Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

وجهة نظر


لماذا يتجاهل النـاخبون الخبراء؟


بقلم: جون بيزاني-فيري

بحلول الوقت الذي ذهب فيه المواطنون البريطانيون إلى صناديق الاقتراع في 23 من يونيو 2016 لإتخاذ القرار بشأن استمرار عضوية بلادهم في الإتحاد الأوروبي، لم يكن هناك أي نقص في النصيحة لصالح اختيار البقاء. فقد أعربت سلطات أخلاقية وزعماء أجانب عن قلقهم بوضوح إزاء العواقب المترتبة على الخروج، كما حَذَّر خبراء الإقتصاد بأغلبية ساحقة من أن ترك الإتحاد ستترتب عليه تكاليف اقتصادية كبيرة.

ولكن لماذا هذا الموقف الغاضب تجاه أصحاب المعرفة والخبرة؟ يكمن التفسير الأول في أن كثيرين من الناخبين لا يقيمون وزنا كبيرا لآراء أولئك الذين فشلوا في تحذيرهم من مخاطر الأزمة المالية في عام 2008. وقد تحدثت الملكة إليزابيث الثانية بلسان كثيرين في زيارة قامت بها إلى كلية لندن للإقتصاد في خريف عام 2008، عندما تساءلت لماذا لم يتوقع أحد قدوم الأزمة. وعلاوة على ذلك، لم تتبدد الشكوك حول وقوع خبراء الإقتصاد أسرى للصناعة المالية، وهو ما عبر عنه فيلم Inside Job في عام 2010 بوضوح. ويشعر الناس العاديون بالغضب إزاء ما يعتبرونه خيانة من قِبَل المفكرين والمثقفين.

سلسلة "وجهات نظر"

تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مُختارة لخبراء وصانعي قرار ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والجدّة والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش العام.

الواقع أن أغلب خبراء الإقتصاد، ناهيك عن المتخصصين في فروع أخرى من المعرفة، يعتبرون مثل هذه الإتهامات ظالمة، لأن قِلة فقط منهم كرسوا أنفسهم لتفحص التطورات المالية؛ ورغم ذلك تضرّرت مصداقيتهم بدرجة خطيرة. ولأن أحدا لم يقر بالذنب عن المعاناة التي أعقبت الأزمة، أصبح الذنب جماعيا.

يتعلق التفسير الثاني بالسياسات التي نادى بها الخبراء المتخصصون. فالخبراء متهمون بالإنحياز، ليس بالضرورة لأنهم أسرى لأصحاب المصالح الخاصة، بل لأنهم كأصحاب مهنة يدعمون حركة العمال عبر الحدود، والإنفتاح التجاري، والعولمة بشكل أكثر عموما.
ولا تخلو هذه الحجة من بعض الصحة: فبرغم أننا لا نستطيع أن نقول إن كلّ خبراء الإقتصاد، وبالتأكيد ليس كل علماء الإجتماع يدعون إلى التكامل الدولي، فمما لا شك فيه أنهم أكثر ميلا من المواطن العادي إلى إبراز فوائد هذا التكامل.

يقودنا هذا إلى التفسير الثالث والأكثر إقناعا: ففي حين يؤكد الخبراء على الفوائد الإجمالية المترتبة على الإنفتاح، فإنهم يميلون إلى تجاهل أو التهوين من آثاره على مهن أو مجتمعات بعينها. وهم ينظرون إلى الهجرة ــ التي أرجع إليها كاميرون انتصار حملة الخروج ــ وكأنها فائدة خالصة للإقتصاد؛ ولكنهم يفشلون في الإنتباه إلى ما تخلفه من آثار على العمال الذين يعانون من الضغوط الناجمة عن اتجاه الأجور نحو الإنخفاض أو المجتمعات التي تعاني من ندرة المساكن المتاحة بأسعار معقولة، والمدارس المزدحمة، والنظام الصحي المثقل بأعباء لا يطيقها. أي أنهم بعبارة أخرى مذنبون بعدم الإكتراث.

وهو انتقاد صحيح إلى حد كبير. فكما أشار رافي كانبور من جامعة كورنيل قبل فترة طويلة، يميل خبراء الإقتصاد (وصناع السياسات) إلى النظر إلى القضايا في مجملها، وتبني منظور متوسط الأمد، وافتراض أن الأسواق تعمل بالقدر من الكفاءة الذي يسمح لها بامتصاص جزء كبير من الصدمات السلبية. بيد أن هذا المنظور يصطدم بمنظور الناس الذين يولون قدرا أكبر من الإهتمام للقضايا المتعلقة بالتوزيع، والذين تختلف آفاقهم الزمنية (وهي أقصر عادة)، ويشعرون بالقلق إزاء السلوك الإحتكاري.

إذا كان أهل الإقتصاد وغيرهم من الخبراء راغبين في استعادة ثقة إخوانهم المواطنين، فلا ينبغي لهم أن يتجاهلوا هذه المخاوف. وينبغي لهم أولا أن يتحلوا بالتواضع وأن يتجنّبوا إلقاء المحاضرات. ولابدّ أن تكون وجهات نظرهم فيما يتصل بالسياسات مبنية على الأدلة المتاحة، وليس على مفاهيم مسبقة. كما ينبغي لهم أن يغيروا آراءهم إذا لم تؤكد البيانات معتقداتهم. ويتوافق هذا إلى حد كبير مع ما يقوم به الباحثون حقا؛ ولكن الخبراء يميلون إلى الإفراط في تبسيط وجهات نظرهم عندما يتحدثون إلى عامة الناس.

وبالنسبة لأهل الإقتصاد، يعني التواضع أيضا الإستماع إلى الناس من تخصصات أخرى. فعندما يتعلق الأمر بالهجرة، ينبغي لهم أن ينصتوا إلى آراء علماء الإجتماع والسياسة وعلم النفس حول ما قد يترتب على التعايش في مجتمعات متعددة الثقافات.

ربما يستسلم الأكاديميون وصناع السياسات لإغراء الإستجابة برفض ما يبدو وكأنه احتفال بالجهل ثم يتقهقرون إلى أبراجهم العاجية

ثانيا، لابد أن يكون الخبراء أكثر دقة في نهجهم. فينبغي عليهم عادة أن يدرسوا تأثير السياسات ليس فقط على مجموع الناتج المحلي الإجمالي في الأمد المتوسط، بل وأيضا على كيفية توزيع التأثيرات التي تخلفها السياسات بمرور الوقت، وعبر المسافات، وبين الفئات الإجتماعية. فقد يكون القرار السياسي إيجابيا في الإجمال، ولكنه ضار بشدة لبعض المجموعات ــ وهذه هي حال تدابير التحرير في كثير من الأحيان.

ثالثا، ينبغي على خبراء الإقتصاد أن ينتقلوا إلى ما هو أبعد من الملاحظة (الصحيحة في عموم الأمر) بأن مثل هذه التأثيرات المتعلقة بالتوزيع يمكن معالجتها من خلال الضرائب والتحويلات المالية، فيعكفوا على دراسة الكيفية التي يجب أن يحدث بها هذا على وجه التحديد. صحيح أنه عندما يفضي قرار سياسي ما إلى مكاسب كلية، فربما يمكن من حيث المبدأ تعويض الخاسرين. ولكن القول أسهل من الفِعل.

ففي الواقع العملي، كثيرا ما يكون من الصعب تحديد الخاسرين وإيجاد الأداة المناسبة لدعمهم. والإحتجاج بأن المشاكل يمكن حلها من دون دراسة كيفية حلها وتحت أي ظروف ليس أكثر من كسل فِكري محض. وإخبار الناس الذين لحق بهم الأذى بأنهم ربما كان من الممكن تجنيبهم الألم لا يجعل أسباب شكواهم أقل؛ بل يغذي حالة الإستياء والسخط على الخبراء التكنوقراط.

إن تنامي انعدام الثقة في الخبراء يوفر أرضا خصبة لزعماء الدهماء، وهو لهذا يشكل تهديدا للديمقراطية. فربما يستسلم الأكاديميون وصناع السياسات لإغراء الإستجابة برفض ما يبدو وكأنه احتفال بالجهل ثم يتقهقرون إلى أبراجهم العاجية. ولكن هذا لن يفضي إلى تحسن الأمور. ولا حاجة بنا للاستسلام. فالأمر لا يحتاج سوى المزيد من الصدق، والمزيد من التواضع، والتحليل الأكثر دقة، والوصفات الأكثر تنقيحا وصقلا.

(سبق أن نُشر هذا المقال في موقع بروجيكت سينديكيت).

الأفكار الواردة في هذا المقال لا تعبّر سوى عن آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch. أما العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية فقد تمت إضافتها أو تحويرها من طرف swissinfo.ch

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×