Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"اقتصاد التشارك"


رغم الثراء والوفرة.. إقبالٌ في سويسرا على تقاسُم الخدمات


بقلم فيرونيكا دي فور


 ()

إذا احتجت إلى وسيلة نقل أو سرير للإقامة، يُمكن لهاتفك الذكي أن يساعدك على إيجاد حل سريع وغير مُكلف. هذا الأمر أصبح اليوم مُمكنا بعد انتشار ظاهرة ما بات يُعرف بـ "اقتصاد المشاركة". وقد ركب العديد من السويسريين بعدُ هذه الموجة الجديدة رغم إدراكهم أنها تفتقر إلى الإطار القانوني المنظم، ولأسباب يبدو أن لا علاقة لها بتاتا بالإعتبارات المالية.

تقول إليزابيت، التي تستضيف، هي وصديقها، غرباء قادمين إلى برن تتعرّف عليهم من خلال منصة Airbnb الإلكترونية، وهو تطبيق معلوماتي يسهّل للمعنيّين العثور على شقق أو غرف خاصة للإيجار: "نحن لسنا بحاجة إلى المال على الإطلاق...ولا تتجاوز غايتنا من ذلك ملاقاة أناس جدد، وتحسين أدائي للغة الإنجليزية".

وتضيف أن المردود المالي لهذه الخدمة يُناهز 500 فرنك في الشهر الواحد - أي حوالي عُشُر متوسّط الراتب الشهري في سويسرا – عن طريق تأجير غرفة واحدة في شقتهما التي تحتوي على غرفتيْ نوم.

للتذكير، ظهرت منصات المشاركة على المستوى الدولي مثل Airbnb إلى الوجود بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية التي قلّصت الموارد المتاحة واضطرت الجميع إلى حسن استثمار ما هو متاح منها. ولكن بالنسبة للذين لم يتضرروا كثيرا من هذه الأزمة - مثل الشعب السويسري - فإن إقبالهم على هذه التقليعة كان لأسباب أخرى.

من جهتها، تشير كارين فريك، الكاتبة المشاركة في انجاز دراسة "Sharing"، التي ينصبّ فيها الإهتمام على اقتصاد التقاسم بإشراف معهد غوتليب دوتفايلر إلى أن "إقبال السويسريين على اقتصاد التشارك هو تعبير عن الرغبة في التواصل الإجتماعي، وتمسّك بنمط في الحياة أكثر من أيّ شيء آخر".

وفي هذا السياق، قام معهد دوتفايلر بسبر آراء حوالي 1100 شخص في سويسرا وألمانيا عبر الإنترنت بشأن الأشياء أو الأغراض التي هم على استعداد لمبادلتها مع آخرين، وعن الحوافز التي تدفعهم لفعل ذلك. 

وفي معرض التوضيح، تضيف كارين فريك: "تفرض الأوضاع المالية والإقتصادية على نسبة كبيرة من الناس تقاسم الخدمات وتشاركها لأنهم لا يستطيعون تحمّل التكاليف بمفردهم. وأما السويسريون فيفعلون ذلك في الغالب لأنه أمر جيّد بالنسبة للبيئة، ويجدون من الممتع فِعْل أشياء بالإشتراك مع الآخرين بدلا من القيام بها بشكل منفرد، ويشعر الإنسان بالراحة عندما يتقاسم استخدام سيارة مع آخرين حتى ولو كان بإمكانه توفير سيارة خاصة به".

إليزابيت تقول إنها تحبّذ على وجه الخصوص استضافة أشخاص عبر منصة Airbnb لأنها "لن تكون في حاجة للذهاب في إجازة، فالإجازة هي التي تأتي إليها" من خلال استقبال مسافرين من بلدان مختلفة. وأوضحت أنها تفعل ما بمقدورها لمساعدة الزوار على عيش تجربة السياحة في سويسرا لأن معظم الناس ليسوا قادرين على تحمّل أعباء الإقامة في الفنادق.

من ناحيتها، تؤكد ياسمين سامسودين، التي أطلقت مؤخرا منصّة "أركن سيارتك" (Park it) من أجل السماح للراغبين التشارك في استخدام أماكن إيقاف السيارات أنه "على الرغم من أن تكلفة إقامة مشروع مثل هذا في سويسرا أعلى منها في أي مكان آخر، فإن سويسرا تبقى المكان المناسب للشخص الذي لديه القليل من التجربة لحمل الناس على تقديم الدعم والمشاركة في مشروعات التقاسم".

وتضيف سامسودين: "في بلد آخر لن يكون بإمكاني العثور على هذا العدد الكبير من الناس الذين يصغون إليّ، ويوافقون على ما أقول لهم لمجرّد أنهم أعجبوا بالفكرة ورأوا أنها جيّدة".

اضطراب في مشاريع المشاركة

في المقابل، ومثلما ذكرت صحيفة برنر تسايتونغ الصادرة بالألمانية في برن، تفتقر مشروعات المشاركة إلى الإطار القانوني مثل منصة Airbnb حيث يمكن أن تثير مشاكل بالنسبة للذين بادروا قبل غيرهم بخوض تجربة التقاسم فتعلّموا دروسا صعبة لن تنمحي من ذاكرتهم بسهولة.

أحد المستأجرين في برن، الذي اعتاد التفويت في شقته الثانية إلى ضيوف تعرّف عليهم عبر منصة Airbnb، تلقى رسالة يُبلغه فيها مالك البيت أنه سيُطرده من الشقة لأنه لم يُعلمه بأنها ستكون مُؤجّـرة لطرف ثالث. وقد علم صاحب المنزل بالمسألة بعد عثوره على قائمة مشاريع المشاركة على المنصة نفسها حيث اكتشف فيها صورا إشهارية لشقته المُؤجّـرة.

ورغم إقرار إليزابيت بأن جيرانها ليس لديهم أي مشكلة مع أنشطة الإستضافة، فإنها لا تبدو متأكّدة من طبيعة رد فعل مالك المنزل عندما يبلغه الخبر، ولكنها قالت إنها لا تشعر بقلق ما دامت لا تجني أرباحا كبيرة من هذا العمل. وفي سويسرا، يُسمح عادة للمستأجرين بالتفويت في شقتهم إلى شخص آخر، ولكن ليس من حقهم الترفيع في قيمة إيجار الفضاء نفسه لنفس الفترة من الوقت.

لكن الإطار القانوني والضوابط في مثل هذه الحالات تختلف من مالك إلى آخر، وربما من مدينة إلى أخرى، ولذلك تراقب الحكومة السويسرية منصات مشاركة الغرف والشقق عن كثب، وتناقش إمكانية إدخال تعديلات قانونية على النطاق الوطني بالنسبة لعقود الإيجار.

من ناحيتهم، يعتقد باعثو منصة Airbnb أن الأمر متروك لكل شخص يعتزم مُشاركة الإيجار كي يتأكّد من أن استعمال هذه الخدمة لا يتعارض مع بنود عقد الإيجار الأصلي للبيت. وفي الوقت الحاضر، رفعت هذه المنصة دعوى قضائية ضد مدينة نيويورك التي تقوم بدورها بدراسة بيانات 225.000 شخصا من ضيوف Airbnb الناشطين في المدينة للتثبت ممّا إذا ما كانوا في حالة انتهاك لقانون 2011 المنظم للإيجار قصير الأجل في المدينة الأمريكية.

مجالاتٌ تعرض خدماتها التشاركية

هذه بعض الأمثلة لمجالات تتوفّر فيها فرص تقاسم خدمات في سويسرا

الشقق والمنازل والأسرّة

المكاتب وفضاءات العمل

المستودعات وأماكن توقّف السيارات

السيارات

الدراجات الهوائية

الأثاث المنزلي

الأغذية والأكلات

أسواق حرّة

على الرغم من أن هذه الظاهرة قد اثارت عددا من المشكلات القانونية في بعض الاماكن – أبرزها الدعاوى القضائية ضد سيارات الأجرة في العديد من المدن الامريكية- فإن شركة Uber حديثة النشأة في زيورخ ، هذه المدينة التي من السهل جدا فيها انشاء محل لتبادل هذه الخدمة بفضل الإنفتاح الذي يميّز القانون المنظم لعمل سيارات الأجرة.

يسمح تطبيق Uber للسائقين المتواجدين بزيورخ ولكل من يحتاج إلى القيام بزيارة مكان أو القيام بجولة في المدينة، أن يسجّل بياناته، أو يطلب توفير سيارة أو يوصل الركاب إلى مقاصدهم. ويدفع الركاب مقابل الخدمة التي وفّرت لهم عبر بطاقة الإئتمان مسجلة، في المقابل يعطي السائقون جزءً من ارباحهم إلى منصة Uber العارضة لهذه الخدمة.

وتقول بندتّا لوسيني، المديرة العامة الإقليمية بمنصة "أوبر" في سويسرا وإيطاليا والنمسا وألمانيا: "تعدّ زيورخ من أكثر الأسواق تحررا في العالم. ورخصة سيارة الأجرة أو ليموزين هي متشابهة إن لم تكن نفسها، لذلك بعض السائقين ينزعون علامة التاكسي من الليموزين ويسوقونها كسيارة عادية. وتتميّز هذه التراخيص بالمرونة، وهو ما يجعل هذه السوق منفحة أكثر من غيرها على هذا النوع من التطبيقات الجديدة.

وتقول لوتسيني أن التحديات الرئيسي في هذا المجال يأتي من المنافسة الحادة مع وسائل النقل العمومية الممتازة في سويسرا، وعزوف السويسريين عامة على ادخال معلومات البطاقة الائتمانية الشخصية في موقع التطبيق. ولكن ما ساعد على نمو خدمات Uber الاستخدام الواسع للهواتف الذكية، فضلا عن حقيقة أن خدمات سيارات الأجرة في زيورخ "هي من أسوأ الخدمات على المستوى الاوروبي". فالأسطول قديم جدا، ويسجّل تباطؤ كبير في اعتماد بطاقات الإئتمان .

تاريخ التعاونيات

لسويسرا تاريخ طويل في المجال التعاوني، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالسيارات التشاركية، وهي واحدة من الأمثلة الرائدة على الإطلاق في مجال النقل التعاوني، كان قد سجّل في دار تعاونية زيورخ عام 1948. وتعود جذور "موبيلتي"، أكبر منصة لمشاركة السيارات على مستوى زيورخ إلى عام 1987، وقد استفادت على وجه الخصوص من شراكتها مع المؤسسة الفدرالية للسكك الحديدية، رغم أن البعض يعتبرها أكبر منافس لهذه التعاونية.

منصة "Park"  أيضا دخلت في شراكة اخيرا مع شركة السكك الحديدية لتمكين سائقي القطارات من دفع معلوم أماكن إيقاف سياراتهم القريبة من محطات القطار عبر هواتفهم الذكية، وتظهر هذه التطبيقات شارة شركة السكك الحديدية السويسرية في مواقعها.

في الأثناء، تشير فريك إلى أن الدعم والتفهّم الذي لقيته مشروعات التقاسم لدى السكان السويسريين ربما يجد جذوره في تاريخ النجاح المتعاقب لهذه البلاد بشأن الهيئات والمؤسسات المموّلة من القطاع العام مثل شركة سكك الحديد، والعديد من التعاونيات ذات التاريخ الطويل، بدءً بشركة ميغرو التعاونية للبيع بالتفصيل، وأيضا تعاونية كوب، وشركات التأمين والتعاونيات الزراعيين.

وفي الفترات الأخيرة، شهد عدد التعاونيات السويسرية انخفاضا كبيرا، بل تجاوز هذا التراجع الخُمُس خلال العشرية المنقضية، وتعترف فريك بأن "كثيرا من الغبار" قد تجمّع حول هذا النموذج، إلا أن اقتصاد التقاسم "يتخذ أشكالا مختلفة"، كما تقول.

  

وتضيف: "ناقشتُ مع التعاونيات إمكانية استفادتها من هذا الإتجاه لأنه في النهاية هو نفس الشيء الذي هم بصدد القيام به. ولقد أعطى الإستعداد للمشاركة الذي هو ثابت من ثوابت العقلية السويسرية الشروط الجينية والوراثية لنجاح مشروعات المشاركة". 

وبناءً على الوضع الحالي كما هو، لا تعتقد فريك أن السويسريين سيكونون روادا ومُبتكرين في هذا المجال في أي وقت منظور، وتصرّ على القول بأن "سويسرا تعرف هذا النموذج معرفة دقيقة، إلا أن الضغوط الإقتصادية ليست قوية بما فيه الكفاية لتطوير هذا الإتجاه الجديد بطريقة أكثر حيوية. ولكن تكون سويسرا رائدة في هذا المجال طالما أن مستوى المعيشة فيها مرتفع جدا".

إطلاق منصات أخرى

تأسست شركة Airbnb في سان فرانسيسكو في عام 2008. وتعرّف نفسها، على موقعها على الإنترنت، بأنها "منصّة مجتمعية تحظى بالثقة". وتعرض غرفا من جميع الأنواع في 34.000 مدينة موزّعة على 192 بلدا.

وفقا لمصادرها، تحتوي سجلات هذه المنصّة على 9 ملايين مسافر، وأزيد من 600 قصر، وأزيد من 500.000 مسكن.

في سويسرا، ووفقا ل "نويه تسوخر تسايتونغ"، يبلغ معدّل عمر مقدمي الخدمة 39 عاما. والثلثان منهم من النساء.

بحث سريع في موقع هذه الشركة عن قضاء ليلة بزيورخ، من دون تحديد السعر المبحوث عنه، يعثر الباحث عن 354 فرصة إقامة.

هذه الشركة الرائدة التي تأسست في سان فرانسيسكو تتعرّض اليوم إلى منافسة شديدة من منصات أخرى مثل Windu أو 9Flats

وبحسب هذه الصحيفة، كل هذه الشركات تجد تمويلها من خلال المقابل الذي تطلبه من عارضي الخدمات.

في العديد من البلدان في العالم، تعبّر السلطات عن قلقها من ظاهرة "السفر الإجتماعي" الذي يفلت من الضرائب والرسوم.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×