Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

معكرونة "ماجي"


سوء إدارة الأزمات.. "كعب أخيل" مُلازم لشركة نستله


بقلم أندرا شاندراسخر (مع إضافات من أريتا باتاشاريا)


حملة حركة "السلام الأخضر" لعام 2010 التي انتقدت فيها نستله وهاجمتها وصوّرتها على أنها "قاتلة الإنسان القاطن في الغابة" بإستخدامها لزيت نخيل غير مستدام في منتجاتها. (Keystone)

حملة حركة "السلام الأخضر" لعام 2010 التي انتقدت فيها نستله وهاجمتها وصوّرتها على أنها "قاتلة الإنسان القاطن في الغابة" بإستخدامها لزيت نخيل غير مستدام في منتجاتها.

(Keystone)

البطء الذي طبع تعامل شركة نستله مع الإتهامات المتعلقة بمنتوجها من معكرونة ماجي في الهند سيكلّفها 47 مليون فرنك، ناهيك عما سيلحق بسمعتها من أضرار. ومع ذلك، فإن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها هذه الشركة السويسرية العملاقة المتخصصة في الصناعات الغذائية نفسها تتخبّط في أزمة علاقات عامة. 

في الخامس من يونيو 2015، أمرت هيئة السلامة الغذائية في الهند شركة نستله بأن تسحب العلامة التجارية ماجي لمعكرونة سريعة التحضير بعد اكتشاف أن مستويات الرصاص فيها أعلى من المستوى المسموح به. وأعقب ذلك فرض حظر إلى أجل غير مسمى على قائمة من المنتجات أصدرتها المحكمة العليا بمومباي يوم 12 يونيو الماضي. ووفقا لتقديرات شركة نستله، فإن قيمة تلك المنتجات تبلغ 47 مليون فرنك.

أوّل إشارة على هذه المتاعب التي تعاني منها هذه الشركة العملاقة ظهرت عندما أمرت هيئة سلامة الأغذية في ولاية أوتار براديش الواقعة في شمال الهند بسحب دفعة من المعكرونة لعدم استيفائها لشروط السلامة، واحتوائها على غلوتامات أحادية الصوديوم. وبدلا من الإمتثال، تحدّت نستله القرار ما نتج عنه مأزق على مستوى العلاقات العامة بالنسبة لعلامتها التجارية "ماجي" التي تتمتع بشعبية واسعة. 

في موقع الدفاع

في حديث إلى swissinfo.ch، أوضح هربرت كوخ، رئيس "رابطة الإتصال في حالة المخاطر والأزمات" التي يُوجد مقرها بسويسرا أن "ردود الفعل الأولى ( في مثل هذه الحالات) يجب أن تكون صادقة وشفافة وذات مغزى".

أما نستله فقد اختارت أن يكون رد فعلها الأوّل هو الإعتراض على قرار حكومة الولاية. مع ذلك، وفي غضون بضعة أيام قررت ست ولايات هندية سحب هذه المعكرونة سريعة التحضير. ما جعل التأكيدات التي ظلت ترددها الشركة بأن منتوجها يجب أن يحظى بالثقة جوفاء بشكل متزايد.

بعد تكاثر الإنتقادات العلنية المُوجّهة لها، حُشرت نستله في موقف دفاعي واقتصر دورها على إطفاء الحرائق على أكثر من صعيد. وبالنسبة لكوخ، فإنه "يجب على الشركات أن تكون استباقية وأن تعتني بالإتصالات منذ الوهلة الأولى".

متحدّث باسم نستله أوضح أن "تركيز الشركة كان ولا يزال منصبا بنسبة 100% على معالجة هذا المشكل، والعمل على عودة "ماجي" مرة أخرى إلى الرفوف، ونحن نبذل ما في وسعنا لتسهيل ذلك، ولهذا السبب لا نرى أن الوقت مناسب للدخول في نقاش بشأن استراتيجيتنا في مجال الإتصال الآن".

من جهته، يُلفت ديفندر شارما، الخبير في السياسة الغذائية إلى أن الشركات متعددة الجنسيات عادة ما تجد مخرجا حتى في حالة الإنتهاكات الخطيرة في الهند. ويضيف: "هناك لوبي قويّ جدا يدعم الفاعلين الرئيسيين في مجال الصناعة، والإعلام، ووكالات العلاقات العامة والتي تعمل على أكثر من صعيد من داخل النظام لضمان عدم اتخاذ اجراءات متشددة ضدّها".

أما فيما يتعلّق بقضية "ماجي"، على الأقل، فيبدو أن نستله قد خسرت الرهان على مستوى الإتصال مبكّرا. ويتفق الخبراء على أن وسائل الإعلام لعبت دورا رئيسيا في الجدل حول هذا المنتج الغذائي، وفي هذا الصدد، تشير كافيتا كوروغانتي من مؤسسة "الهند من أجل سلامة الغذاء" غير الحكومية إلى أن "وسائل الإعلام، كانت خلال السنوات القليلة الماضية، سبّاقة فيما يتعلّق بسلامة الأغذية".

وتضيف: "عندما كشفت تحقيقات مركز العلوم والبيئة، على سبيل المثال، وجود كميات كبيرة من المواد السامة في الزجاجات المعبأة بالمياه وبالكولا، احتلت هذه القضية الأولوية في كافة وسائل الإعلام". 

أشباح من الماضي

في تصريحات إلى swissinfo.ch، يرى باتي روندال، مدير السّياسات بـ "حملة حليب الأطفال" غير الحكومية أن "نستله تسلك مسلكا متعجرفا لأنها أكبر شركة للمواد الغذائية في العالم. هم يعتقدون أنهم إذا كرّروا شيئا ما بما فيه الكفاية فإن الجميع سيصدّقون ما يقولونه".

ومنذ عقود، تخوض "حملة حليب الأطفال" جهودا لـ مقاطعة شركة نستله. ووفقا لهذه الحملة "تتسبب نستله في حدوث "وفيات غير ضرورية وفي معاناة الأطفال" عبر استهدافها للنساء الحوامل، والأمهات الجدد، والعاملين في مجال الصحة لبيع منتجاتها وصرفهم عن الرضاعة الطبيعية.

وردّت هذه الشركة، كجزء من جهودها في مجال العلاقات العامة، على هذه الإتهامات بالتأكيد على أن الأمهات يُعانين من سوء التغذية، وهنّ المسؤولات عن وفيات الرّضع، وليس منتجاتها الخاصة. وتقود منظمات غير حكومية مختلفة بما في ذلك "حملة حليب الاطفال" جهودا لمقاطعة نستله، ووصفت هذه الأخيرة بأنها "قاتلة الاطفال" في كتيّب صدر في عام 1974. ورفعت نستله دعوة قضائية ضد الناشر المسؤول عن النسخة الألمانية التي شهدت نجاحا باهرا أمام محكمة سويسرية بتهمة القذف، لكن القاضي دعا نستله إلى أن "تعدّل أساليبها في الدعاية من الأساس"، وساهم رفع تلك القضية في جلب المزيد من الإهتمام لهذه الحملة.  

كذلك شهدت نستله نكسة أخرى على مستوى العلاقات العامة، بعد حملة جمعية "السلام الاخضر" (Greenpeace) في عام 2010، والتي اتهمت الشركة العملاقة بالتحريض على إزالة الغابات في المناطق المدارية واستخدام زيت النخيل غير المستدام في منتجاتها. ولتعزيز هذه الحملة نشرت مؤسسة "السلام الأخضر" فيديو على موقع يوتيوب على شاكلة إعلان كيت- كات الذي يُساوي بين تناول الشكولاتة وقتل القرود الأصلية في الغابات.

طالبت نستله موقع يوتيوب بسحب الفيديو لعدم احترامه على حدّ زعمها حقوق المؤلّف. وبفعلها ذلك، أثارت نستله المزيد من الغضب الذي يبدو من خلال التعليقات على صفحات الفايسبوك، ما جعل الفيديو ينتشر كالنار في الهشيم.

ويقول دوف: "تثير الشركات المهيمنة عندما تفقد شيئا من سطوتها اهتمام الجمهور. أعتقد أنه كان من الأجدى أن تردّ نستله على تلك الحملة بطريقة منفتحة، وصادقة".

أضرار الهيمنة والسيطرة

في الوقت الذي لم تُحسن فيه نستله إدارة اتصالاتها خلال جهود "حملة حليب الأطفال" وحملة مؤسسة "السلام الاخضر"، كان أداؤها أفضل على مستوى إصلاح الأضرار المترتبة عن الحملتين.

وفي اتصال لها مع swissinfo.ch، أشارت نينا كروشتن، كبيرة المتحدثين بإسم شركة نستله قائلة: "الحقيقة هو أنه معترف لنا الآن بالريادة الصناعية في مجال التسويق المسؤول لبدائل لبن الأم، وعدم إزالة الغابات".

وأكّدت كروشتن أن نستله هي شركة حليب الأطفال الوحيدة المسجّلة في مؤشّر FTSE4Good  الذي يقيّم جودة البدائل المقدّمة للبن الأم بالإستناد إلى جملة من المعايير، حتى وإن كانت هذه المعايير لا تجد الموافقة من بعض المؤسسات غير الحكومية، ومنها الخصومة مع "حملة حليب الأطفال".

وعلى خلاف رد فعلها الأول بشأن حملة مؤسسة "السلام الاخضر"، بادرت نستله بالتحرّك وقدّمت تعهّدات كبيرة في عام 2010 لوقف إزالة الغابات. ولاحظت كورشتن أن هذا التعهّد كان الأوّل من نوعه تقدّمه شركة لصناعة الأغذية، ومنذئذ اقتفى عدد كبير من التجار ومن الشركات المصنّعة أثر نستله، ووضعت سياسات زيت النخيل المستدام من تلقاء نفسها.

ووفقا لكوخ، خبير الأزمات، فإنه "لا يُمكن اعتبار أنه قد فات الأوان عندما يتعلّق الأمر بإدخال تعديلات على استجابة أولى تتميّز بالتسرّع والضعف". 

وأضاف كوخ أنه "من وجهة نظر الأعمال التجارية على المدى القصير، يُمكن لشركة في مثل هذه الحالة رفض الإعتراف بفشل على مستوى الإتصال، وأن تأمل أن الجمهور سينسى ذلك ويتجاوز. ولكن هذا خطأ فادح من الناحية الأخلاقية، وهو يُعرّض الشركة لأضرار على المدى البعيد".

أزمة العلاقات العامة في قضية "معكرونة ماجي" 

كشفت الإختبارات التي تجريها من حين لآخر دائرة سلامة الأغذية في ولاية أوتار براديش الهندية وجود غلوتامات أحادية الصوديوم في عينة من معكرونة "ماجي" سريعة التحضير على الرغم من حملها لشارة كتب عليها "لا تحمل غلوتامات إضافية". وقد طُلب من نستله سحب دفعة من حوالي 200.000 حزمة من معكرونة ماجي. وإزاء اعتراض الشركة العملاقة على هذا القرار، أرسلت عينات جديدة إلى المختبر، حيث لم يثبت فقط وجود غلوتامات أحادية الصوديوم، بل وأيضا مستويات عالية من الرصاص فيها.  

في غضون بضعة أيام، قررت ست ولايات هندية سحب هذا المنتج الغذائي. وساعات قليلة قبل أن يقع حظرها من طرف الدائرة الوطنية للسلامة الغذائية، أجبرت نستله وتحت ضغط الرأي العام على سحب منتجها من الاسواق يوم 5 يونيو 2015.

عاتبت وسائل الإعلام الهندية الشركة للبطء المسجل في سحب المنتج، ما أدى إلى تصاعد الضغط والإنتقادات خاصة على مستوى شبكات التواصل الإجتماعي. كما انتقدت المؤسسات الإعلامية سلوك نستله التي سحبت منتجها في نهاية المطاف تحت ضغط الرأي العام وليس استجابة لقرار دائرة السلامة الغذائية. بالإضافة إلى ذلك تضمّنت بيانات الشركة إشارة إلى المستهلكين الهنود على أنهم كانوا ضحايا "الخلط المتعمّد للأشياء"، فُهِم على أنه تحدّ من الشركة وعدم قبول بقرار السلطات العمومية صاحبة الإختصاص.

وعندما سألت swissinfo.ch كريس هوغ نائب رئيس العلاقات مع وسائل الإعلام، لم يقبل القول بان نستله قد انتظرت وقتا طويلا لتسحب منتجاتها، أو أنه كان عليها أن تتجنّب الإشارة في بياناتها إلى "مغالطة المستهلكين الهنود"، أو الإعتراض وعدم التسليم بقرار السلطات ذات الإختصاص. كل ذلك بالنسبة له غير صحيح.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×