمال التي ينجزونها". وبحسب كورنو، تفاقمت ظاهرة السلوك اللاأخلاقي نتيجة الحوافز التي تعرضها الجهات المُموِلة، ومجالس تقييم المؤسسات ولجان الترقية.

وكما تضيف كورنو "يميل الباحثون إلى المشاركة في سوء السلوك البحثي لأنهم "يتعرضون لضغوط هائلة لتأمين التمويل، بسبب العقود القصيرة الأمد، ونتيجة المُنَح التي تنتهي آجالها بشكل منتظم، وبسبب تنافسهم على شَغل وظائف أكاديمية ثابتة لا تتوفر إلّا بأعداد قلية جداً".

التعامل مع سوء السلوك

ولكن ما مدى شيوع مشكلة تزوير المنشورات العلمية في سويسرا؟
"إنها لا تزيد عن أي أماكن أخرى"، يجيب أستاذ القانون كورت سيلمانّ، الذي يرأس لجنة النزاهة البحثية في الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي (SNF)، مضيفا: "لكن هذا يُعتبر مشكلة كما نرى، ولدينا العديد من الحالات المُشتبه بها التي ينبغي مُتابعتها".

ومن المُرَجَّح أن عملية تزوير المنشورات كانت موجودة منذ عقود، إن لم يكن منذ قرون. بَيد أنَّ المؤسسات البحثية السويسرية لم تضع مباديء توجيهية للتحقيق في الحالات المُشتَبه بها إلّا في الآونة الأخيرة.

"قبل عام 2009 لم يكن لدينا إجراء رسمي"، بحسب سوزان كيلياس، المستشارة العامة للمعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL)."أنا أعمل هنا منذ عام 2000 ولم أسمع عن أيّ شيء من هذا القبيل". ولم تتأسس لجنة النزاهة البحثية في الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي إلّا مؤخراً في عام 2013.

التعرّف على حالات التزوير في النشر

استثمرت العديد من المنظمات، مثل المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان والصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي، في تطوير برامج كمبيوتر تختص بتقييم حالات الانتحال (السرقة الأدبية) في المخطوطات والمِنح الدراسية، عن طريق مقارنة هذه الأعمال بقاعدة بيانات تتضمّن النصوص التي سبَق نشرها.

"لقد أصبح الكشْف عن حالات الإنتحال سهلاً جداً في الواقع، مع توفّر هذه المواد الآن على شبكة الإنترنت والبرامج المُتاحة لدينا"، بحسب مريم كورنو، مديرة تحرير دار النشر الأكاديمية "فرونتييرز" Frontiers، التي يقع مقرّها في لوزان.

"لقد أصبحت المنشورات متاحة إلكترونيا، ويمكن الوصول إليها على نِطاق أوسع ومن قِبل جمهور أكبر، وبإمكانك حتى البدء بتشغيل برنامج يبحث عن العيوب وعن وجود بيانات إحصائية غيْر مُحتملة".

"بالطبع كان سوء السلوك البحثي موجوداً قبل ذلك، وكان يخضع للتحقيق، ولكننا شعرنا بالحاجة إلى اتباع نهج أكثر تنظيماً، وإلى ضرورة تأسيس لجنة خاصة"، كما يقول سيلمانّ.

ومع تنامي الوعي بشأن سوء السلوك الأكاديمي، بدأت الجامعات، والمجلات العلمية، ووكالات التمويل في جميع أنحاء العالم بممارسة إجراءات استباقية.

"مع إعتقادنا الشديد بضرورة العقاب، ولكننا نرى أن الوقاية أكثر أهمية"، كما يقول كيلّياس، ويضيف:" نحن ننشر رسائل تذكير على الموقع الإلكتروني بانتظام، أو نبعث برسائل لتنبيه الأشخاص بواجباتهم عبر البريد الإلكتروني".

ومنذ عام 2009، عندما وضع المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان لإول مرة إجراءاً رسمياً للتعامل مع سوء السلوك البحثي، لم تظهر في المعهد سوى ثلاث حالات مرتبطة بالأساتذة - كانت اثنان منها غير مُقنِعة - وثلاث أو أربع حالات أخرى مقرونة بأشخاص آخرين، بحسب كيلّياس. "عندما تتصور أننا ربما ننشر ما لا يقل عن 2000 مقالة علمية كل عام، فإن هذه الحالات تكاد أن تكون معدومة في الواقع."

تبادل المعلومات

وفي هذا السياق، قد يكون توفير الدَّعم والمشورة لتنظيمٍ يُجري تحقيقا في قضية سوء سلوك مُحتملة، مسألة مفيدة. وهكذا تقوم لجنة أخلاقيات النشر الدولية (COPE)، التي يشارك في عضوِيتها نحو 10,000 ناشر ومُحَرِّر مجلاّت علمية، بتقديم مبادئ توجيهية ووثائق مناقشة ورسوم بيانية، كما تحتفظ بقاعدة بيانات تخصّ حالات أخلاقية تمّت مناقشتها في السابق.

"ينبغي إحالة العديد من المشاكل التي تواجِه المحرِّرين إلى المؤسسات البحثية بُغية التحقّق منها"، كما تقول كورنو، التي تعمل في مجلس لجنة أخلاقيات النشر. ولمساعدة هؤلاء، قامت هذه اللجنة بوضع مبادئ توجيهية حول التعاون بين المؤسسات البحثية والمجلاّت العلمية بشأن قضايا النّزاهة البحثية.

وبالرغم من ذلك، فإن تبادل المعلومات المتعلِّقة بسوء السلوك، ليس بالأمر السّهل دائماً في سويسرا، وهو ما يعود في بعضه إلى النظام الفدرالي للبلاد، كما يقول سيلمانّ. "من وجهة نظر لجنة النزاهة البحثية في مؤسسة العلوم الوطنية السويسرية، ليست هناك أي مشكلة. فنحن نعطي المعلومات ونطلبها. لكن الأمر يختلِف بالنسبة للجامعات الفردية التي تنتسِب معظمها للكانتونات، والتي لا يحق لها في الغالب تزويدنا بالمعلومات".

وربما تكون للمؤسسات العلمية في سويسرا خِبرة أقلّ في التعامل مع التزوير في النشر - بغضّ النظر عن مدى إيجابية أو سلبية ذلك. ومما يُؤسَف له، هو أن سوء السلوك الأكاديمي يحدُث في كل مكان، كما تقول مريم كورنو: "الأمر المُهِم، هو توفر هذه المؤسسات على إجراءات للتحقيق السريع والمُنصِف من هذه المخاوف، وتواصلها الفعلي والواضح بهذا الشأن".

*كانت جيني فورتس محرِّرة لنشرة لجنة أخلاقيات النشر الدولية المُعنْونة "التحرير الأخلاقي" من عام 2009 وحتى عام 2012.

×