تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الأردن: "مسرح العمليات في غزة.. لكن الأهداف في الضفّـة الغربية"

متظاهرون أردنيون يرفعون شعارات مناهضة لإسرائيل خارج مكاتب اليونيسيف في عمان يوم 8 يناير 2009

(Keystone)

لم يكن ما حدث يوم الجمعة 9 يناير في عمّان من اعتداء على مسيرة سلمية باتجاه السفارة الإسرائيلية، ولا ضرب مدير مكتب الجزيرة بعمّان، ياسر أبو هلالة، جزءاً من المشهد الأردني بالتعاطي مع العدوان الإسرائيلي، بقدر ما كان خروجاً كاملاً على ذلك الإيقاع، وهو ما أكّـده اتصال الملك الأردني بنفسه مع ياسر أبو هلالة والاطمئنان عليه، وزيارة رئيس الوزراء له ورفص المسؤولين ما حدث من اعتداء رجال الأمن على المسيرة وعلى عدد من الصحفيين.

فعلى خلاف ذلك، المشهد الأردني يبدو مختلفاً، في ظاهره، بصورة ملفتة عن حلفائه من الدول العربية "المعتدلة" في المنطقة، وتحديداً الموقفين المصري والسعودي اللذين حمّلا حركة حماس، رسمياً أو ضمنياً، المسؤولية عن عدم تجنيب أهل غزة هذه الحرب الدموية المدمّرة، بل وحمّلا كلاّ من سوريا وإيران المسؤولية عن قرار حماس بوقف اتفاق التهدئة مع إسرائيل.

الخطاب الرّسمي الأردني ركـّز منذ البداية على إدانة الهجوم الإسرائيلي ووصفه الملك عبد الله الثاني بعدَ ساعات قليلة على بدء الضربات الجوية بـ "العدوان". وتجنّـب الأردن توجيه أي رسالة إدانة لحركة حماس، مُـكتفياً بالتركيز على رفض العدوان الإسرائيلي والعمل على وقفه فوراً، والتّـأكيد على خطورة الجانب الإنساني والأمني، ضرورة تجنيب المدنيين والأبرياء تداعِـيات الحرب.

في الأثناء، غصّـت الشوارع الأردنية بالمسيرات والمظاهرات، وسمحت الحكومة بكافة الأنشطة والفعاليات، حتى وإن لم تحظَ بالمُـوافقة المُـسبقة، وِفقاً لقانون الاجتماعات العامة، بل وتجاوزت الحكومة الأعراف الداخلية بسماحِـها بمهرجان سياسي ضخم لقِـوى المعارضة في "ملعب عمان الدولي"، حيث أمَّـه عشرات الآلاف من المواطنين يعبِّـرون عن غضبهم وإدانتهم للهجوم العسكري الإسرائيلي.

تجاوز المشهد الأردني كلّ ما كان متوقّـعاً، بقيام عدد كبير من النواب حتى الموالين للحكومة، بتوقيع عريضة تُـطالب بإعادة النظر بمعاهدة السلام مع إسرائيل وضرورة طرد السفير الإسرائيلي من عمّـان وإغلاق السفارة، فيما قام عدد من النواب في موقف غير مسبوق بحرْق العلَـم الإسرائيلي تحت قبّـة البرلمان خلال جلسة رسمية، ما مثّـل اختراقاً كبيراً في سقف الاحتجاج الأردني.

السؤال الملِـحّ الذي يطرحه المشهد الحالي: فيما إذا كان يمثّل تحوّلاً في التموضع الإستراتيجي الأردني بابتِـعاده عن خندَق الاعتدال العربي والوقوف في المنطقة الوُسطى، بين معادلات المعسكرات والاستقطاب الإقليمي الواضح، أم أنّ هنالك حسابات ومعايير محدّدة، يمكن قراءة هذا الموقف من خلالها؟

الإعداد المبكّر.. توقّـع الاجتياح الإسرائيلي

أحد أبرز مداخِـل قراءة المشهد الأردني، يتمثل بالحساسية الشديدة للمُـعادلة الداخلية، بخاصة مع نِـسبة تصل إلى النِّـصف من سكّـان المملكة من أصول فلسطينية، بالإضافة إلى حضور فاعِـل وقوي للحركات الإسلامية والمعارَضة الشّـرسة لإسرائيل.

كان المطبَـخ السياسي يتوقّـع الهُـجوم الإسرائيلي على غزّة، قبل أن يبدأ بأسابيع، لذلك، وضع تصوّرا لإدارة الأزمة الداخلية، يقوم على ضرورة السماح بكافة الفعاليات والمسيرات السِّـلمية وترك المجال واسعاً للناس للتّـعبير عن أرائهم ومواقفهم وتفريغ شُـحناتهم العاطفية الداخلية تُـجاه الأعمال الإسرائيلية.

المُـلاحظ في هذه السياسة، أنّها تختلِـف عن الأعراف الأردنية، التي كانت تقليدياً تحدّ من مظاهر التعبير في المسيرات والمظاهرات والمهرجانات، ما كان يؤدّي في أغلب الأحيان إلى اشتباكات داخلية وإلى تفخيخ العلاقة الداخلية بين الحكومة والشارع، فيدفع الأردن ثمناً سياسياً وأمنياً لما يدُور في غزّة.

في الحرب الحالية، بدا المشهد مختلفاً بصورة جذرية، حيث سهّلت الحكومة كافّـة مَـظاهِـر التعبير، حتى بناء خيمة اعتصام بالقُـرب من السفارة الإسرائيلية، وفتحت الصّحف صفحاتها للتّـعبير عن الغضب، وارتفع سقف المقالات والقِـصص إلى درجة مطالبة العديد من الكتّـاب في الصحف اليومية بطرد السفير الإسرائيلي، وتوجيه انتقادات حادّة للنظام الرسمي العربي، ما يرتفِـع عن الحدود المُـعتادة في سقوف الإعلام الأردني، بما في ذلك الإعلام الرسمي.

يرى فهد الخيطان، المعلِّـق السياسي في صحيفة العرب اليوم في تصريح خاص بسويس أنفو أنّ "الحكومة نجحت بالفعل في إدارة السياسة الداخلية في التّـعاطي مع الأحداث"، فاستطاعت أن تتجنّب تفخيخ المعادلة الداخلية، بل وحصّـنتها بصورة جيِّـدة من أي تداعِـيات أمنية، بالحوار والانفتاح على القوى السياسية المختلفة، التي يرى الخيطان أنّها نجحت بقيادة الشارع وإدارته بصورة مكثّـفة وفاعلة بصورة سِـلمية وإيجابية، بعيداً عن العنف والتهوّر.

ويُـجيب الخيطان على سؤال، فيما إذا كانت هذه السياسة تعكِـس تناغماً بين الموقِـف الرسمي والشعبي في قراءة العدوان، أم أنّها تقِـف عند حدود ذكاء الحكومة في إدارة المعادلة الداخلية، بالقول: "بلا شك، الموقف الرسمي الأردني في هذه الأزمة، أفضل من الحرب اللبنانية الأخيرة على سبيل المثال، ويختلف بصورة واضحة عن مواقف دُول الاعتدال العربي، لكنّ هذا لا يعكِـس وِحدة الموقِـفين، الرسمي والشعبي، فلا تزال الفجْـوة بينهما واضحة. فبينما يقف سقف السياسة الرسمية عند حدود إدانة العدوان والعمل على وقفه دبلوماسياً والتركيز على الجانب الإنساني، فإنّ الموقف الشعبي يتجاوز ذلك إلى المطالبة بدعم المقاومة المسلحة وإنهاء المعاهدة السلمية مع إسرائيل".

وعلى الرغم من أيام العسل (هذه) بين الحكومة والشارع، بقيت الضغوط السياسية والشعبية الداخلية على الحكومة في ذِروتها بالمُـطالبة بطرد السفير الإسرائيلي وإنهاء معاهدة السلام، حتى مع هذه المطالب، تعاملت الحكومة بذكاء، إذ صعّـد الملك والملِـكة من لهجة الإدانة لإسرائيل، فيما صرّح رئيس الوزراء أمام البرلمان المُـطالب بخطوات دبلوماسية أشدّ، بأنّ الأردن سيقوم بمراجعة علاقاته مع دُول الجوار، بخاصة إسرائيل.

هذا "التصريح" بمثابة سابقة في الخطاب الرسمي الأردني، الذي اعتاد أن يُـدافع عن معاهدة السلام وعن علاقاته الدبلوماسية بإسرائيل، فيما لجأ الخطاب الرّسمي إلى تبرير بَـقاء العلاقات الدبلوماسية للمُـساعدة الإنسانية للفلسطينيين.

وإذا لم يستجِـب صانِـع القرار لمَـطالِـب الشارع بسحب السفير، فقد اتّـخذ خطوة ذات مغزى سياسي بتمديد إجازة السفير الأردني في عمان وتأجيل عودته إلى تل أبيب، وهي رسالة مُـزدوجة، تُـجاه إسرائيل من ناحية، تعكس الغضب الرسمي، وتُجاه الرأي العام من ناحية أخرى، تستجيب لشيء من مطالِـبه وتؤكّـد أنّ الحكومة ليست مُـغرمة بإسرائيل، فضلاً عن تسريبات رسمية بانقطاع الاتِّـصال السياسي مع إسرائيل في المُـستويات العُـليا، منذ البدء بالعدوان.

العلاقة مع دُول الاعتدال.. هاجِـس "الخيار الأردني"

إذن، هذا التحوّل في المشهد الداخلي، كيف يُـقرأ في سياق السياسة الخارجية الأردنية؟
للوهلة الأولى، ثمة اختلاف واضح عن الموقفِـين، السعودي والمصري، اللّـذين تعوّدت السياسة الخارجية الأردنية ضبط إيقاعها على التّـنسيق معهما.

يوافِـق جميل النمري، المحلل السياسي على أنّ هنالك اختلافاً بين الموقف الأردني من جهة، وموقف كلٍّ من مصر والسعودية من جهة أخرى، لكنه يحدّده في مسألة وضع اللّـوم على حماس، إذ تجنّـب الأردن الوقوع في هذا الخطاب وركز على خطورة العُـدوان وأهدافه الإستراتيجية، التي تتجاوز قصّـة غزّة.

في المقابل، يرى النمري في تصريح لسويس أنفو، أنّ الموقف الأردني ينسجِـم مع الموقفَـيْـن، المصري والسعودي، في قضايا إستراتيجية، أبرزُها التّـأكيد على مسار التسوية السلمية والاختلاف الجِـذري مع برنامج حماس السياسي ورؤيتها للأحداث، وكذلك التأكيد على دعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

على الطّـرف الآخر، يختلف المحلِّـل السياسي ومدير مركز القدس للدراسات عريب الرنتاوي، مع رُؤية النمري، إذ يرى أنّ الموقف الأردني يختلف بوضوح عن موقِـف كلٍّ من مصر والسعودية.

فالأردن ينظر إلى العدوان على غزّة من منظور "ما بعد غزّة"، كما جاء في تصريحات مُـلفتة للعاهل الأردني، ويرى الأردن أنّ "مسرح العمليات في غزة، لكن الأهداف في الضفّـة الغربية"، ويشير الرنتاوي بذلك، إلى مخاوف الأردن من الدّعوات والتسريبات التي تُـطبَـخ في مراكِـز الدراسات في واشنطن وتل أبيب، وتدعو إلى إنهاء القضية الفلسطينية ونعْـي مشروع إقامة الدولة، مقابل تحميل الضفّـة إلى الأردن وغزّة إلى مصر.

ويرى الرنتاوي في حديثه لسويس أنفو، أنّ الأردن ليست لديه عُـقدة الحركة الإسلامية ولا حماس، وقد بدأ صفحة جديدة معهما، بينما مصر تنظُـر إلى ما يحدُث في غزّة من خُـرم الإبرة ومن زاوية ضيِّـقة، هي توريث السلطة والموقِـف من الإخوان المسلمين والخِـشية من العلاقة بينهم وبين حماس، فيما تنظر السعودية إلى ما يحدُث من زاوية الصِّـراع مع سوريا وإيران.

وإذ يثمِّـن الرنتاوي الموقِـف الأردني، إلاّ أنّه يحذّر من ضغوط سياسية واقتصادية متوقّـعة على الأردن مستقبلاً، للقبول بالحلّ الإقليمي للقضية الفلسطينية، وهذا تحديداً جوهر ما حذّر منه العاهل الأردني مؤخّـراً، عندما قال "إنّ هنالك مُـؤامرة ضدّ الشعب الفلسطيني ومستقبله"، ويرى الرنتاوي أن التصريح الملَـكي يتضمّـن في طيّـاته، أنّ هذه المُـؤامرة تمتدّ إلى الأردن كذلك.

التّـموضع الأردني في الأزمة الحالية، كما يعرّفه النمري، لا يقع بالتأكيد في خَـندق ما يُـسمى مِـحور المُـمانعة (الخندق السوري والإيراني) ولا يسير في رِكاب رِهانات حماس، لكنه في الوقت نفسه، يأخذ مسافة أوسع عن الموقف المصري - السعودي، لاعتبارات السياسة الداخلية من ناحية، ولتقدير الأردن الخطورة الإستراتيجية للعدوان الإسرائيلي من ناحية أخرى.

محمد أبو رمان - عمان

ألوف الأردنيين يتظاهرون لمساندة حماس

عمان (رويترز) - انضم ألوف الاردنيين إلى أضخم مظاهرة تنظمها المعارضة الاسلامية في عقود يوم الجمعة 2 يناير، وذلك لإدانة الهجوم الاسرائيلي على غزة مردّدين هتافات تحث حركة المقاومة الاسلامية (حماس) على تكثيف هجمات الصواريخ على اسرائيل.

وتحت رقابة أعيُـن مئات من شرطة مكافحة الشغب، اتجه 60 ألف شخص على الاقل صوب ملعب عمان الرياضي، وهو الاضخم في البلاد، بعدما دعا قادة المعارضة الى تعبير حاشد عن الدعم لحركة حماس التي تحكم قطاع غزة.

وأبلغ الشيخ همام سعيد، المراقب العام للاخوان المسلمين في الاردن، حشودا متهللة أن الفلسطينيين لن يستردوا حقوقهم، الا بتصعيد الانتفاضة ضد اسرائيل. وقال بحسب شهود، إن الحقوق الوطنية لن تسترد إلا بصواريخ القسام وكتائب المجاهدين.

ويهدف الهجوم الجوي الذي بدأته اسرائيل قبل أسبوع، وهو من أشد الهجمات التي شنتها اسرائيل على الفلسطينيين منذ بدء الصراع قبل 60 عاما، الى وقف الصواريخ التي تطلقها حماس على البلدات الاسرائيلية.

ونظم الاردنيون احتجاجات ومظاهرات في أنحاء البلاد، منذ بدء الغارات على غزة. وكانت السلطات رفعت القيود المشددة على المسيرات والمظاهرات الشعبية آخذة في الحسبان أن نهجا غليظا في التعامل مع المحتجين قد يتحول الى أعمال عنف في الشارع.

وفي وقت سابق يوم الجمعة، أطلقت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع لرد المئات من المتظاهرين الاردنيين الذين ساروا باتجاه السفارة الاسرائيلية في عمان بعد صلاة الجمعة.

وردّد المصلون الذين غادروا جامع الكالوتي في العاصمة الاردنية بعد صلاة الجمعة، هتافات مثل "لا سفارة يهودية على أرض عربية"، وتوجهوا الى السفارة الاسرائيلية القريبة.

وأغلق العشرات من أفراد قوات مكافحة الشغب الطرق المؤدية الى مجمع السفارة وأطلقوا الغاز المسيل للدموع على نحو 1500 متظاهر وأجبروهم على التراجع. وتعرض العديد من المتظاهرين الى الضرب والاعتقال من قبل الشرطة. وردد متظاهرون آخرون صيحات التكبير ورشقوا الشرطة بالحجارة.

وقال مصدر بالشرطة، انه جرت مواجهة المتظاهرين لانهم لم يحصلوا على إذن لتنظيم احتجاج قرب السفارة الخاضعة لحراسة مشددة.

وكان الملك عبد الله وزوجته الملكة رانيا، وهي من أصل فلسطيني، تبرعا بالدم هذا الاسبوع في بادرة تضامن مع الفلسطينيين.

ودعا آلاف الفلسطينيين والاردنيين الى الجهاد بعد مسيرات سلمية بوسط عمان ومدن ومخيمات لاجئين في أنحاء المملكة على مدى الايام القليلة الماضية. وأقامت مئات المساجد الصلوات على أرواح من قتلوا في قطاع غزة. وغالبية مواطني الاردن، البالغ عددهم خمسة ملايين شخص، من أصل فلسطيني. وتربط هؤلاء صلات وطيدة بأقاربهم على الضفة الاخرى لنهر الاردن.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 2 يناير 2009)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×