Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

محمد سحنون .. تجسيد لفن الدبلوماسية الهادئة (2 من 2)


يعد الدبلوماسي الجزائري السابق من أهم الشخصيات التي عملت لفائدة الأمم المتحدة وتولت مهام حساسة ارتبطت بصراعات القارة الإفريقية بالخصوص، لذلك يُعتبر من أكبر العارفين بخبايا هذه المنظمة وبأهم القطاعات التي تحتاج فيها إلى إصلاح وتقويم.

ومع أن هذا الرجل الوفي للمبادئ اختلف مع قيادة المنظمة بسبب أزمة الصومال، إلا أن رؤيته الإنسانية لحل الصراعات أدت الى اختياره كأول عربي ومسلم على رأس منظمة "مبادرات وتغيير" التي تعكف منذ عشرات السنين على مناقشة سبل دعم السلام وحل الصراعات في العالم.

بعد أن استعرضنا في القسم الأول من الحوار مع محمد سحنون جانب مشاركته في الثورة الجزائرية من خلال إصدار كتابه "الذاكرة الجريحة"، وتوليه مناصب دبلوماسية في عهد الرئيس الجزائري هواري بومدين، وتفاصيل المهام التي تولاها على مستوى منظمة الوحدة الإفريقية والجامعة العربية واتحاد المغرب العربي، نخصص الجزء الثاني لاستعراض أهم التطورات التي طبعت حقبة توليه مناصب أممية وبالأخص المهام الحساسة التي كان يقوم بها لحساب الأمم المتحدة في العديد من النزاعات والصراعات التي مزقت القارة الإفريقية.

استقالة مدوية دفاعا عن "المصداقية"

ولاشك في أن من بين ما يميز هذه الحقبة تلك الانتقادات التي وجهها محمد سحنون بخصوص تقصير منظمة الأمم المتحدة في حل الصراع الصومالي في بدايته (1991 - 1992). عند إثارة هذه النقطة مع السيد سحنون، يصر على العودة إلى التذكير بأنه قبل استلام هذه المهمة كممثل عام للأمين العام في الصومال، كان ملما بالملف الصومالي من خلال توليه منصب نائب أمين عام منظمة الوحدة الإفريقية، ثم تقلده لاحقا منصب نائب أمين عام الجامعة العربية المكلف بالحوار العربي الإفريقي.

وبناءا على هذه الخبرة، طلب منه الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة آنذاك بطرس غالي، في عام 1992 تولي مهمة ممثل الأمين العام المكلف بملف الصراع في الصومال ومساعدة الأطراف الصومالية على محاولة حل المشاكل القائمة بينها.

ويقول السيد سحنون "شرعنا في هذه المهمة وتوصلنا في الحقيقة الى اتفاق بين الأطراف الصومالية لإقامة نظام لامركزي تتولى فيه الأطراف الصومالية المختلفة السلطة في المناطق التي كانت تتواجد فيها"، لكن هذا الممثل الخاص للأمين العام في الصومال فوجئ "بكون الولايات المتحدة بعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر عام 1992 قررت إرسال قوات تدخل للصومال". وما فاجأ السيد سحنون أكثر أن "الأمين العام بطرس غالي وافق على ذلك ولم يستشرنا أو يُطلعنا بل علمنا ذلك من وسائل الإعلام".

وأمام غضب الأطراف الصومالية، رأى السيد سحنون أن عليه الاستقالة من هذه المهمة في الصومال "حفاظا على المصداقية"، ويقول اليوم بنوع من المرارة "إن التاريخ أظهر جليا بأننا كنا على صواب، لأننا شاهدنا ما حصل للتدخل الأمريكي في الصومال، وكيف خرجت القوات الأمريكية، وكيف بقيت الأوضاع في الصومال وكيف تسبب هذا التدخل في ضرر أكثر للشعب الصومالي".

سوء تقييم هنا .. وفشل خطير هناك

وعما إذا كان هذا الخطأ الذي حدث في النزاع الصومالي بالموافقة على تدخل عسكري في وقت كادت أن تؤدي فيه المفاوضات إلى حل للصراع، قد حدث نتيجة لسوء تقييم للأوضاع أم مراعاة لمصالح بعض الدول؟ يرد السيد سحنون قائلا: "إنه يشمل الأمرين معا ولو أنه يعود الى سوء تقييم بالدرجة الأولى".

ولكنه يضيف "لقد كانت لهذا التدخل أبعادٌ أخرى تمس المنطقة بأكملها ومنطقة الخليج ومنطقة القرن الإفريقي". يضاف الى ذلك أن الهزيمة الانتخابية للرئيس بوش الأب دفعته للقيام بذلك لتغطية هزيمته، حسب تحليل بعض وسائل الإعلام.

وقد أتيحت الفرصة للسيد سحنون في نهاية عام 1993 لتقديم وجهة نظره أمام الكونغرس الأمريكي الذي كان يحقق في هزيمة القوات الأمريكية في الصومال. ولا زال يتذكر أن عددا من الضباط الأمريكيين كانوا يتفقون مع تحليله للأوضاع في الصومال.

وعما إذا كانت الأمم المتحدة قد أعادت نفس الأخطاء في رواندا، وهي بصدد تكرارها في جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم، يقول السيد سحنون: "إن ما حدث في رواندا هو فشل خطير جدا، لأنه سمح بحدوث ما حدث من مجازر". وفي هذا السياق، يتذكر السيد سحنون أن "الجنرال الكندي دالير المشرف على قوات الأمم المتحدة طلب تدخل القوات الدولية والأممية ولكنه لم يجد آذانا صاغية مثلما لم أجد أنا آذانا صاغية عندما طالبت بنشر قوات أممية في الصومال في خمسة مناطق هي بوصاصو، وبيربيرا، وكيسمايو ويايضوا ومقديشو".

حقبة جديدة مع كوفي أنان

عند تولي كوفي أنان منصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة طلب من السيد محمد سحنون تولي مهمة مستشاره وممثله الخاص في منطقة البحيرات الكبرى التي تشمل كلا من الكونغو - برازافيل والكونغو - كينشاسا (زائير سابقا أو الكونغو الديموقراطية اليوم) ورواندا وأوغندا وبوروندي والسودان.

ويقول السيد سحنون إنه هو الذي اقترح إشراك نلسون مانديلا زعيم جنوب افريقيا نظرا لسمعته ومكانته في الوساطة التي قام بها بين حكومة الرئيس موبوتو والمعارضة التي كان يقودها لوران كابيلا. وهي الوساطة التي سمحت "بتفادي كارثة إنسانية بسبب كثرة عدد اللاجئين".
ونفس الوساطة تمت في كل من الكونغو برازافيل وبوروندي وبمساعدة دائما من نلسون مانديلا والرئيس التنزاني يوليوس نيريري. وهي وساطات وتحركات "كانت مشجعة بالنسبة لمهام الأمم المتحدة في الميدان"، مثلما يؤكد محمد سحنون.

وإذا كانت هذه المهام قد وجدت نهاية مشجعة، فإن مهمة محمد سحنون كمبعوث خاص للأمم المتحدة في جنوب السودان كانت "مُتعبة" حسب تعبيره، وهي المهمة التي توصلت في عام 2005 إلى إبرام اتفاق تاريخي بين الحكومة السودانية وحركة تحرير شعوب السودان يمنح الجنوب شبه استقلال داخلي.

وعن صراع دارفور يقول السيد محمد سحنون "لقد شاركتُ في الحوار الأول الذي حصل بين الحكومة وفصيل من فصائل المقاومة والذي توصل الى اتفاق بوساطة الرئيس النيجيري أوباسانغو.

وعن حقيقة الصراع في دارفور يقول السيد سحنون " في الحقيقة أن مشكلة أزمة دارفور هي أزمة سوء إدارة، لأن المشاكل القائمة هناك هي نفسها التي واجهتنا في الصومال، وهي نفسها في كينيا وموريتانيا وبعض دول الساحل الإفريقي وهي مشاكل تعود الى تفاقم ظاهرة التغيرات المناخية وما يترتب عن ذلك من تدهور في المراعي واضطرار بعض القبائل للنزوح الى أراضي أكثر خصوبة وبالتالي الدخول في مواجهات قبلية. وهذا ما تحدث عنه جيفري ساكس وغيره".

وعمن يرغبون في وصف مشكلة دارفور بأنها صراع عرقي بين عرب وأفارقة يرد السيد سحنون " بأن في ذلك مبالغة في الحقيقة لأن الشعوب كلها شعوب افريقية ولو أن بعضها تعرب أكثر من غيره وأصبح ينعت بالعرب". ويضيف " للأسف ان حتى بعض التقارير الأممية أصبحت تردد ذلك".

منظمة في حاجة إلى إصلاح

محمد سحنون الذي تابع أشغال منظمة الأمم المتحدة من الخارج ثم من الداخل لأكثر من ثلاثين عاما يرى أن إصلاح منظمة الأمم المتحدة يمكن أن يتم على مستويين : "إصلاح إداري وهذا ممكن بدون اللجوء الى تغيير القوانين او الميثاق". وللقيام بذلك يعتبر السيد سحنون " أنه يجب ان تكون هناك رقابة تسمح بإقناع الناس بأن الأمم المتحدة ليست شركة تسير وفقا لأهداف اقتصادية وسياسية، بل منظمة إنسانية قائمة على هذا الأساس وليس على أساس مراعاة مصالح هذا الطرف أو ذاك".

والجانب الثاني في الإصلاح يتطلب "تغييرا في الميثاق من أجل السماح بمشاركة أكثر لدول العالم الثالث في مجلس الأمن لمراعاة التغيرات الحديثة في العالم، أو على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة كالسماح لها باتخاذ قرارات هامة بأغلبية الثلثين مثلا".

ومن مساهمات السيد محمد سحنون في محاولات إصلاح المنظومة الأممية ترأسه الى جانب مسئول كندي للجنة " واجب التدخل والسيادة الوطنية " وهي اللجنة التي ناقشت موضوع حق التدخل في أزمة إنسانية ومراعاة متطلبات احترام السيادة الوطنية التي تقوم عليها المنظومة الأممية. نقاش هذه اللجنة ظهر عندما تكاثرت النداءات المطالبة بحق التدخل الإنساني بعد أحداث شمال العراق الكردستاني وأحداث رواندا.

وعلى خلاف مطالبة البعض بحق التدخل الإنساني بدون الرجوع الى الدولة المعنية، يقول السيد سحنون" مفهومنا للسيادة مثلما اتفق عليه أعضاء اللجنة هو احترام السيادة لحماية الدولة لشعبها وليس لحماية نفسها، وفي حال فشل الدولة في حماية شعبها يكون تدخل المجموعة الدولية بشروط وهي ان يكون سياسيا ودبلوماسيا في البداية قبل ممارسة الضغوط على الدولة المعنية بواسطة المنظمات الإقليمية والمدني. وفقط في حال فشل كل هذه المحاولات يتم اللجوء الى التدخل العسكري ولكن بقرار من مجلس الأمن او من الجمعية العامة بأغلبية ثلثي الأعضاء".

ورغم كل هذه النقائص لا زال محمد سحنون يؤمن بدور هذه المنظمة الأممية إذ يعتبر " أنه لا يمكن أن يكون سلم في العالم بدون مشاركة الأمم المتحدة وبدون نشاطات الأمم المتحدة". ولكن السيد سحنون يتمنى ان يكون " لهذه المنظمة دور أكبر مما هو اليوم ، وأن توفر لها إمكانيات أكثر مما هو متوفر اليوم حتى تتمكن من تطبيق ما هو مدون في الميثاق الأممي".

الحوار انجع أسلوب للتغيير

ومن الدبلوماسية الهادئة في مواطن الصراعات المتأججة، انتقل السيد محمد سحنون الى ميدان الحوار بين مختلف مكونات المجتمعات لتفادي الصراعات ولمحاولة تعزيز الأمن والاستقرار والسلم في العالم بالاقتناع بضرورة إحداث التغيير الداخلي. وهو ما تسهر على تنظيمه جمعية " مبادرات وتغيير " التي مقرها في مدينة "كو" السويسرية في أعالي جبال الألب المطلة على مدينة مونترو وعلى بحيرة الليمان.

وبتولي السيد محمد سحنون رئاسة جمعية مبادرات وتغير التي ضلت منذ التأسيس في عام 1938 بين ايدي شخصيات مسيحية غربية، يكون أول مسلم وعربي يتولى هذا المنصب خلفا لكورنيليو صوماروغا الرئيس الأسبق للجنة الدولية للصليب الأحمر. وهو ما يرى فيه السيد سحنون " عبارة عن ثورة كبرى" بالنسبة لجمعية تمثل الحضارة الغربية والدين المسيحي في غالبية مكوناتها. ويرى في اختياره على رأس هذا المحفل " عبارة عن رغبة حقيقية في فتح حوار عالمي وإقحام الدين الإسلامي والمجتمعات الإسلامية التي ضلت مهمشة في هذا الحوار" خدمة للسلام العالمي وللتفاهم بين الشعوب والثقافات والأديان.

محمد شريف - سويس إنفو - جنيف

محطات في حياة الدبلوماسي الجزائري محمد سحنون

شارك كطالب في فرنسا في إضراب الطلبة بمناسبة اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في نوفمبر 1954

عمل على تعزيز شبكات اتصال جبهة التحرير الوطنية مع الأوساط الفرنسية اليسارية والمسيحية الداعمة لمطالبة الشعب الجزائري.

اعتقل في الجزائر من قبل قوات الاحتلال الفرنسي وتعرض للتعذيب وسوء المعاملة في عام 1957 وأفرج عنه في بداية الستينات.

التحق بسويسرا كلاجئ ومنها توجه للولايات المتحدة لإكمال دراسته والتخرج في العلوم السياسية.

تولى عدة مناصب كسفير للجزائر المستقلة نذكر منها المانيا (1975-1979)، فرنسا (1979-1982)،الولايات المتحدة (1984-1989)، المغرب (1989 - 1990).

شغل عدة مناصب في منظمات اقليمية مثل منصب الأمين العام المساعد لمنظمة الوحدة الإفريقية (1964-1973)، ومنصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية والمشرف على الحوار العربي الإفريقي في عام 1973.

كما تولى منصب سكرتير اتحاد المغرب العربي للفترة ما بين 1989-1990، وممثل الجزائر لدى الأمم المتحدة في نيويورك في الفترة ما بين 1982-1984.

من المناصب الأممية التي شغلها محمد سحنون، منصب ممثل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في الصومال للفترة الممتدة من أبريل إلى نوفمبر 1992. وفي يناير 1997 عينه الأمين العام كوفي أنان ممثلا خاصا للأمم المتحدة عن منطقة البحيرات الكبرى لدى منظمة الوحدة الإفريقية.

ابتداء من يناير 2007 تم تعيينه رئيسا للمنظمة الدولية "مبادرات وتغيير" التي تحث على الحوار لدعم السلم والتي يوجد مقرها في كُـو Caux قرب لوزان بسويسرا، ليصبح أول عربي ومسلم يشغل هذا المنصب الذي خلف فيه كورنيليو صوماروغا، الرئيس الأسبق للجنة الدولية للصليب الأحمر



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×