Navigation

حليمة الورزازي .. 40 سنة في خدمة حقوق الإنسان (2 من 2)

swissinfo.ch

بعد أربعين عاماً من العمل في مجال حقوق الإنسان، تشعر الخبيرة العربية حليمة الورزازي بخيبة أمل مما آلت إليه الأوضاع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 أغسطس 2004 - 15:09 يوليو,

في الحلقة الثانية من الحوار الذي أجرته معها سويس إنفو، تحدثنا الخبيرة العربية التي تركت بصماتها على هذا المضمار، عن تشاؤمها من الواقع السائد اليوم...

تطرقنا في الحلقة الأولى من حديثنا مع السيدة حليمة مبارك الورزازي، الخبيرة في اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان، إلى مسارها المتميز كسيدة عربية ومسلمة ومنتمية إلى العالم النامي، إضافة إلى مساهماتها في بلورة مفهوم "كونية حقوق الإنسان" من خلال مشاركتها النشطة في بلورة مواثيق دولية أساسية.

وفي الجزء الثاني والأخير من الحديث المطول الذي خصت به سويس إنفو، نتعرف على رؤيتها لواقع هذه الحقوق اليوم على ضوء بعض المحاولات الجارية لتغيير قواعد اللعبة، وتسييس محافل حقوق الإنسان، وانتهاج أساليب انتقائية في تسليط الأضواء على أزمات وانتهاكات معينة، وتجاهل البعض الآخر.

سويس إنفو: كان مؤتمر فيينا باعث أمل لدى الجميع دولا متقدمة ونامية، في أن العالم أصبح على أبواب حقبة ستُعتمد فيها معايير عالمية تضع الإنسان في محور الاهتمام. اليوم ما الذي بقي من هذا التفاؤل؟

حليمة الورزازي: يكفي أن تلقي نظرة على عنوان الكتاب الذي ألفته ونُشر في المغرب تحت عنوان "الأمم المتحدة، أو نهاية حقبة ممتعة"، لتعرف عمق خيبة أمل إنسان ناضل طوال حياته لصالح حقوق الإنسان، وفي مواجهة مواقف متصلبة من جميع الأطراف. فقد كانت تحديات مؤتمر فيينا تتمثل في تخوف البلدان الغربية من أن ترفض البلدان النامية عالمية (كونية) معايير حقوق الإنسان، وأن تتبع موقف رئيس وزراء ماليزيا، الذي طالب آنذاك "بمراجعة بنود ميثاق لم نشارك في إعداده". ولكن الحل الوسط الذي عملنا على تمريره، هو دفع الدول النامية إلى القبول بعالمية مبادئ حقوق الإنسان وتأسيس مفوضية لحقوق الإنسان، على أن تقبل البلدان المتقدمة بعدم التمييز بين الحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية. فالبلدان المتقدمة لم تكن ترغب في الحديث لا عن الحق في التنمية، ولا عن الحق في استغلال الموارد الطبيعية من قبل أصحابها، ولا عن الحق في نظام اقتصادي عالمي عادل، أو غير ذلك من مطالب البلدان النامية. ويجب أن أقول لكم بصراحة، إنني متشائمة بخصوص مستقبل حقوق الإنسان، ليس فيما يتعلق بالدول النامية بل العكس، لأن مبادئ حقوق الإنسان ليست حكرا على الدول الغربية، فنحن كمسلمين عرفنا مبادئ حقوق الإنسان مع بداية الإسلام، ولو طبقنا هذه التعاليم كما يجب لكنا أكبر المدافعين عن حقوق الإنسان. لكن تشاؤمي مرده إلى أنه في الوقت الذي بدأت فيه الدول النامية في القبول بعالمية حقوق الإنسان، أصبحت الدول الغربية، التي بالغت في المطالبة باحترام حقوق الإنسان طوال السنوات الماضية، وقدمت لنا دروسا في هذا المجال هي التي تنتهكها اليوم. فهي تقتل وتبيد وترتكب المجازر وتمارس التعذيب. يضاف إلى ذلك أنها لا تسمح لنا كدول نامية بمحاكمتها على هذه الانتهاكات في الوقت الذي سمحت هي لنفسها بمحاكمة دولنا طوال عشرات السنين متهمة إيانا بكل الأوصاف. ولا شك أن عزائي وملاذي هو هذه اللجنة الفرعية التي لازالت تحظى بنوع من الاستقلالية، في التنديد بالانتهاكات أيا كان مصدرها، سواء كانت أمريكية أو فرنسية أو بريطانية أو مغربية. ويكمن الأمل في مواصلة النضال من أجل حقوق الإنسان في عمل اللجنة الفرعية وفي عمل لجان حقوق الإنسان المكلفة بمتابعة تطبيق المعاهدات المختلفة.

سويس إنفو: لكن هناك اليوم خلاف بين لجنة حقوق الإنسان التي تتحكم فيها الدول الأعضاء، واللجنة الفرعية التي هي لجنة للخبراء المستقلين، وهو الخلاف الهادف إلى الحد من صلاحيات اللجنة الفرعية في التطرق للانتهاكات المرتكبة من قبل الدول؟

حليمة الورزازي: هذا صحيح، فقد كنا حتى قبل أربع سنوات كخبراء مستقلين نتمتع بصلاحيات معالجة الشكاوى المرفوعة ضد بلدان بحالها. وكنا نعالجها إما بإمهال الدولة المعنية لتحسين وضعها، أو برفع القضية أمام لجنة حقوق الإنسان لتعريضها للإدانة. ولكن عندما بدأنا في إطار البند 1503 الخاص بالانتهاكات الواسعة، في إدراج أسماء دول غربية في قائمة الدول المنتهكة، وقع تحالف بين الدول النامية والدول المتقدمة من أجل نزع هذه الصلاحيات عنا. ولم يعد لنا الحق اليوم في اتهام دولة بالاسم. كل ما هو متاح أمامنا هو التعرض للانتهاك دون تسمية البلد المعني، وهو ما نرى فيه محاولة لإسكات أصواتنا، ومراقبة طريقة عملنا في مجال حقوق الإنسان. ولكن حتى بدون تسمية البلدان يمكن للإنسان المطلع أن يستشف البلد المقصود عندما نتحدث عن الانتهاكات في حق نقل الأسرى من بلد لآخر، أو عندما نتحدث عن اعتقال بدون محاكمة، أو عن ممارسة التعذيب، أو إساءة معاملة العمال الأجانب. وهناك من الدول الغربية التي ترغب في القضاء النهائي على عمل اللجنة الفرعية، علما بأنها هي اللجنة الوحيدة التي تواصل استقبال ممثلي المجتمع المدني، وتستمع لكل الشكاوى أيا كان مصدرها وطبيعتها، وهي المحفل الوحيد الذي يسمح لممثلي الضحايا بإسماع أصواتهم. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن اللجنة الفرعية تناولت مواضيع لم تجرؤ لجنة حقوق الإنسان على التطرق إليها على الإطلاق. وباختصار يمكن القول إن لجنة حقوق الإنسان لجنة سياسية تُمارس فيها الضغوط والتحالفات السياسية بل حتى التهديدات، وهذا يجعلني كخبيرة لحقوق الإنسان في وضع متشائم تجاه ما يقع اليوم في العالم.

سويس إنفو: وهل هناك محاولات للتفكير في طريقة للخروج من هذا المأزق السائد اليوم؟

السيدة حليمة الورزازي: ليس في استطاعتنا اليوم القيام بذلك، لأنكم تعرفون جيدا أن الذين يمولون نشاطات الأمم المتحدة هي الدول المتقدمة. وتتذكرون ما حدث قبل سنوات في منظمة اليونسكو بخصوص نظام إعلامي عادل، والذي أدى إلى وقف الولايات المتحدة تمويل حصتها في المنظمة. والحل الذي أمام هذه المنظمات الأممية المختصة اليوم إما قبول البعض من هذه الضغوط، أو تعريض نفسها لوقف التمويل ووقف النشاطات والمساعدات وما إلى ذلك.

سويس إنفو: في أجواء متشائمة كتلك التي تحدثت عنها، ما الذي يدفع سيدة مثلك إلى الالتزام بالدفاع عن حقوق الإنسان منذ أكثر من أربعين عاما؟

السيدة حليمة الورزازي: أعتقد انه الإيمان بمصداقية حقوق الإنسان، والاعتقاد بالدرجة الأولى فيما قد تجلبه لشعوبنا التي تعاني الكثير، ومحاولة إيصال أصوات ملايين المهمشين الذين يعيشون في الفقر والأمراض والأمية. وإذا لم ندافع عنهم، من سيقوم بذلك؟

سويس إنفو: على مستوى المواطن العربي، هل تعتقدون بأن هناك تقدما تم تحقيقه في مجال احترام حقوق الإنسان، وبالتالي أن عناءكم لم يذهب هباء؟

السيدة حليمة الورزازي: على مستوى بلدي المغرب أعتقد ذلك. وهذا ليس من باب الدعاية لبلدي بل هو واقع ملموس. إذ يسير المغرب نحو المستقبل، والمستقبل يعني حقوق الإنسان والرفاهية للشعب المغربي. وإنني مرتاحة جدا لاعتقادي بأن العاهل المغربي الشاب، سيدخل التاريخ - المغربي على الأقل - بتبنيه المدونة الجديدة لأحوال الأسرة. وهذه قفزة نوعية رغم احتياجنا للكثير من اجل توعية المواطن لحقوقه ولكيفية الدفاع عنها.

سويس إنفو: على مستوى المواطن العربي، تم مؤخرا في القمة العربية في تونس تبني الميثاق العربي لحقوق الإنسان، كخبيرة عربية كيف تنظرين إلي هذه الخطوة؟

السيدة حليمة الورزازي: هذا يعتبر تقدما مع العلم أنه لا يمكن المبالغة في المطالب في هذا المجال. إذ نعرف جيدا أن هناك بعض الحكومات العربية التي لا زالت منغمسة في بعض التقاليد ،أو أنها تخضع لنفوذ بعض القادة الدينيين مع احترامي لهذه المعتقدات وهذه التقاليد.

ولكن يجب أن نمهل هذه الدول العربية الوقت الكافي، خصوصا وأنها بدأت تظهر بعض الاستعداد للتغيير والإصلاح. وما تم على مستوى الميثاق العربي لحقوق الإنسان هو خطوة كبيرة نحو الأمام مقارنة مع ما كان لحد الآن.

سويس إنفو: بعد هذه الحوصلة عن مسيرة حوالي أربعين سنة من النضال من أجل حقوق الإنسان بإيجابياته وسلبياته، ما هي النصيحة التي تقدمينها للمدافعين عن حقوق الإنسان؟

السيدة حليمة الورزازي: اعرف جيدا أن هناك فرقا بين أن تكون مدافعا عن حقوق الإنسان في مكان به أناس يحترمونك ويقدرونك حتى لو اختلفت الآراء، وبين مدافع عن حقوق الإنسان في الميدان، الذي قد يمارس نشاطه في وسط معاد لا يسمح له بحرية التصرف والتنقل والتعبير. ولكني اعتقد أنه على الملتزم بالدفاع عن حقوق الإنسان أن يكون مسلحا بالإيمان بعدالة قضيته، وأن يحسن طريقة شرح وعرض تلك القضية، وأن يكون متحليا بالصبر، لأنني لا اعتقد في إمكانية التغيير السريع أو بالقوة أو بالعنف.

محمد شريف – سويس إنفو – جنيف

معطيات أساسية

1933: وُلـدت في مدينة الدار البيضاء بالمغرب الأقصى
1957: تخرجت من كلية الآداب
1961: شغلت منصب ملحق ثقافي في سفارة بلادها بواشنطن
1968: شاركت في أول مؤتمر أممي حول حقوق الإنسان في طهران
1973: انتخبت عضوة في لجنة محاربة التمييز ثم رئيسة لها
1991-1993: ترأست اللجنة التحضيرية لمؤتمر فيينا حول حقوق الإنسان
2003: ترأست الدورة 55 للجنة الفرعية لحقوق الإنسان بجنيف

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.