Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

علماء سويسريون: شمال السودان شهد أولى التجمعات السكنية في تاريخ إفريقيا


بقلم محمد شريف, نوشاتيل


استطاع الفريق السويسري للتنقيب عن الآثار في منطقة كرمة بالسودان تجسيم معالم أولى التجمعات السكنية في إفريقيا من خلال نموذج تم إنجازه في سويسرا وسيتم نقله قريبا ليُعرض بشكل دائم في متحف كرمة.

النموذج عبارة عن مجسم لأولى التجمعات السكنية التي تم اكتشافها في منطقة الديفوفة الشرقية والتي يعود تاريخها لحوالي 3000 ألاف عام قبل الميلاد، والثاني لمدينة كرمة التي كانت عاصمة للمملكة النوبية في المنطقة.

تم في متحف نوشاتيل بسويسرا في 17 يونيو تدشين نموذجين لتجمعات سكنية تقدم لنا الكثير من المعلومات عن حضارة ما قبل كرمة في شمال السودان. النموذج الأول يعرض أولى التجمعات السكنية أما الثاني فيخص مدينة كرمة عاصمة مملكة كرمة.

وقد كانت المناسبة فرصة للبروفسور شارل بوني، رئيس فريق التنقيب السويسري في منطقة كرمة، وللبروفسور ماتيو هونيغر المشرف على أبحاث حقبة ما قبل كرمة بنفس البعثة، لإطلاع جمهور غفير توافد على المتحف، على آخر الاكتشافات التي توصل إليها فريق التنقيب عن الآثار في منطقة كرمة بمحافظة دونغولا بشمال السودان.

عن هذا الحدث يقول البورفسور شارل بوني: "بالنسبة لي، يمثل مُجسم المدينة التي قمت فيها بأبحاث أثرية لأكثر من 40 سنة، شيئا خارقا للعادة، لأنك عندما تنظر إليها فإنك ترى بالفعل مباني مربعة وهندسة معمارية تقليدية معروفة على طول وادي النيل ولكن ما يجلب الانتباه هو كل تلك الأشكال الدائرية والمسننة وهو ما يذكرنا بالقرى المكونة من أكواخ القش الدائرية والمعابد الدائرية. وما دمتُ قد اكتشفت غير بعيد عن كرمة في دوكي غيل معبدا دائريا، فإن ذلك يؤكد التأثر العمراني بثقافة محلية افريقية متميزة بالأشكال الدائرية. وهذا مغاير تماما لما هو معروف عن المدن القديمة عندنا أو عند الرومان أو المصريين. بل نحن في عالم معماري آخر وهو ما يجعلني أشعر بسرور كبير عند رؤيتها".

أما ماتيو هونيغر فيقول "إننا بصدد تجسيد آخر مرحلة من مراحل متحف كرمة، الذي عرف افتتاحا أوليا في يناير 2008 ولكن كانت تنقصه بعض اللمسات المتحفية الأخيرة من بينها هذه النماذج (المجسمات) للقرى التي تظهر تاريخ أولى المستوطنات البشرية في منطقة وادي النيل وتاريخ المدينة كتجمع سكني في إفريقيا ككل".

ويضيف الباحث السويسري "وفي هذا الإطار تقدم الأبحاث الأثرية في كرمة نتائج هامة وخارقة للعادة لأنها أبحاث متعلقة بثلاث مدن تعاقبت في نفس المكان خلال فترة تمتد لحوالي 3000 سنة. وأعتقد بأنه لا يمكن العثور في إفريقيا على موقع يقدم لنا كل هذه المعطيات وبهذه الجودة لأن الخاصية التي تتميز بها هذه المواقع أنها مدن لم تعرف عمرانا حديثا تم على أنقاض العمران القديم. وهذا ما يجعل ما عثرنا عليه في كرمة يمثل وثائق أثرية ذات أهمية عالية".

أولى التجمعات السكنية المعروفة على مستوى افريقيا

هذه القرية الأولى في تاريخ القارة الإفريقية التي تم اكتشافها في الديفوفة الشرقية وتحت مقبرة مدينة كرمة من قبل فريق الآثار السويسري بقيادة شارل بوني وماتيو هونيغر ينظر لها على أنها أقدم نموذج لتجمع سكني يتم اكتشافه في وضع جيد على مستوى القارة الإفريقية بأكملها.

وعن تفاصيل هذه القرية يقول البروفسور ماتيو هونيغر: "تمثل القرية الأولى المرحلة الأولى في طريق العمران لأنها تمثل تجمعا سكنيا يعود لحوالي 3000 سنة قبل الميلاد. وقد تمكنا من اكتشاف حوالي 2 هكتار من بين عشرة هكتارات وهذا ما سمح لنا بالتعرف على تجمع يتكون من بعض المباني المحاطة بعدد من المساكن المصنوعة من القش ومنطقة مخصصة لتخزين محصول الحبوب جماعيا وحصون قوية لحماية التجمع السكني يبلغ عرضها في بعض الأحيان 8 أمتار وعلوها ما بين 5 و 6 أمتار مثلما تصورناها. وهو ما يدفعنا لاعتبار أننا لم نعد في مستوى القرى الصغيرة بل في بداية تأسيس المدن التي بها عدد كبير من السكان".

مدينة كرمة

النموذج الثاني الذي سيتم نقله الى متحف كرمة هو تصميم لمدينة كرمة التي كانت عاصمة المملكة التي تحمل نفس الإسم والتي عمرت ما بين 1400 قبل الميلاد و1000 بعد الميلاد.

وهي المدينة التي يقول البروفسور ماتيو هونيغر عنها "بعد 500 عام من تشييد أولى التجمعات السكنية بالمنطقة، تم هجر هذه المدينة لتأسيس المدينة التي ستصبح عاصمة مملكة كرمة وهي مدينة كرمة. وفي هذه الحالة اشتملت المدينة على كل مقومات المدينة من أجنحة خاصة ومعبد وحصون وأسوار، مع الحفاظ على تقاليد عمرانية إفريقية ونوبية مثل الأشكال الدائرية والجدران المسننة وبيوت القش، مع وجود تأثير فرعوني قادم من الشمال يتمثل في بيوت مربعة ومستطيلة وعالية وهو ما يثبت أن المنطقة كانت نقطة لقاء حضارات".

أما البروفسور شارل بوني فيقول: "هذه المدينة التي تعود إلى حوالي 4000 عام عندما نقارنها بما هو معروف في إفريقيا منذ 200 أو 300 عام فإننا نجد الكثير من أوجه الشبه. ولهذا السبب يجب مواصلة البحث لأننا ما زلنا في بداية المشوار. وأملي أن يوحي هذا النموذج لطلبة سودانيين أو أخصائيين في الأبحاث المعمارية بمواصلة البحث عن التراث المعماري لهذه القارة الغنية والتي تعرف اليوم الكثير من المشاكل".

وقد شارك في تصميم هذين النموذجين خبير في تصميم النماذج وهو لوغو لينهارت الذي تفنن ليس فقط في تجسيد المباني بل أعطى لهذه النماذج حيوية من خلال تأثيثها بمجسمات لأشخاص وحيوانات.

قريبا في متحف كرمة

ويتمثل الهم الأساسي للفريق السويسري في إنجاح عملية نقل النموذجين (أو المجسمين) بسلام الى متحف حضارة كرمة الذي عرف تدشينا أوليا في شهر يناير الماضي من قبل الرئيس السوداني الفريق عمر حسن البشير، والذي سيفتتح رسميا في شهر يناير القادم بعد الإنتهاء من وضع آخر اللمسات المتحفية عليه.

وفي معرض الحديث عن توقعاته حول ما يمكن أن تضيفه هذه النماذج من جاذبية لمتحف كرمة، يقول ماتيو هونيغر: "إن تزويد متحف كرمة بهذه النماذج للقرى سيسمح لهذا المتحف الواقع في نفس مكان الآثار بتقديم نظرة حية للزوار تسمح لهم بتصور ما كانت عليه مدينة كرمة والتجمعات السكنية التي عرفت في المنطقة من قبل. ومن خلال هذه الملاحظات مقارنة ذلك مع ما تبقى في عين المكان من آثار مثل معبد الديفوفة وباقي أقسام المدينة التي تم ترميمها".

ومن المتوقع أن تشارك في عملية الافتتاح الثانية لمتحف كرمة شخصيات سويسرية، لكن البروفسور ما تيو هونيغر يرى أنه من السابق لأوانه الإفصاح عن هوية هؤلاء لأنه كما قال لم يحصل على تأكيد رسمي منها لكنه اكتفى بالتذكير بأن الرئيس السويسري الحالي باسكال كوشبان سبق له أن "قام بزيارة كرمة في يناير 2004، وهو يعتبر من أكبر عشاق الأبحاث الأثرية وأبدى اهتماما كبيرا بأبحاثنا".

اعتزاز بإسهام السودان في الحضارة الإنسانية

الحفل الذي أقيم في مدينة نوشاتيل لعرض مجسمين لأولى التجمعات السكنية في كرمة حضرته شخصيات سودانية رسمية ومن المقيمين في سويسرا وعلى رأسهم السفير بالبعثة السودانية لدى المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة عمر دهب محمد الذي يرى أن مثل هذا الحدث يعكس "الجانب الإنساني والحضاري العميق للشخصية السودانية الضاربة في التاريخ، ويظهر بجلاء أن الأمم والشعوب على مختلف تشكيلاتها وانتمائها ومواقعها الجغرافية قد أسهمت في الحضارة الإنسانية العامة".

ويضيف السفير عمر دهب محمد في تصريحات لسويس إنفو: "أنا سعيد لكون المجموعة الخيرة انطلقت من انتمائها الواسع للإنسان. ووجدت في هذه المنطقة ضالة كانت تنشدها كثيرا لمدة طويلة. لذلك أنا سعيد لأن يكون هناك إبراز لهذا الموقف الحضاري العميق للشخصية السودانية في فترات تمتد الى نحو 7000 عام قبل الميلاد".

دعم مالي سويسري لأعمال التنقيب عن الآثار في السودان

هذه الأبحاث عن تاريخ المعمار القديم في إفريقيا التي قام بها فريق الآثار السويسري في السودان تدخل في إطار برنامج أبحاث مولته سويسرا.

عن ذلك يقول البروفسور ماتيو هونيغر: "شرعنا منذ ثلاث سنوات في مشروع أبحاث متعلقة بنشأة وتطور العمران في إفريقيا. وما عثرنا عليه في كرمة يعتبر مثالا يقتدى به في مناطق أخرى غير معروفة بما فيه الكفاية. فقد قدمت لنا أبحاث كرمة معلومات قيمة عن كيفية تنظيم المدينة بطريقة مغايرة لما هو معروف في مناطق أخرى. فغالبية علماء الآثار لهم نظرة قديمة عن تنظيم المدينة على الطريقة التي عرفت في العهد اليوناني القديم او في العصر الروماني وفي حوض البحر الأبيض المتوسط. وهي الطريقة التي تتصور تطور مدينة وفقا لمخطط يشتمل على مباني رسمية في الوسط وما إلى ذلك . ولكن ما تعرفنا عليه من خلال هذه المدن هو أن التنظيم الإفريقي للمدينة مغاير مما يجبرنا على اعتماد تصور آخر لتنظيم المدن وهو ما توصلنا إليه من خلال الحفائر الأثرية في السودان".

وعن التمويل يقول البروفسور هونيغر: "هذا المشروع حصل على دعم المكتب الفدرالي للثقافة الذي سمح لنا بمواصلة العمل. وتعتبر كرمة من أهم المشاريع الأثرية السويسرية في الخارج. وقد قدمنا طلبا لتمديد هذا الدعم ولنا أمل في نوفق في ذلك مما يسمح لنا بمواصلة العمل".

أما البروفسور شارل بوني الذي حصل مؤخرا على درجة دكتوراه فخرية من جامعة الصوربون على أعماله الخاصة بالنوبة وفي منطقة كرمة فيأمل في أن يُواصل الصندوق السويسري للبحث العملي الذي ساهم منذ أربعين عاما في دعم أشغال التنقيب في السودان، تقديم الدعم خلال الثلاث سنوات القادمة "لأن ما نقوم باكتشافه فريد من نوعه".

swissinfo.ch



وصلات

×