تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تحتضن كأس العالم 2022 قطر تُراجع تشريعات العمل استجابة لضغوط المنظمات الدولية

في انتظار التغييرات المرتقبة، لا يزال جميع العمال الأجانب في قطر خاضعين لنظام "الكفالة" المقيِّد.

اضطرّت قطر لمسايَرة الضغوط التي مارستها عليها منظمات حقوقية دولية منذ فترة طويلة، لتحسين ظروف العمّال الآسيويين، الذين تشكّل العَمالة غيْر المؤهلة 90% منهم، وسط دعَوات لإنشاء وزارة جديدة للجوازات وشؤون الوافدين، تتولّى إدارة شؤون العمَالة الأجنبية.

وشكّل وضع العمّال الذين ينفِّذون مشاريع تندرج في إطار استضافة قطر لكأس العالم لكرة القدم سنة 2022، مصدر متاعِب للسّلطات القطرية بعد صدور تقارير دولية انتقدت ما اعتبرته وضعا منافيا لحقوق الإنسان، وهي انتقادات ردّت عليها الحكومة القطرية بقوّة. لكنها قرّرت خطوات غيْر مسبوقة لمراجعة نظام استقدام العمالة والتخلّي عن نظام الكفالة، الذي يجعل العامِل الوافد تحت رحْمة المُشغِّل، حتى عندما يرغَب في السفر إلى بلده.

وفي أعقاب تصريحات أدلى بها مؤخرا رئيس "الفيفا" جوزيف بلاتر إلى القناة الفرنسية بالتلفزيون العمومي السويسري معتبِرا أن قرار تنظيم كأس العالم في قطر سنة 2022 "كان خطأ"، أعلن مسؤولون قطريون عن مشروع قانون يقضي بإلغاء نظام الكفالة (الذي يربط مصير العامِل بمشيئة المؤجّر)، في إطار سلسلة من الإجراءات، ترمي لإصلاح سوق العمل وتحسين ظروف إقامة العمّال الوافدين.

ومن بين الإجراءات التي تضمّنها القانون الذي وافق عليه مؤخرا مجلس الوزراء القطري وأحاله على مجلس الشورى وغرفة الصناعة والتجارة، الإستِعاضة عن نظام الكفالة بعقود عمَل وتعويض مأذونية الخروج، التي تجعل ربّ العمل متحكِّما في العامل بنظام آلي جديد يعمل في وزارة الداخلية، وهو ما يعني أن العامل يستطيع في المستقبل أن ينتقِل من مكان عمل إلى آخر، من دون حاجة إلى شهادة عدم مُمانعة من مُشغِّله، مثلما هو الحال الآن.

كما شملت الإجراءات تشديد العقوبة المالية على أصحاب العمل الذين يحتجِزون جواز العامل الوافِد من عشرة آلاف ريال (2000 يورو) إلى خمسين ألفا (10000 يورو) عن كل جواز، فيما أعلن عن إرساء آلية ضمن نظام الحكومة الإلكترونية، يمنح العمال والموظفين الأجانب مأذونية خروج بشكل آلي بعد مُضي 72 ساعة على تقديم طلب في الغرض. وأخيرا، تضمنت الإصلاحات، إقرار نظام حماية الأجور الذي سيُوجب على صاحب العمل صرْف الرواتب لموظّفيه إلكترونيا، لضمان الشفافية وفرصة التدقيق.

نقابات في الخليج

أصبح إلغاء نظام الكفيل المثير للجدل في قطر والإستعاضة عنه بعقود عمل بين العامل والمؤجر اتجاها عاما بين الدول الخليجية.

سبق للكويت والبحرين إلغاء العمل بنظام الكفيل، كما سمحت السلطات في البلدين بتكوين نقابات عمالية.

في المقابل، لا زال هذا الأمر محظورا بشدة في السعودية والإمارات.

نهاية الإطار التوضيحي

هيئة نقابية؟

بهذا المعنى، تكون قطر تعاطت مع الضغوط الدولية بأسلوب الإحتِواء. فبالإضافة لإقرار تعديلات جوهرية على قانون العمل، لوحِظ أن الدوحة استضافت للمرّة الأولى "مؤتمر حماية حقوق العمّال" في أول مايو 2014 بمناسبة عيد العمال العالمي، وأقرّ مجلس الوزراء تأسيس لجنة عمالية تتلقّى شكاوى العمّال في قطر وتُدافع عن حقوقهم، في خطوة تمهِّد لتكوين نقابة عمالية، إلا أن مسؤول حقوق الإنسان في وزارة الداخلية القطرية حسين المُلاّ، أوضح أن مجلس إدارة اللجنة العمالية سيتألّف من قطريين، بينما العمال الأجانب لهم حق التصويت فقط. وكشف المُلا أن منظمة العمل الدولية تتساءل في غالبية اجتماعاتها مع المسؤولين القطريين عن سبب عدم وجود نقابات تدافع عن حقوق العمّال في قطر، وأوضح أن "الضغط على بلده قد تزايَد مع توالي السنوات".

ولوحظ أن وزير الشؤون الاجتماعية ألقى كلمة باسم رئيس الحكومة في المؤتمر، الذي كان مناسبة للإعلان عن إنشاء مدينتيْن عماليتيْن جديدتيْن في المنطقة الصناعية بضواحي الدوحة، تتّسعان لأكثر من مائة ألف عامل، قال إنهما ستكونان جاهزتيْن في الأسابيع المقبلة، إضافة لطرْح خمسة تجمعات عمّالية، تستوعب أكثر من مائة وعشرين ألف عامل.

هذه الإجراءات أتت بعد حملة متواصلة شنّتها عدّة منظمات دولية، منها منظمة العفو الدولية التي اعتبرت نظام الكفيل "انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان". وأقر حسين المُلا بأن كلمة "كفيل" تُسبِّب مشاكل معقّدة لبلده مع عدد من المنظمات الدولية، وقال مؤخّرا في تصريحات صحفية: "لهذا، يجب القضاء على هذا المُصطلح بتعويضه بعقْد عمل بين طرفيْ الشغل، تضمنه وزارة العمل" القطرية.

تطوير التشريعات

غيْر أن محامين انتقدوا بشدّة بعض تلك الإجراءات الجديدة، وخاصة تشديد عقوبة حجْز جواز السفر، وقال المحامي جذنان الهاجري لـ swissinfo.ch إن مشروع قانون إلغاء الكفالة "يشكِّل بادِرة جيدة تعكِس حِرص الدولة على تطوير تشريعاتها وقوانينها، بما يتماشى مع تطوّرات العصر، إلا أن ترفيع عقوبة حجْز الجواز مبالَغ فيه".

واقترح أن لا تتجاوز العقوبة 5000 ريال (1000 يورو) مع ضرورة تقدير حجْم الضّرر الذي يلحق العامل جرّاء حجز جوازه. وحذّر من لجوء بعض العمال لممارسة الابتِزاز مع ربّ العمل، من خلال بلاغات كيْدية، وإن أقرّ في الوقت نفسه بأن "بعض المحاكم تشهد بعض حالات حجْز الجوازات من قبل الكفلاء تعسّفا، على رغم وجود حالات حصلت بدافع حُسن النية والجهل بالقانون"، على ما قال.

أما زميله المحامي حواس الشمري، فاعتبر أن "تغليظ العقوبة يُحقّق الرّدع في حالات كثيرة"، مُستدلا بالمَثل القائل "مَن أمن العقوبة أساء الأدب". وأكّد أن جواز السفر "وثيقة خاصة بالعامل ولا يوجد أي مبرّر لحجزه من قبل ربّ العمل، خاصة ان القانون لا يسمح للعامل بالسفر، إلا بعد الحصول على إذن بالخروج من الكفيل". وأضاف أن هناك العديد من الضّمانات التي يمكن لصاحب العمل أن يحمي بها حقوقه، من دون اللّجوء إلى حجز جوازات العمال.

مليون عامل لإنجاز مشاريع مونديال 2022

أفاد مسؤولون في الدوحة أن قطر تحتاج لمليون عامل سيتِم توظيفهم على مراحل من أجل إنجاز المشروعات المقرّرة في إطار استضافة مباريات كأس العالم لسنة 2022.

يبلغ عدد سكّان الإمارة مليونيْ ساكن، لا يتجاوز عدد المواطنين من بينهم العُشر.

في السابق، كان القانون يشترط على العمال الوافدين الحصول على كفالة شركة محلية، مما يُفسح المجال أمام ربّ العمل لحجز جوازات سفر العمال ومنعهم من الإنتقال إلى وظيفة أخرى، إذا ما وجد العامل فرصة أفضل.

الأرجح الآن أن المليون عامل القادمين في السنوات المقبلة سيحصلون على عقود عمل.

نهاية الإطار التوضيحي

عمالة غير مؤهلة

غير أن رجال أعمال قطريين اعتبروا أن المشكلة الأهم هي تدنّي مستوى العمَالة الوافدة. وقال عبد العزيز العمادي، وهو أحد رجال الأعمال البارزين لـ swissinfo.ch إن العمالة غير المدرّبة باتت مشكلة تؤرق رجال الأعمال وأصحاب الشركات المحلية، خاصة في ظلّ الانفتاح الاقتصادي الكبير الذي تبصره قطر"، مشيرا إلى أن رؤية قطر 2030 ومونديال 2022 يحتاجان إلى عمالة ماهِرة. ورأى العمادي أن إجبار الشركات على استيراد عمّال من جنسيات محدودة، يؤثر سلبا على تنفيذ المشروعات وعلى مدى التِزام الشركات بالجودة والتسليم في المواعيد المتّفق عليها. وحض على ضرورة وضع آلية ومعايير صارِمة لاستقدام العمالة الأجنبية الماهِرة واستبعاد العمّال غير المدربين، وكذلك القضاء على تِجارة التأشيرات التي تشكّل، حسب رأيه، مصدرا رئيسيا لوجود أعداد كبيرة من العمالة غيْر المؤهلة. كما أكّد العمادي أنه لابد من ترْك الخيار أمام الشركات المحلية لاختيار عمالتها من الدول المعروفة بمهارة فنيِّيها وعمّالها.

أما ناصر الدوسري، مدير عام مجموعة "فيغور" للتجارة والمقاولات، فأيد رأي زميله مؤكّدا أنه أنفق أكثر من مليون و200 ألف دولار على تأهيل عمّال غير مدرّبين استقدمهم للعمل في مجموعته. وقال إن هذا الوضع حمّل شركات عدّة على استقدام عمالة غيْر مدرّبة من أجل تدريبها محليا، على أمل الاستفادة منها في تنفيذ مشاريعها، وهو ما شكل عبئا ثقيلا على كاهِلها وإهدارا للوقت والمال.

وأفاد خبير جامعي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن هناك خمسة بلدان فقط تُرسِل عمّالا مؤهّلين إلى الخليج، وهي الصين والهند وتايلاند وبنغلاديش ومصر، بينما تصدر باقي البلدان عمّالا غير مدربين. وأضاف الخبير أن تجارة التأشيرات والتستّر على العمالة غيْر القانونية، باتا يُشكِّلان استنزافا لإمكانات البلد وإهدارا لقُدراته الاقتصادية والصحية، مؤكِّدا أن "مكاتب استقدام العمالة، لا تقدم جميع البيانات للسلطات"، متَّهما إياها بالسعي إلى الرّبح فقط.

تطوير قوانين الاستقدام

وركّز رجل الأعمال يوسف الكواري على ضرورة تطوير قوانين الاستقدام وقال لـ swissinfo.ch  إن تلك القوانين لم تعُد تُواكِب التطوّر التنموي الكبير الذي يشهده البلد. وعزا ذلك إلى التعامل مع هذه المسألة بالطريقة القديمة وعجْز لجنة الاستقدام لكونها لجنة مُشتركة من جهات مختلفة لا تلزم البلدان المصدّرة للأيدي العاملة بمعايير التأهيل الدولية.

وسألت swissinfo.ch بعض رجال الأعمال القطريين عن الحلول المُمكنة للوضع الحالي، فردّ يوسف الكواري بأن العمالة الأجنبية صارت تمثل 85% من سكّان قطر (يُقدّر العدد الإجمالي للسكان بمليونيْ نسمة)، بينما الإشراف عليها موزّع بين وزارة العمل ووزارة الداخلية واللّجنة الوطنية لحقوق الانسان، ممّا يفرض برأيه، تكوين وزارة للجوازات وشؤون الوافدين تتولّى تسيير أمورهم وتساعد الشركات الوطنية ورجال الأعمال على اختيار الأنسَب والأقدَر على تأمين عمالة مدربة ومؤهلة. واقترح الكواري إيجاد إدارة في تلك الوزارة متخصِّصة بالتنسيق مع الدول المصدرة للعمالة تتولى وضع خريطة للمِهن التي تحتاجها قطر خلال الخمس أو العشر سنوات المقبلة، في القطاعيْن العام والخاص.

والأرجح أن الدول الخليجية كلّها سائرة على الطريق التي تسير فيها قطر حاليا، ما يؤشر إلى أن دول مجلس التعاون ستعمل على وضع تشريعات متشابهة للتعاطي مع مشاكل العمالة الوافدة. وعلى هذا الأساس، يمكن القول أن هذه المنطقة مقبلة على تغييرات اجتماعية وسكانية كبيرة.

swissinfo.ch


وصلات

×