تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حقوق سياسية شافهاوزن.. الكانتون الذي يُعاقَبُ فيه المتخلّفون عن التصويت

(RDB)

لا يتميّز كانتون شافهاوزن، في أقصى شمال البلاد، بموقعه الجغرافي الفريد (تكاد الأراضي الألمانية تحيط به إحاطة السوار بالمعصم)، ولكنه يَنفرِد بعامِل آخر جدير بالإشارة: فهو الكانتون الوحيد في سويسرا - وأحد الأماكن القليلة في العالم - التي تفرض عقوبة مالية على المواطن الذي يتخلف عن الإدلاء بصوته في المواعيد الإنتخابية.

وكان البرلمان المحلي لكانتون شافهاوزن قد صوَّت يوم 17 مارس 2014 بمُضاعفة قيمة الغرامة المالية المفروضة على كلّ ناخب يمتنع عن التصويت، من دون ذكر السبب، إلى ستة (6) فرنكات. ومع أن المبلغ قد يبدو ضئيلاً، إلّا أنَّه يحمل قيمة رمزية بالنسبة لسلطات الكانتون ومواطنيه الفخورين.

جاء بنا القطار إلى المحطة الرئيسية لشافهاوزن صبيحة يوم ربيعي مُشمس، زاده بهاءاً مُرورنا بشلاّلات الرّاين، الشلاّل الأكبر في أوروبا، قبل أن نحط هنا. وبعد ترجلنا، لم يستغرقنا الوصول إلى قلب العاصمة المُكتظة، التي تحمل نفس إسم الكانتون، سوى خطوات قليلة.

مع أن الوقت ما زال مبكّراً، إلّا أن المُتبضعين يضُجّون بالحركة على امتداد شارع "فورديرغاسّي" Vordergasse الرئيسي للتسوّق بالفعل، وهم يجتازون مبنى Haus zum Ritter (الذي شُيّد في عام 1492)، أحد الأبنية العديدة في المدينة المشهورة بزخارفها الجصية من فن الباروك، التي تعود إلى عصر النهضة.

يسكن كانتون شافهاوزن الصغير ما يقرب من 80,000 شخص، يشكّلون نحو 1% من سكان سويسرا. وعلى الرّغم من مواكبة الكانتون للزمن في نواح كثيرة (على سبيل المثال، جلبت الحملة الأخيرة لتنويع الإقتصاد، الذي يأخذ مَنحى مدينة زيورخ، شركات متعدّدة الجنسيات إلى المنطقة على غرار يونيليفر (البريطانية الهولندية للسِّلع الإستهلاكية)، إلا أن ذلك لا يحول دون ما يتملك المرء من شعورٍ طاغٍ مؤكَّد للتّراث في هذا المكان.

هذا الأمر ينعكِس بوضوح في موقِف الكانتون تُجاه مسألة التصويت، ذلك أن "كانتون شافهاوزن، هو الكانتون الوحيد في سويسرا الذي يُلزِم مُواطنيه بالتصويت عند الإقتراع وفي الإنتخابات"، مثلما يقول ستيفان بيلغر، مُستشار الكانتونات، الذي يمكن لَمح قلعة "مونو" المدورة - أحد معالم المدينة الرئيسية التي شيِّدت في القرن السادس عشر - من خلال نافذة مكتبه.

وكما أوضح المسؤول الكبير، الذي تتضمّن مَهامّه الإشراف على أصوات الناخبين، فقد أُلغي التصويت الإجباري الذي كان شائعاً في القرن التاسع عشر في بقية كانتونات سويسرا الـخمس والعشرين (25) في سبعينيات القرن الماضي، ولكن الناخبين في كانتون شافهاوزن صوَّتوا مِراراً وتِكراراً ضدّ إلغاء هذه الممارسة.

التصويت الإجباري في العالم

أوروبا الغربية: بلجيكا، لوكسمبورغ، إمارة ليختنشتاين، كانتون شافهاوزن (سويسرا) وقبرص واليونان (غير مطبَّق).

توجد تشريعات إجبارية للتصويت بشكل أو آخر في معظم دول أمريكا الوسطى والجنوبية ولكن بدرجات متفاوتة من التطبيق.

في أستراليا، تم اعتماد التصويت الإجباري في عام 1924، وقد كان في الأساس ردّ فعل على النسبة المُنخفضة لمشاركة الناخبين.

في سنغافورة، تم إدراج التصويت الإلزامي في عام 1959، في حين تمّ تقديمه بعد أعوام عدّة في جزر فيجي وتايلاند في عام 1997.

(المصدر: المفوضية العليا للانتخابات في بريطانيا، والمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية)

نهاية الإطار التوضيحي

ضغط لطيف

"ما يُميِّز التصويت الإلزامي، هو أنه وسيلة لطيفة للضّغط على المواطنين، بُغية الحصول على المزيد من المشاركين في القضايا السياسية"، كما قال بيلغر لـ swissinfo.ch.

وفي ظل نظام الديمقراطية المباشرة، يُدعى المواطنون في سويسرا بِضع مرّات في العام إلى صناديق الإقتراع، للتصويت على قضايا هامة من خلال الإستفتاءات والمبادرات الشعبية. ومن الملاحظ في هذا الصدد، أن إقبال الناخبين في شافهاوزن يزيد عن المتوسط السويسري دائماً بنسبة 15% - 20%. وكمِثال على ذلك، بلغت نسبة التصويت في الكانتون يوم 9 فبراير 2014 بخصوص مبادرة "وقف الهجرة الجماعية"، 70.5%، بالمقارنة مع معدّل 55.8% على الصعيد الوطني.

مع ذلك، يؤكد بيلغر أن هذه النسبة العالية لا تعود إلى الغرامة المالية، ذلك أن الإعفاء من التصويت ليس بالأمر الصعب ولا يتطلّب سوى تقديم عذر معقول لا يتم التحقّق منه، كالتواجد خارج البلد أو المرض، والذي يمكن إدراجه على بطاقة الإقتراع المُرَجَّعة. بالإضافة إلى ذلك، تُمنح مُهلة ثلاثة أيام بعد يوم التصويت لتسليم البطاقة، دون الحاجة إلى تقديم أي عذر.

وطبقا للقانون، لا يُغرّم الشخص المتغيّب عن الإنتخاب مبلغ الفرنكات الثلاث، إلّا عندما يمتنِع عن الإمتثال لجميع ما سبق، وعادةً ما تُضاف الغرامة إلى فاتورة السلطة المحلية في نهاية العام.

وفي جميع الأحوال، تظل هذه التدابير أكثر اعتدالاً بكثير من أستراليا - إحدى الدول (يزيد عددها عن العشرين) التي تتوفّر على قوانين للتصويت الإجباري - حيث تبلغ قيمة الغرامة المالية لمن يُهمل تسليم ورقة اقتراعه 20 دولاراً، ويُمكن أن يؤدّي الإمتناع عن تسديدها إلى مثول الشخص أمام المحكمة.

واجب مدني

وِفقاً للسيد بيلغر، فإن ما يُحفِّز مواطني كانتون شافهاوزن للتصويت، هو احترامهم لأداء واجبهم المدني. ويتّضح ذلك في العدد الكبير من الأشخاص المتوجّهين شخصياً إلى صناديق الإقتراع، مقارنة بالأعداد القليلة للأصوات المُرْسلة عن طريق البريد، حيث "يعتبر الناس أن ممارسة حقّهم في التصويت، هو نوع من الإمتياز، وربما ينظرون إليه بالقليل من الإعتزاز حتى"، على حد قوله.

هذا الشعور كان سائداً في شوارع المدينة إلى حدٍّ كبير: "ما مِن تصويت يفوتني أبداً، كما يصوِّت جميع مَعارفي بدوْرهم أيضاً"، كما قالت سيدة سبعينية وهي ترتقي السلالمِ المؤدِّية إلى قلعة "مونو" Munot وسط مزارع الكروم، وتضيف "نحن كانتون صغير مُتماسِك، والكل يجتمع خلال الإنتخابات. إنه تقليد هنا".

"أنا أصوِّت دائماً ويفعل أصدقائي الشيء ذاته"، كما أخبرنا شاب عشريني وهو يأخذ استراحة قصيرة لتدخين سيجارة في شمس هذا الصباح المُشرق وسط المدينة. كما أنه "من المهِم أن نأخذ الحق في التصويت على مَحمَل الجدّ، لاسيما مع وجود الكثير من الأماكن التي لا تمنحك هذا الحق"، لكن محاورنا اعترف أيضاً بأن الشباب قد لا يكونوا شديدي الإهتمام بالسياسة، بل قد "لا يأتي هذا الإهتمام حقاً إلّا بعد سِن العشرين"، حسب رأيه.

من جهتهم، خرج بعض المُتخلفين عن التصويت بآرائهم إلى العلن، كما فعل رينيه لافيل، صاحب فندق في شافهاوزَن، الذي أجرى التلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية SFR مقابلة معه للإستماع إلى وجهة نظره.

العودة إلى المستقبل؟

حقيقة مضاعفة الغرامة المالية - كجزء من الإصلاح العام لقانون الإنتخابات - بدون أي معارضة في برلمان الكانتون، هي رمزية أيضاً. وكان الشعور سائداً بضرورة تماشي هذا المبلغ [الفرنكات الثلاث]، الذي لم يطرأ عليه أي تغيير لأكثر من 40 عاماً، مع التضخّم الحاصل (والذي كان من شأنه أن يجعل الغرامة 7 فرنكات). وكانت الغرامة المالية قبل عام 1973 ثابِتة عند فرنك واحد فقط لمدة 100 عام.

ومن المُرجّح أن تدخل الغرامة المالية الجديدة المتمثِّلة بـ 6 فرنكات - والتي ستسهم أيضا في تغطية بعض التكاليف المرتبِطة بإدارة نظام الغرامة - حيِّز التنفيذ في عام 2015.

في نفس السياق، قال نوربرت ناينينغر، الناشر ورئيس تحرير صحيفة "أخبار شافهاوزن" Schaffhauser Nachrichten اليومية المحلية، بأن شهية الكانتون للسياسة والمناقشات، تمثل شريان الحياة لصحيفته أيضاً.

"قد يبدو هذا أمراً غيْر عادي، ولكنني لا أعتقد بأن عليك تسهيل عملية التصويت والإنتخاب، لأن هذا الأمر ينبغي أن يكون ذا قيمة في وعْي الأشخاص بطريقة أو بأخرى"، كما صرح ناينينغر لـ swissinfo.ch من مكتبه الواقع على شارع "فوردير غاسّي" Vordergasse.

في السياق، لا يُعير ناينينغر أهمِية كبيرة للتصويت عن طريق البريد، مُفضِّلاً الإدلاء بصوته بشكل مباشر في صندوق الإقتراع، بعد مناقشة القضايا مع الأسرة، على الرغم من تقبّله لحقيقة أن ضغوط الحياة لا تُتيح التصويت بشكلٍ شخصي دائماً. على الجانب الآخر، يجادل بعض المنتقدين مثل جورج لوتز في مقابلة مع التلفزيون السويسري، بأن التصويت الإلزامي لا يعني بالضرورة المزيد من القوّة للشعب.

الناخبون في شافهاوزن لهم عودة ثانية إلى صناديق الإقتراع يوم 18 مايو 2014. ففيما يخص التصويت على الصعيد الوطني، يتصدّر قائمة المواضيع هذه المرّة مقترح يُطالب بوضع حدٍّ أدنى للأجور في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى موضوع مُثير للجدل يتعلَّق بشراء طائرات مُقاتلة جديدة للقوات الجوية، ومُقترح يدعو إلى منع تعامُل مُستغلّي الأطفال جنسياً، الذين تمّت إدانتهم، مع الأطفال مدى الحياة.

أما على المستوى المحلي، فسوف يُسأل المواطنون عن رأيهم بشأن إعادة تنظيم شافهاوزَن. فمن أصل 26 بلدية تشكِّل الكانتون، لا يقيم في 14 منها سوى 1000 شخص أو أقل، ممّا يجعل الإدارة المحلية مُكلفة وغير فعّالة.

وفي هذه المناسبة، لن يُسأل مواطني شافهاوزن حول ما إذا كانوا يريدون الإحتفاظ بالتصويت الإلزامي أو التخلّص منه.

كانتون شافهاوزن

يقع كانتون شافهاوزن إلى أقصى الشمال من سويسرا، تحيطه الأراضي الألمانية بنسبة 80%.

يُعرَف الكانتون بنبيذه الجيّد وبالأخص "بينو نوار" Pinot Noir الأحمر، ولكنه يشتهِر أيضاً بشلاّلات الراين، الشلاّل الأكبر في أوروبا، والذي يستقطِب نحو 3 ملايين زائر سنوياً.

يغطي الكانتون 298 كيلومتراً مربّعاً - أي ما يعادل 0.7% من الأراضي السويسرية.

يبلغ عدد سكان الكانتون نحو 80,000 شخص، يعيش ما يقرب من نصفهم في العاصمة، التي تحمل نفس إسم الكانتون. ويبلغ عدد الأجانب نحو 19,000 شخص.

على مدى السنوات الـ 10- 20 الماضية، عمل كانتون شافهاوزن على زيادة جاذبيته لقطاعيْ الصناعة والتكنولوجيا العالية - منافساً بذلك كانتونات مثل زيورخ وفو وتسوغ. ويمكن العثور على شركات مثل "يونيليفر" (البريطانية الهولندية لإنتاج السِّلع الاستهلاكية)، بوش (الألمانية المتعدِّدة الجنسيات للصناعات الهندسية والإلكترونيات)، ومختبرات أبوت (لصناعة الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية)، كما تقع مقرّات وول مارت (الشركة الأمريكية الأكبر من حيث الإيرادات للبيع بالتجزئة) وجون دير (إحدى كبريات الشركات الأمريكية لصناعة الآلات الزراعية في العالم) في شافهاوزَن.

(المصدر: كانتون شافهاوزن - السياحة في شافهاوزن - swissinfo.ch)

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

×