الشركات الكبرى والمُساعدات التنموية.. شراكة محفُوفة بالمخاطر!

يُمكن العثور على كوكاكولا في كل مكان تقريبًا..! لذلك تعتبرها بعض الوكالات الدولية العاملة في مجال المساعدات التنموية شريكًا جيدًا للمساعدة في توفير الإمدادات الطبية الحيوية للأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليها. Keystone / Ed Wray

تريد الحكومة السويسرية العمل بشكل أكبر مع الشركات الكبرى في سياق مساعدتها للمناطق الأفقر من العالم، لكن تجربة دول أخرى تُظهر أنه يتعيّن التحرك بحذر في هذا الاتجاه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,

"يجب أن تذهب البطاطس إلى إفريقيا".

هكذا تحدث مسؤول حكومي ألماني للتعبير عن تأييده لمشروع مساعدات تم إطلاقه قبل عدة سنوات بهدف الترويج لزراعة أصناف البطاطس الأوروبية في بلدان افريقية واقعة جنوب الصحراء الكبرى. لكن المشروع أثار الاندهاش حيث جادلت مجموعات غير حكومية ناشطة في مجال المساعدات التنموية بأن زراعة أصناف البطاطس الأوروبية تتطلب إخصابًا كبيرًا. وبمجرد ارتباطهم بإنتاج البطاطس، فسوف يحتاج هؤلاء المنتجون الصغار إلى إمدادات ثابتة ومنتظمة من البذور والأسمدة.

في الوقت نفسه، تساءل مراقبون من الذي يُمكن أن يكسب أكثر من مشروع المساعدة الذي سدّد قيمته دافعو الضرائب الأوروبيون: هل هم الأشخاص المُستفيدون منه أم الشركات الزراعية التي ستقوم بتوفر التدريب والبذور والآلات والمبيدات الحشرية والأسمدة.

هذه هي الإشكالية التي تُواجه الآن المسؤولين الحكوميين السويسريين المعنيين باتخاذ قرارات تتعلق بكيفية المُضيّ قُـدُمًا في تنفيذ الإستراتيجية الجديدة لبرن بخصوص المساعدات الخارجية. ومع أن الفوائد المترتبة عن التعاون مع الشركات متعددة الجنسيات تبدو جلية حيث تستفيد الحكومات المانحة من أموال الشركات ومهاراتها وتقنياتها وحجمها، إلا أن الروايات التحذيرية مثل مشروع البطاطس المذكور آنفا تُظهر – في الوقت نفسه - أنه ينبغي المضي قُـدُمًا في هذا الاتجاه بحذر.

كانت "مبادرة البطاطس في إفريقيا" جزءًا من برنامج ألماني للشراكة الغذائية تم إطلاقه في عام 2012 وسط ضجّة كبيرة. وكان من المفترض أن تقوم حوالي 30 شركة خاصة بتغطية جزء من ميزانية المشروع وأن تساهم بفضل خبراتها ومعداتها المتوفرة في البلدان الفقيرة في المساعدة على تحسين التغذية ومداخيل المزارعين في عدد من البلدان النامية.

وفيما لا زالت بعض المشاريع مستمرة، يبدو أنه قد تم تعليق الشراكة بدون صخب منذ ذلك الحين بعد أن تعرّضت لانتقادات شديدة من المنظمات غير الحكومية، التي اتهمتها بأنها أداة لفتح أسواق جديدة بوجه الشركات الزراعية الأوروبية.
وفي مقابلة انتقدت فيها الشراكة، قالت ماريتا فيغّيرتال، خبيرة الأمن الغذائي لدى الفرع الألماني لمنظمة "أوكسفام" غير الحكومية: "إذا كنت ترغب في محاربة الفقر والجوع، عليك أن تدعم الفقراء والذين يتضورون جوعا، وليس مساعدة الشركات الزراعية على القيام بأعمال تجارية".

وفيما أفادت بعض التقارير أن محاصيل المزارعين ازدادت، لكن ظهرت أدلة أيضًا على أن المزارعين أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على الشركات متعددة الجنسيات فيما يتعلق بالبذور والأسمدة. ووفقًا لفيغّيرتال، فإن شركة "بايير Bayer" باعت في أحد المشاريع في كينيا أكثر من 20٪ إضافية من مبيدات الآفات إلى صغار المزارعين بفضل الدورات التدريبية (التي تابعوها).

سدّ فجوة

الجدل حول مدى مشاركة القطاع الخاص في المساعدات التنموية كان قائما بالفعل منذ عقود، إلا أن اهتمام الرأي العام بالتدقيق في هذه النوعية من الصفقات لا زال حديثا.

لقد احتاجت الحكومات لتبرير نفقاتها المُخصّصة للمساعدات الخارجية للناخبين المتشككين في جدواها بشكل متزايد. لذلك، فمن خلال تعزيز تعاملها مع الشركات المتعددة الجنسيات، يُمكن لها خفض تكلفة المساعدات الخارجية والقول – في الوقت نفسه – بأن لها الفضل في تعزيز الفرص لصناعاتها المحلية.

كما تواصل كبار المسؤولين في منظمة الأمم المتحدة وفي البنك الدولي وفي منظمات دولية أخرى مع القطاع الخاص لحثه على تعويض النقص المُسجّل في الأموال المرصودة من طرف الحكومات لفائدة المساعدات التنموية.

محتويات خارجية

في السياق، قالت ميلينا هاينريش - فرنانديز، التي عملت في مجال التنمية لفائدة القطاع الخاص لأكثر من عشر سنوات: "يُحاول الجميع تقريبًا القيام بالمزيد مع القطاع الخاص جزئيًا بسبب الحاجة إلى حلول أكثر استدامة بدلاً من مجرد مشاريع قصيرة لا تصلح إلا لمرة واحدة"، وأضافت أنه "يمكن للقطاع الخاص أن يواصل تنفيذ المشاريع عندما تتوقف المساعدات".

هاينريش فيرنانديز هي نائبة منسق "لجنة المانحين لتطوير الشركات"، وهي مجموعة من المانحين تتشاطر المعارف حول كيفية العمل مع القطاع الخاص بشكل أكثر فعالية. وأشارت إلى أن جميع الجهات المانحة التي تعمل معها (وعددها أربعة وعشرون) تقريبًا جعلت من إشراك القطاع الخاص عنصرا أساسيًا من استراتيجيتها المستقبلية في مجال المساعدات التنموية.

وقالت: "إن القليل من المناقشات تدور حول ما إذا كان يجب العمل مع القطاع الخاص أم لا، أما أغلبها فيدور حول كيفية القيام بذلك بشكل فعال".

بدورهم، جعل السويسريون من ذلك أولوية قصوى في الاستراتيجية الخُماسيّة الأخيرة التي تمت الموافقة عليها في شهر فبراير 2020، والتي تقول إن الحكومة تريد "الاستفادة من إمكانات القطاع الخاص بشكل كامل". وأبلغت الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون swissinfo.ch أنها ستزيد من عدد الشراكات ومن حجم الأموال المرصودة لمحفظة مشاريعها مع القطاع الخاص التي تبلغ حاليًا حوالي 5٪.

في الوقت نفسه، سارعت الشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن جيوب نمو جديدة لتوسيع وجودها في أسواق العالم النامي. فمن البديهي أن المشاركة في مشاريع المعونة الحكومية أمر لا يحتاج إلى تفكير بالنسبة لها، ذلك أن وكالات المعونة التنموية تُساعد على إيجاد الظروف التي تيسّر القيام بأعمال تجارية وأنشطة اقتصادية وخاصة في المناطق غير المستقرة سياسيًا.

قيود متنامية

في المقابل، يُثير تضخم عدد المشاريع والعلاقات الوثيقة بشكل متزايد بين وكالات المعونة والشركات متعددة الجنسيات في السنوات الأخيرة قلق العديد من المنظمات غير الحكومية. وتقول ماريا خوسيه روميرو، مديرة السياسة والترويج لمجموعة "Eurodad"، وهي شبكة من المنظمات غير الحكومية الأوروبية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها: "تقدم الحكومات دعمًا فعالًا للقطاع الخاص وتُعيد توجيه الأموال الشحيحة المرصودة للتنمية بعيدًا عن البلدان والقطاعات التي هي في أمسّ الحاجة إليها".

في هذا الصدد، أشارت إلى أن الأرقام الأخيرة التي تظهر أن الكثير من المساعدات المستخدمة لجذب المزيد من الأموال الخاصة موجّهة إلى البلدان ذات الدخل المتوسط مثل البرازيل وصربيا وتركيا الأكثر جاذبية للأعمال التجارية بدلاً من البلدان الأقل نمواً.

كما تشعر روميرو بالقلق من أن يُؤدي الربط المُبالغ فيه بين المساعدات المقدمة وبين المصالح التجارية للدول المانحة إلى إهمال الحلول المحلية للاحتياجات المحلية وإلى تعزيز التبعية للعالم المتقدم. وتوصلت شبكة "يوروداد" إلى أنه يتم الآن تقديم المزيد من المساعدات شريطة أن تقتني المجموعات المحلية المعدات أو الإمدادات من الدولة المانحة.

في عام 2018، ربط المانحون حوالي 20٪ من المساعدات الثنائية (مقارنة بـ 15.4% في العام السابق) بمُورّدين من بلدانهم. أما الولايات المتحدة فتتجاوز ذلك بكثير حيث ترتبط حوالي 40٪ من المساعدات بمُورّدين أمريكيين محليين.
بدوره تساءل دانيال ويليس، مدير السياسات والحملات فيGlobal Justice Now ، وهي مجموعة بريطانية للدفاع عن المساعدات: "لماذا ينبغي استخدام المساعدة بشكل أساسي لمساعدة القطاع الخاص على التوسع في أسواق مختلفة؟". 

وقال: "أنا أؤمن تماما بأن القطاع الخاص يُمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا بطريقة ما"، وأضاف: "كل ما في الأمر أن القطاع الخاص لا يريد حقًا لعب دور إيجابي في كثير من الأحيان".

في الأثناء، لا تخجل بعض الوكالات - كتلك الموجودة في هولندا - من محاولة فتح الأبواب أمام الشركات الهولندية. ففي عام 2018، وقعت الحكومتان الهولندية والإثيوبية على عقد بقيمة 40 مليون يورو مع شركة Royal Philips الهولندية المتخصّصة في مجال تكنولوجيا الصحة لبناء مستشفى لعلاج أمراض القلب في العاصمة أديس أبابا.

أما في المملكة المتحدة، فقد أثارت الحكومة غضب النشطاء بسبب وجود مؤشرات على أن المصالح الاقتصادية هي التي تقود جدول أعمالها في مجال المساعدة، إلا أن الحكومة دافعت عن هذه الخطوة على اعتبار أنها تمثل "استخدامًا أكثر واقعية لأموال المساعدات".

محتويات خارجية

في المقابل، تؤكد الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (Sida) على عدم ربط المساعدة بالوصول التفضيلي للشركات السويدية إلى الأسواق المعنية وتعمل في الأغلبية الساحقة من الحالات مع منظمة غير حكومية أو وكالة تابعة للأمم المتحدة في مجال التنفيذ.

في تصريحات لـ swissinfo.ch، قالت ماريا ستريدسمان، نائبة مدير قسم الشراكة والابتكار في الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، إن أحد أسباب هذا النهج هو أن "القيم الكامنة وراء المساعدات هي التضامن ومسؤولية الدول الغنية للعمل من أجل عالم مستدام وليس الترويج للقطاع الخاص السويدي".

ما يثير قلق العديد من المنظمات غير الحكومية أيضًا هي الطريقة التي يتحول بها المانحون، بما في ذلك السويسريون، شيئا فشيئا إلى مصارف بصدد استخدام أدوات مالية ونقدية كالضمانات، ما يؤدي إلى تحويل بعض المخاطر المترتبة عن دخول السوق (في البلد المعني) من الشركات الخاصة إلى المحافظ العمومية. ولفتت روميرو إلى أن هذا يهدد بدفع البلدان المتلقية (للمعونات) إلى السقوط في مزيد من المديونية عندما تفشل المشاريع.

بالرغم من عدم وجود إجماع حول كيفية تتبع أموال المساعدات التي يتم إنفاقها من خلال القنوات الخاصة، إلا أن بعض الأرقام تكشف أن صفقات التمويل المختلط (أموال عمومية وموارد مالية خاصة) التي يتم بموجبها استخدام الأموال العامة لجذب رأس المال الخاص ارتفعت من حوالي 70 في عام 2007 إلى أكثر من 500 في عام 2018.

التغيير من الداخل

يحاول المانحون تجنب بعض الانتقادات من خلال التعامل بشكل أكثر انتقائية بخصوص الشركات التي يعملون معها، من خلال استبعاد قطاعات معينة مثل التبغ أو مصنعي الأسلحة من قائمة الشركاء المحتملين. ومع ذلك، لا يزال بإمكان المتبرعين التورط في صفقات أو معاملات سخيفة أو غير سليمة.

بدورها، أخبرت هاينريش فيرنانديز من "لجنة المانحين لتطوير الشركات"swissinfo.ch أن وكالات الإغاثة تعمل منذ فترة على وضع مبادئ توجيهية لضمان التزام الشركات الشريكة بمعايير الأعمال المسؤولة. لكنها أشارت إلى أن الأمر يمثل تحديًا في ظل التعقيد الشديد الذي تتسم به سلاسل التوريد العالمية.

كما أثارت العلاقات بين الحكومة السويسرية وشركة نستله غضب النشطاء بسبب ما قامت به الشركة على مدى سنوات من حملات تسويق مكثفة لحليب الأطفال ومن ضغوط على مصادر المياه المحلية. نستله هي واحدة من 30 أو نحو ذلك من الشركات المشاركة في "منصة الكاكاو السويسرية"، التي تم إطلاقها بمبلغ 9 ملايين فرنك من طرف الحكومة السويسرية، والتي تريد مساعدة سويسرا على استيراد جميع الكاكاو الذي تحتاجه من مصادر مستدامة.

وتساءلت فيرنانديز: "لا توجد منظمة مثالية، بما في ذلك الشركات. تبعا لذلك، هل يتعيّن على المانحين الامتناع عن مجرد التعامل معهم؟ ... أم ينبغي عليهم العمل معهم ومساعدتهم على التحسّن؟".

هنا، يُجادل مانحون (كالوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي) بأن هذا هو بالتحديد أحد أسباب العمل مع الشركات، للمساعدة على تغيير الممارسات وتوعيتها بأن قضايا مثل المساواة بين الجنسين والحصول على المياه النظيفة تستحق الاهتمام.

مع ذلك، لا يبدو ويليس من منظمة " Global Justice Now" مقتنعا، وقال لـ  swissinfo.ch: "أعتقد أن الأمر يتطلب التساؤل ما الذي تعنيه المساعدات من أجل التنمية"، مضيفا "نعتقد أنه يتعيّن علينا أولاً وقبل كل شيء التصدي لمُعالجة عدم المساواة وتوفير التعليم والرعاية الصحية مجانًا".

وقال: "القطاع الخاص ليس جيّدًا جدًا في القيام بهذه الأشياء بطريقة عادلة وشاملة".

مشاركة