Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

التحوّل الديمقراطي في المغرب


تداول على السلطة.. وثبات في مراكز صناعة القرار!




مؤيدون لحزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب خلال اجتماع انتخابي عقده الحزب يوم 1 أكتوبر 2016 في مدينة العرائش الواقعة في الشمال الغربي من المملكة المغربية على مقربة من المحيط الأطلسي. (AFP)

مؤيدون لحزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب خلال اجتماع انتخابي عقده الحزب يوم 1 أكتوبر 2016 في مدينة العرائش الواقعة في الشمال الغربي من المملكة المغربية على مقربة من المحيط الأطلسي.

(AFP)

يتوجه الناخبون المغاربة البالغ عددهم 16 مليون نسمة يوم 7 أكتوبر الجاري إلى صناديق الإقتراع لإختيار نوابهم في البرلمان، بعد حملة انتخابية تميّزت باحتدام المنافسة بين الأحزاب السياسية المشاركة، وعلى وجه الخصوص بين حزب العدالة والتنمية المحافظ المتزعّم للإئتلاف الحاكم المنتهية ولايته، وحزب الأصالة والمعاصرة القادم من صفوف المعارضة والذي أسسه أحد المستشارين المقربين من القصر.

لتسليط الضوء على الأهميّة التي يكتسيها هذا الإستحقاق الإنتخابي في مسيرة التجربة الديمقراطية في المغرب، ولاختبار ما يقال عن استثنائية هذه التجربة مقارنة بنظيراتها في بلدان عربية أخرى، أجرت swissinfo.ch هذا الحوار مع الدكتور محمّد نشطاوي، المحلّل السياسي المغربي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، الذي يؤكّد بأن هذه العملية الإنتخابية "لا تعكس تداولا حقيقيا على السلطة أو مشاركة فعلية للمواطن في صنع القرار وإدارة الشأن العام"، على حد قوله. 

swissinfo.ch:  ما هي الملفات الرئيسية التي تنتظر الحكومة التي ستفرزها صناديق الإقتراع في السابع من أكتوبر المقبل؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  الأكيد أن الحكومة المنتهية ولايتها قد فتحت أوراشا كثيرة، لا سيما في ما يتعلق بالتوازنات الماكرو-اقتصادية، وإصلاح صندوق المقاصة (الدعم أو التعويض - التحرير)، ونظام التقاعد بالأساس، إلا أنه في ظل هذه الإصلاحات تضررت فئات اجتماعية عديدة، خاصة الطبقتيْن الفقيرة والمتوسطة، مما يفرض على الحكومة المقبلة مراجعة هذه الإصلاحات، لأنها تمت من جانب واحد، ومرّرتها الحكومة مستقوية بالأغلبية التي تمتلكها في البرلمان، دون إشراك الفرقاء الإجتماعيين كالنقابات مثلا.

كما أن هناك أوراشا مهمّة استعصى على الحكومة المنتهية ولايتها إصلاحها مثل التعليم والصحّة والقضاء، وتنمية العالم القروي، والإعلام العمومي، وارتفاع معدّلات البطالة. ومن الأكيد كذلك أنه في ظل الحكومات السابقة، وأيضا في ظل الحكومة الحالية، هناك تحد كبير وهو ارتفاع نسبة الفقر في البلاد، وقد وصلت هذه النسبة حسب التقرير الوطني حول السياسة السكانية إلى أزيد من 19% من الساكنة، وأن حوالي 780.000 أسرة تعيش الفقر المدقع (أقلّ من دولاريْن في اليوم)، ثم هناك تراجع لنسبة نموّ الدخل الفردي في المغرب، وهذا يرجع نسبيا كذلك إلى الجفاف، وفقدان العمل، والبطالة طويلة الأمد.

من ناحية أخرى، يعيش المغرب كذلك تباينا كبيرا بين العالم القروي والعالم الحضري، ويُعتبر العالم الأوّل أكثر فقرا. وتشير بحوث ميدانية حول مستوى المعيشة إلى أن استهلاك ونفقات الأسر المغربية تقترب من عينات الفقر خصوصا في العالم القروي، لذلك أعتقد أن الحكومة الحالية لم تتمكّن من تحقيق أهداف الألفية للتنمية لعام 2015، وأن من مظاهر فشلها استمرار ارتفاع معدّلات الفقر أو الهشاشة والبطالة.

swissinfo.ch:  أيام قليلة تفصلنا عن العملية الإنتخابية. من خلال متابعتكم لأطروحات الاحزاب المتنافسة، هل تبدو لكم برامج هذه الأحزاب في مستوى التحديات التي أشرتم إليها؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  جميع الأحزاب تحاول قدر الإمكان تضمين برامجها وخطاباتها أرقاما فيما يتعلّق بنسب الدخل، والنمو الإقتصادي، ومعدّلات البطالة، والأمية والنمو الزراعي. لكن الأكيد أنه بعد إسدال الستار على الإنتخابات، كل تلك الأرقام توضع جانبا. وبالتالي نجد أنفسنا أمام سيناريوهات متكررة. وربما أفضل مثال على ذلك أن الحكومة الحالية في برنامجها الإنتخابي ومعها بعض الأحزاب في الإئتلاف الحكومي، قد حددت عددا من المؤشرات، ومنها الأرقام المتعلّقة بالبطالة. فالتصريح الحكومي كان يسعى إلى خفضها إلى عتبة 8%، في حين نجد هذه النسبة تتجاوز حاليا 10%، كذلك بالنسبة لنسب الفقر، الحكومة الحالية وعدت بخفض هذه النسبة إلى 4.4% في حين هي حاليا 11%،... وكذلك بالنسبة لمعدلات الأمية، والعجز في الميزانية والمديونية، ومعدلات النمو. إذن هي أرقام تتم صياغتها على عجل، ولكن بعد الإنتخابات، وبعد ملامسة الواقع الإقتصادي الحقيقي، كل الأرقام تتبخّر، وتجد كافة الأحزاب نفسها أمام نفس السيناريوهات.

swissinfo.ch:  لكن من يتابع مجريات الحملة الإنتخابية الحالية، يرى أن مساحات الصراع والتدافع بعيدة عن كل هذه الملفات. اليوم نتحدّث عن "مشروع أخونة الدولة" ومشروع "التحكّم والإستبداد". برأيك هل نحن بصدد صراع حقيقي بين "مشروع محافظ" و"مشروع حداثي" كما يُقال، أم هي مساع لتغيير قواعد اللعبة السياسية والإرتداد عن مقتضيات واستحقاقات دستور 2011؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  بداية مفهوم التحكّم كما يُنظر إليه داخل المغرب، هو نتاج صيرورة تاريخية أو هو جزء من الممارسة السياسية التي هيأت ووفّرت شروط ظهور أحزاب خرجت من رحم وزارة الداخلية. هذه الأخيرة تحكّمت عبر تاريخ المغرب ليس فقط في نشأة الأحزاب بل حتى في إفراز قياداتها، لذلك كان التحكّم دائما عنوانا أساسيا للحياة السياسية في المغرب. هناك من يرغب في العمل على إيجاد نوع من التنافسية على المنوال الأنجلوساكسوني بين حزبيْن أو إيديولوجيتيْن أو مشروعي مجتمع: مشروع حداثي بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، ومعه باقي الأحزاب التي تعتبر نفسها تدور في فلكه، والتي أطلق عليها قبل انتخابات 2011 "مجموعة الثمانية"، من ناحية، ومشروع يطلق عليه البعض "مشروع محافظ" يتزعّمه حزب العدالة والتنمية.

لكن في حقيقة الامر، حزب الأصالة والمعاصرة لا يحمل في طياته أي مشروع حداثي، كل ما في الأمر أنه طّبخ في ردهات وزارة الداخلية، وخرج بمشروع يضم اليسار المتطرّف الذي عانى من سنوات الرصاص، وانفتح كغيره من الأحزاب على الأعيان وعلى أرباب المصالح، وعلى بعض اللوبيات (جماعات الضغط) التي لا يُمكن أن ترى نفسها إلا من رحم السلطة أو تستظلّ بظلّها. نفس الشيء بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فهو الآخر لا يعبّر عن قيم المحافظة، كل ما في الأمر بعض التصريحات هنا وهناك ترغب في أن ينهل هذا الحزب من التجربة التركية ومن الخلفية الإسلامية، لكن في حقيقة الأمر، نرى بأنه طيلة حكم العدالة والتنمية، لم يستطع هذا الاخير إصباغ الحياة السياسية بهذا المنظار، وكل ما نجح فيه هو تطبيع وضعه في واقع الحياة السياسية المغربية. وخلال صراع هذا الحزب مع قطب الإعلام العمومي، لم يستطع هذا الأخير إدماج الآذان في برامج القنوات التلفزيونية إلا بشق الأنفس. لذلك أعتقد أن هذا التقسيم لا يصوّر واقع الحياة السياسية. وفي المغرب يوجد 35 حزبا، ولا يستطيع أي حزب الحصول على الأغلبية، وهذا أمر مقصود، حتى يُمكن للداخلية التدخّل بقوة لتشكيل أي تحالف حكومي ترضى عنه.

swissinfo.ch: عزّز دستور المملكة المغربية بعد 2011 التوجّه نحو الحكم المحلّي. ما هي رأيكم حصيلة هذا التوجّه بعد خمس سنوات؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  الإقتراع في المغرب ليس تصويتا سياسيا يُراد منه التداول على السّلطة، وإنما هو تصويت شخصي، أي بدل الإقتراع على البرامج وجدواها، نحن نشهد اقتراعا على الوجوه ووزنها. كذلك البرلمان في المغرب له شعبية ضعيفة جدا، وهناك فقدان للثقة في البرلمانيين بسبب تآكل مكانتهم المعنوية، وبسبب تركيزهم على مصالحهم الشخصية، وأيضا عجزهم عن المشاركة في توجيه خيارات الدولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ما يعطي دليلا ساطعا على ضعف المؤسسة التشريعية وقصورها في أداء أدوارها كاملة.

الدكتور محمد نشطاوي

أستاذ التعليم العالي بكلية القانون جامعة القاضي عياض بمراكش. متخصص في العلاقات الدولية، ويدرّس بكلية القانون بمراكش منذ 1996.

نشر العديد من المؤلفات والمقالات العلمية المحكمة، ومن هذه المؤلفات: "العلاقات الدولية"، و"إمبراطورية الشر، دراسة حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر2001"، و"المبادئ الأساسية للقانون العام". ومن آخر ما نشر "شرط احترام حقوق الإنسان: وضع الإتفاقيات الأورو- إفريقية".

أشرف الدكتور نشطاوي ولا يزال على العشرات من أطروحات الدكتوراه والماجستير في مجال تخصصه.

هذا الوضع أدى إلى أن نسبة كبيرة ممن يحق لهم الإقتراع تتخلى عن هذا الحق وعن الإهتمام بقضايا الشأن العام ككل. وأي ملاحظ أجنبي يأتي إلى المملكة وقت الإنتخابات، سيرى بأن هناك عزوفا واسعا في صفوف المواطنين. وقد يرى البعض في هذا السلوك تنصلا وهروبا من المسؤولية، لكنني أعتقد بأن المواطن المغربي هو واع بدرجة كبيرة بما يجري، ما يجعله يستنكف بنفسه عن اقتراف جرائم في حق المواطنين، من خلال وعود كاذبة، واختلاس للأموال العمومية، وسوء استعمال للنفوذ والسلطة خدمة للمصالح الشخصية. لذلك فإن مفهوم الإنتخابات في المغرب لا يُراد منه التداول على السلطة، ولا يُراد منه توسيع المشاركة المواطنية في الشأن العام، بقدر ما يُراد منه تلميع صورة المغرب بأنه يشهد ربيعا ديمقراطيا، وأنه ينظّم انتخابات نزيهة وشفافة. في المغرب، لا يوجد تداول على السلطة، لأن السلطة الحقيقية ببساطة هي بيد المؤسسة الملكية، وبمحيطها الممثلّ في المستشارين. لذلك إذا كانت هناك حكومة منتخبة ومعيّنة، فإن هناك في الظل حكومة أخرى تحتفظ بالملفات الكبرى والأساسية.

swissinfo.ch:  بعض المراقبين وهم يتحدّثون عن حصيلة الإئتلاف الحكومي الحالي يقولون "هي تجربة لم تنجح لكنها لم تفشل". ما تقييمكم أنتم لهذه التجربة؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  أنا ممن كانوا ينتظرون أن تكون حصيلة عمل هذا الإئتلاف مهمّة جدا خاصة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية لأنه حزب وصل إلى السلطة في ظل حراك اجتماعي بعد حركة 20 فبراير، وبعد ثورات الربيع العربي، وبعد دستور منح رئيس الحكومة صلاحيات مهمّة، لكن في الحقيقة رئيس الحكومة تنصّل من الكثير من الصلاحيات خصوصا في ما يتعلّق بالتعيينات في الوظائف السامية في أجهزة الدولة، وأذعن لما يُسمّى "الدولة العميقة" التي تسعى إلى التحكّم في القرار في المملكة. لقد حكم ابن كيران بما لا يجعله في صدام مع المؤسسة الملكية، لكن في حقيقة الأمر كان بإمكانه أن ينجح في معالجة العديد من الملفات، ونجح بالفعل في عدد منها، وربما الحكومة الوحيدة في تاريخ المغرب المعاصر التي استطاعت تمرير إصلاح نظام المقاصّة، لكن المشكلة أن فئات كثيرة قد تضررت من هذا الإصلاح.

الإنتخابات التشريعية المغربية في أرقام

- العدد الإجمالي لسكان المملكة المغربية بحسب نتيجة الإحصاء العام الأخير (سبتمبر 2014): 33848242 نسمة.

- عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية لعام 2016: 15702592 فردا

- يتوزّع المسجلون في اللوائح الإنتخابية العامة كالتالي:

. بحسب الجنس: الإناث: 45%، الذكور: 55%.

. بحسب الوسط الجغرافي: القروي: 45%، الحضري: 55%

. بحسب الفئة العمرية: أزيد من ستين عاما: 19%، بين 35 عاما و60 عاما: 51%، بين 18 عاما و34 عام: 30%

- عدد لوائح الترشيح المقدّمة: 1410 لائحة.

- عدد المترشّحين والمترشّحات: 6992 مترشحا ومترشّحة لكسب أصوات ما يناهز 16 مليون ناخب.

- عدد المقاعد البرلمانية المنافس على الفوز بها: 395 مقعدا برلمانيا.

- نظريا، الأصوات الضرورية للفوز بمقعد في البرلمان المغربي هي 6500 صوت.

(المصدر: موقع وزارة الداخلية بالمملكة المغربية) 

وكان من المفروض أن لا تتحمّل تبعات هذه الإصلاحات هذه الفئات (الفقيرة والمتوسطة) بل الفئات التي تسببت في إفلاس تلك الصناديق، أو على الأقل أن تكون هناك اجراءات مواكبة للحد من تلك الأضرار. وعندما نادت الحكومة بتحرير الأسعار، اكتوى المواطن البسيط من ارتفاع الأسعار قبل أي جهة أخرى خصوصا في ما يتعلّق بفاتورة المحروقات، حيث لا يزال المواطن المغربي يشتري المحروقات بنفس السعر عندما كان ثمن برميل النفط 140 دولار في السوق العالمية. كذلك كان هناك أمل كبير لدى المواطن المغربي في أن تفتح حكومة العدالة والتنمية ملفات الفساد، لكن ما أن نبشت قليلا في هذا الملف حتى أحسّت بعجزها عن الخوض فيه. نفس الامر بالنسبة لملف التعليم، وهذا أيضا من أعقد الملفات في المغرب: فالحكومة المنتهية ولايتها لم تكن لها نظرة واضحة لكيفية إصلاح هذا القطاع الحيوي، وكل ما قامت به هو فتح الباب واسعا لخوصصة هذا القطاع، وأصدرت تراخيص لعدد من الكليات والجامعات الخاصة. أضف إلى ذلك لأوّل مرة في المغرب، يفتح المجال لكلية طب خاصّة. وبالنسبة لأبناء الميسورين الذين لم يحصلوا على المعدّلات الضرورية التي تؤهلهم لولوج هذا الإختصاص، أصبح الآن بإمكانهم ذلك فقط لقدرتهم على دفع مراسيم التسجيل.

نحن إذن أمام ملفات صَعُب على الحكومة معالجتها، وأخرى أرادت إصلاحها لكن المعالجة كانت خاطئة وقد تضرّر منها المواطن. وقل نفس الشيء عن قطاع الصحة. أداء الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته كان متواضعا. لكن نقرّ أيضا بأن هذه الحكومة قد وجدت مقاومة من قوى "الدولة العميقة"، وقد أعاقت بالفعل مشروعاتها ولم تتركها تحقق النجاح المطلوب والمأمول.

swissinfo.ch:  في الآونة الأخيرة، شهد عدد من الأحزاب المغربية المؤثّرة انقسامات وتجاذبات وعمليات "ترحيل" من حزب إلى آخر. كمحلّل سياسي، كيف يمكن فهم أو تفسير هذه الحالة من الضعف التي تعصف بعدد من الهيئات السياسية في المغرب؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  الأحزاب في داخلها تفتقر إلى ديمقراطية حقيقية لأنها تنفتح بالخصوص على من لهم أموال (أصحاب الشكارة في اللهجة المغربية العامية) أي أصحاب رؤوس الأموال الذين باستطاعتهم صرف الأموال الطائلة على الحملة الإنتخابية، وليس كل شخص يرغب في خدمة البلد بمقدوره صرف الملايين من الدراهم للوصول إلى البرلمان. نفس الشيء يقال كذلك على ظاهرة "الترحال" من حزب إلى حزب آخر. فالشخص الذي يرغب في ممارسة السياسة من أجل مآربه الشخصية كالتقرّب إلى السلطة واستدرار منافعها هو الذي يسعى إلى الترشّح إلى البرلمان، فإذا لم يحصل على التزكية من داخل حزبه يبحث عنها في حزب آخر. وفي هذا السياق، تشهد الأحزاب المغربية حاليا مظاهر خطيرة جدا يبقى المحلّل السياسي مشدوها أمامها: لأوّل مرة في تاريخ العمل السياسي في المغرب، نجد أن رئيس حزب يترشّح على قائمة حزب سياسي آخر، وهو لا يزال رئيس الحزب، ونجد أن وزيرا في الحكومة بإسم حزب معيّن هو الحركة الشعبية يترشّح على قائمة حزب معارض هو حزب الإستقلال لأنه لم يحصل على التزكية التي سعى إليها. هاته التصرّفات التي تأتيها النخبة السياسية تؤثّر بشكل كبير على مصداقية المؤسسة البرلمانية وعلى المؤسسات الحزبية، وتدفع المواطن إلى مزيد احتقار هذه العملية والعزوف عن المشاركة فيها.


swissinfo.ch:  في كل البلدان العربية تسود حالة من الإحباط لشعور الجميع بأن المنطقة العربية قد ضيّعت فرصة تاريخية كانت مواتية لإحداث إصلاح جذري في أنظمة الحكم، وعلى مستوى أنماط التفكير. هل تشارك الرأي الذي يؤكّد على تميّز التجربة المغربية واستثنائيتها برغم أوجه القصور التي ذكرت؟

الدكتور محمّد النشطاوي:  هي تجربة استثنائية بالنسبة للبعض، لأنه لم يكن مصيرها رغم تحركات حركة 20 فبراير وتأثيرات الربيع العربي، نفس مصير بعض البلدان العربية الأخرى، لكنّي أرى أن نجاة المغرب من حدوث ثورة شعبية حصل بسبب سرعة بديهة النظام الحاكم إذ أنه أخذ العبرة سريعا من دول عربية أخرى مجاورة اكتوت بنار غضب الشعوب، وتمرّدها على حكامها نتيجة الشعور بالظلم. وبالتالي فإن المؤسسة الملكية في المغرب تنبّهت مبكّرا إلى ثقل فاتورة إمعان الأنظمة الحاكمة في عدم التجاوب مع طموحات شعوبها وتلبية مطالبها في الإصلاح والتغيير. خلال عام 2011، انحنت المؤسسة الملكية قليلا للعاصفة التي مرت بهدوء، ثم عادت، كما يقال، "حليمة إلى عادتها القديمة". في البداية لما رفعت شعارات ضد حزب الأصالة والمعاصرة، واتهم رموزه بالفساد، استبعد هذا الحزب مؤقتا، ولكن لما هدأت الإحتجاجات، واستقرت الأمور، أطلّ هذا الحزب برأسه من جديد، وأصبح بين ليلة وضحاها أكثر الأحزاب حظوظا في الفوز بانتخابات 7 أكتوبر 2016.

هذا التمشّي يجعل الكثير من المثقفين خاصة من اليسار يترددون في وصف التجربة المغربية بكونها "استثناء على المستوى العربي"، وأن هذا "التميّز" المفترض ليس له أي معنى. فالسلطات الحقيقية كانت بيد المؤسسة الملكية، ولا تزال كذلك، ولم يتم نقلها إلى المنتخبين الذين يعملون وفق مبدأي المسؤولية والمحاسبة، وتعديل المنظومة الدستورية لا يكفي وحده لفتح باب الديمقراطية بل يجب تغيير المؤسسات وتعديل الذهنيات السياسية، ولم لا تغيير النخب التي تقوم على تدبير الشأن العام. لهذا يرى البعض أن المغرب لا يعيش ديمقراطية بل هو في مرحلة الإنتقال الديمقراطي، كما يرى البعض الآخر بأنه ما لم يتم اعتماد ملكية برلمانية سيظلّ المغرب بعيدا عن الإصلاح، ولا يمكن بحال الحديث عن استثناء وتميّز للتجربة المغربية. 

×