ماذا بعد إدلب.. حرب إقليمية أم تسوية تاريخية؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 فبراير 2020 - 15:00 يوليو,

على وقع المعارك المحتدمة في إدلب، تواصلت تغطية الصحف السويسرية للتطورات العسكرية والإنسانية المتلاحقة وناقشت سيناريوهات مواجهة مفتوحة بين الجيشين السوري المدعوم من روسيا والجيش التركي وفرص الوصول إلى تسوية جديدة. 

منذ أوائل ديسمبر، أُجبر 900 ألف شخص على الفرار من منازلهم بسبب القتال الدائر في مدينة إدلب السورية، وفق الأمم المتحدة. Copyright 2020 The Associated Press. All Rights Reserved.


أعادت صحيفة "لا ليبرتي" نشر مقال في عددها ليوم الثلاثاء 18 فبراير أعدّه لوك ماثيو، مراسل صحيفة "لا لبيراسيون" الفرنسية حول الوضع الإنساني في شمال غرب سوريا تحت عنوان "عمال الإغاثة تجاوزتهم الأحداث في سوريا". ويأتي هذا التقرير بعد المكاسب العسكرية التي أحرزها نظام بشار الأسد المدعوم من روسيا شمال غرب البلاد، مما تسبب في إحداث موجة كبيرة من الهجرة الجماعية.

يشير التقرير إلى أن الهجوم الذي تشنه قوات النظام أدى إلى "فرار عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، من بلداتهم وقراهم في الأيام الأخيرة لشق طريقهم نحو الشمال، والهروب من القصف الروسي. وهم يغادرون في سياراتهم، وإن لم يستطيعوا مشيا على الأقدام. وفي نهاية المطاف وجدوا أنفسهم في العراء، بلا مأوى، حيث تصل درجات الحرارة في الليْل إلى خمس درجات تحت الصفر".

وتقول مصادر الأمم المتحدة إن حوالي 900.000 شخص نزحوا منذ شهر ديسمبر في منطقتيْ إدلب وحلب لوحدهما: "أفواج من السكان تضاهي في كثافتها حشود الروهينغا الفارين إلى بنغلاديش المجاورة هروبا من التطهير العرقي في غرب ميانمار بين عامي 2017 و2018".

بالنسبة لمنظمات الإغاثة، ما يشهده شمال سوريا حاليا هي "أعمال وحشية، لم تشهد المنطقة مثيلا لها منذ بداية الحرب" وتشعر هذه المنظمات أن الاحداث قد تجاوزتها، وأنها لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله، فالاحتياجات الإنسانية تتجاوز طاقتها "كان بإمكاننا رعاية 100.000 مهجّر جديد، وليس 800.000 شخص، الناس ينامون في سياراتهم، أو في خيام من قصاصات قماش. ولمقاومة البرودة الشديدة يحرقون ما في متناولهم، حتى ملابسهم. والأطفال يموتون من البرد والجوع"، يقول أحد عمال الإغاثة.

رغم هذا الوضع الإنساني المتردّي، يواصل جيش النظام تقدّمه نحو الحدود التركية، و"سيقطع وصوله إلى معبر باب الهوى الحدودي (30 كلم شمال حلب) الطريق على الجزء المهم من المساعدات الإنسانية التي تريد الوصول إلى مخيمات المشردين داخليا، كما يمكنهم أيضا قطع الطريق المؤدي على بلدة عفرين حيث يلجأ سكان إدلب".

في الأثناء، يواصل التقرير، "طالبت تركيا من قوات النظام التراجع على عدة جبهات تم فتحها مؤخرا، وتجري في نفس الوقت محادثات مع ممثلي موسكو للضغط على دمشق حتى توقف هجومها"، ولكن ميدانيا، يشير المقال "تواصل القوات السورية تقدمها والطائرات الروسية قصفها، ولم يبق أمام تركيا سوى مساحة محدودة للمناورة، وهي تخشى من أن يقدم الجيش السوري على قصف مخيمات اللاجئين والنازحين، مما سيسبب موجة هجرة جديدة نحو أراضيها".

وإزاء هذا الوضع، يصف أحد عمال الإغاثة حالة اليأس والإحباط لتي يشعرون بها، فيقول: "لقد وثقنا بتركيا منذ البداية، ولكن ما هي النتيجة؟ هناك "خطوط حمراء"، ولكن يتم تجاوزها باستمرار، أردوغان يهدد، ولكن من دون أن يفعل أي شيء على الأرض، لم نحصل حتى على منطقة محمية على طول الحدود حيث يمكن للنازحين أن يستقروا، ويتلقوا المساعدات والدعم".

ماذا بعد إدلب.. حرب إقليمية أم تسوية تاريخية؟

رأى كريستيان فايس فلوغ، مراسل صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ أنه رغم كل المحاولات لتجنب أي مواجهة مباشرة، تبدو الحرب بين روسيا وتركيا وشيكة أكثر من أي وقت مضي ولا سيما بعد تحذير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من هجوم وشيك في إدلب التي شنت فيها القوات السورية، المدعومة بسلاح الجو الروسي، هجوما للسيطرة على المنطقة.

وأوضح المراسل " أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يدرك ضعف موقف الجيش التركي في هذه المعركة لأن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تقدم الجيش التركي في مواجهة ضد الجيش السوري، لذا أعطى أردوغان السوريين مهلة مدتها ثلاثة أسابيع للانسحاب ونظرًا للمكاسب السريعة التي حققها الجيش السوري حتى الآن، فهي مهلة طويلة جداً.

من جهة أخرى تحظى فصائل المعارضة بدعم المدفعية التركية، كما تم إسقاط طائرتي هليكوبتر سوريتين بصواريخ مضادة للطائرات يُزعم أن تركيا زودت المعارضة بها. في المقابل حققت قوات الأسد، وخاصة غرب حلب ، مزيدًا من المكاسب على الأرض، تمكنها من فتح مطار المدينة السورية الشمالية مرة أخرى لرحلات المسافرين - مبدئيًا إلى دمشق والقاهرة.

 ويبدو أن موسكو تدرك أنها في موقف أقوى من تركيا، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين  أعطى بالفعل لأردوغان درسًا في عام 2015 بعد إسقاط طائرة مقاتلة روسية فوق منطقة الحدود التركية السورية. في ذلك الوقت، فرضت روسيا عقوبات على المنتجات المستوردة التركية وأوقف الرحلات السياحية إلى تركيا وأوقفت العمل في خط أنابيب الغاز. بعد ستة أشهر أعرب أردوغان عن أسفه لإسقاط الطائرة المقاتلة لمنع المزيد من خسائر بقيمة المليارات.

لكن السؤال هو ما هي أوراق أردوغان التي يمكنه التفاوض بها؟ منذ شهر ديسمبر، فر أكثر من 900 ألف شخص باتجاه الحدود التركية. وإذا أراد النظام السوري الآن أيضًا الاستيلاء على عاصمة إدلب التي تحمل الاسم نفسه، فسوف سيتم ترحيل مئات الآلاف مرة أخرى. وسيزداد الضغط على تركيا لفتح حدودها المغلقة وأنقرة مصممة على منع هذا. لأن 3.6 مليون سوري في البلاد هم بالفعل عبء ثقيل.

يمكن التخفيف من حدة مشكلة اللاجئين إلى حد ما إذا تمكن بعض النازحين على الأقل من إيجاد مأوى في المناطق التي تسيطر عليها تركيا شمال حلب. لكن مع إدلب، ستفقد أنقرة بالتأكيد السيطرة على محاور المرور المركزية والأراضي الزراعية الخصبة في سوريا. وهذا يعني أن تركيا والمعارضة السورية ستفقدان أوراق تفاوض مهمة على الطاولة المستديرة عند صياغة دستور سوري في المستقبل".

ورجحت الصحيفة أن صوت العقل سيعلو في هذه المعركة وسيتم إيجاد تسوية أخرى بين موسكو وأنقرة وستمتنع دمشق وموسكو عن مهاجمة مدينة إدلب ولن تتقدم أكثر. المشكلة الوحيدة هي أن مثل هذه التسويات قد أثبتت دائمًا أنها قصيرة الأجل للغاية.

كيف يتحول أغنى بلد في إفريقيا إلى مشكلة إنسانية؟  

أجرت صحيفة تاغس أنتسايغر مقابلة مع بيتر ماورر، وهو دبلوماسي سويسري محنك، شغل سابقًا منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية في برن وسفيرًا لبلاده لدى لأمم المتحدة في نيويورك يترأس منذ يوليو 2012 اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تعمل على "تعزيز الدبلوماسية الإنسانية ودعم الدول والجهات الفاعلة الأخرى في الامتثال للقانون الدولي الإنساني". وكما هو معلوم، تستند أنشطة اللجنة الدولية - بوصفها "منظمة مستقلة ومحايدة توفر الحماية الإنسانية والدعم لضحايا الحرب والعنف المسلح" - إلى اتفاقيات جنيف الشهيرة لعام 1949.

في المقابلة التي أجرتها معه إثر عودته من رحلة قام بها مؤخرا إلى مدينتي طرابلس وبنغازي، سألته الصحيفة التي تصدر بالألمانية في زيورخ كيف تغيّر الوضع الإنساني منذ أن بدأ الجنرال خليفة حفتر هجومه على طرابلس في أبريل 2019؟ فأجاب أن "الأمر تغير بشكل كبير لأنه أصبحت هناك جبهة حرب كبيرة حول طرابلس. ونتيجة لذلك، نزح ما بين 150 إلى 200 ألف شخص وهم غير قادرين على العودة إلى ديارهم. إنها المرة الأولى التي نشهد فيها معركة أثرت على الكثير من الناس في وقت واحد. أثر هذا على المزاج العام والوضع بشكل أساسي. في أجزاء أخرى من البلاد، مثل مصراتة وبنغازي وأيضًا في جنوب البلاد، ما يزال هناك عنف مستمر، حيث ليس من الواضح دائمًا من يحارب من. وارتفع عدد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية بكثير، وخاصة النازحين داخلياً".

ولدى سؤاله عن الآثار المترتبة عن الحصار الذي يفرضه خليفة حفتر على صادرات النفط الليبية، قال ماورر "بالنسبة للعديد من الليبيين، يعد تراجع دخل النفط أكثر التطورات تأثيراً عليهم. دورة مبيعات النفط ورواتب الدولة استمرت على الرغم من الصراع وضمنت الدخل والمعيشة لكثير من الليبيين لفترة طويلة، لكن هذه الدورة توقفت. نتيجة لذلك، أصبحنا الآن نواجه نقصًا كبيرًا في النظم الاجتماعية للدولة، حيث أصبحت هناك قطاعات عريضة من السكان دون دخل، والدولة ليس لديها المزيد من المال لإعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الصراع المسلح. العديد من المستشفيات تضررت بشكل خاص. في كثير من الأحيان إمدادات المياه والطاقة معطلة ولا توجد أدوية. لدينا الآن عملية إنسانية كبرى. تضاعفت ميزانيتنا لليبيا في الأشهر الإثني عشر الماضية".

ولكن ما الذي يعنيه ذلك للناس؟ هل هناك نقص في الامدادات؟ وهل يُمكن لسكان العاصمة طرابلس العودة إلى ديارهم إذا كان هناك وقف دائم لإطلاق النار؟ يردّ بيتر ماورر أنه "لا يوجد نقص في البضائع، لكن المشكلة هي أن الناس بدأت تفقد قوتها الشرائية. تشرد الكثيرون م وفقدوا وظائفهم ولم لديهم دخل عائلي. يعتمد هؤلاء على الدولة وعدد قليل من المنظمات الإنسانية. وبطبيعة الحال، تنخفض جودة الحياة بشكل كبير. لا أحد يتضور جوعاً حتى الآن في ليبيا. لكن تفكك الطبقة الوسطى الليبية في تزايد، بحيث نواجه الآن مشكلة سياسية خطيرة على جميع جوانب الصراع، ربما الأكثر ظهوراً في طرابلس. لن يتمكن الكثير من الناس من العودة إلى منازلهم لأن المعارك تسببت في أضرار جسيمة ولم تعد مؤسسات الدولة قادرة على دعم النظام الاجتماعي". ويورد رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر مثالا على ذلك قائلا: "إمدادات المياه بالكامل على طول ساحل البحر المتوسط مصدرها خطوط أنابيب الساحل. معظم هذه الخطوط تضررت نتيجة للمعارك. العديد من الخطوط لم تعد تعمل. وهذا يؤثر على جودة وكمية إمدادات المياه. الآثار المترتبة هي التي تؤدي إلى انهيار تدريجي للنظام. مصادر المياه والمخزون المائي للناس بدأ في النفاد لدى عدد كبير من الأسر. الجميع يأمل أن يتم التوصل إلى حل سلمي للصراع في القريب العاجل".

رغم كل شيء، يرى ماورر أن "هذا من شأنه أن يخلق أزمة إنسانية كبيرة جدا. وسيكون من الصعب للغاية الحفاظ على نظام اقتصادي قادر على تلبية احتياجات المواطنين. ثم لن يعتمد 20 في المائة من الليبيين على المساعدات الإنسانية، ولكن عدد أكبر بكثير. منذ عام 2011، ونحن نحذر من أن واحدة من أغنى البلدان في أفريقيا ستصبح مشكلة إنسانية. نحن بالفعل جزئيا في هذا الوضع اليوم. قد يكون هذا قابلاً للعكس إذا كانت هناك نهاية سريعة للصراع المسلح والحل السياسي، ولكن مع مرور عام آخر من الصراع الكامن أو المفتوح في ليبيا ، تضيع هذه الفرصة".

وبعد أن تحدث الدبلوماسي السويسري السابق إلى جميع أطراف النزاع في ليبيا. هل يرى استعدادًا للانخراط في حل سياسي والعمل عليه بخطوات بناء الثقة؟ يُجيب بيتر ماورر: "لم أر الكثير من الإرادة للتفاوض مع الشركاء في طرابلس وبنغازي. المواقف ما تزال متصلبة جدا. في عملنا الإنساني نجد أن الأطراف المتنازعة تتعاون مع الصليب الأحمر الدولي وتعترف بنا كهيئة محايدة. لكن في النزاع في ليبيا، هناك العشرات من الجهات المنخرطة. وما زال هناك طريق طويل في اتجاه إيجاد حلول سياسية والمشاركة في عملية قد تؤدي إلى سلام دائم". 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة