تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حماس والغرب.. هل تُـوجـد آفـاق لحوار حقيقي؟

طوني بلير، مبعوث الرباعية للشرق الأوسط أثناء ندوة صحفية عقدها في القاهرة إثر لقائه مع الرئيس المصري يوم 28 يناير 2009

(Keystone)

تُـثير تصريحات طوني بلير (مبعوث اللجنة الرباعية لإحلال السلام)، التي دعا فيها إلى أن "تكون حماس جزءاً من عملية السّلام"، تساؤلات فيما إذا كان ذلك يعكِـس تحوّلاً في المزاج الدولي، وتحديداً الغربي، من الحركة؟ وفيما إذا كانت حماس قد خرجت أصلب عوداً وأكثر قوّة، سياسياً، أمام المُـجتمع الدولي وفي المحيط الإقليمي؟

المفارقة ذاتُ الدّلالة، أنّ تصريحات بلير تُـمثل "انقِـلاباً" على موقِـفه الشخصي، الذي كان يُـطالب في المرحلة الأولى للحرب على غزّة بإضعاف حماس، لإنجاح العملية السلمية، وإذا به اليوم يرى في مقابلته مع التايمز البريطانية، أنّ عزل غزّة وحُـكم حماس بالحِـصار، لم يُـعطِ أي نتيجة".

على الرّغم أنّ قادة حماس والمقرّبين منها يعتبرون تصريحات بلير، المُـتوازية مع مؤشِّـرات أخرى حول توجّـه غربي وأوروبي للحديث مع حماس، بمثابة اعتراف عالمي واقِـعي بالحركة وبقوّتها على الأرض، فإنّ الحركة في نهاية اليوم، أمام السؤال الأهم: ماذا بعد؟

فثمّـة "فيتو" مُـعلن وحاسِـم يمثِّـل سقفاً لأي حِـوار غربي مع الحركة، يتمثّـل بضرورة الاعتراف بإسرائيل والقَـبول بمسار التّسوية السِّـلمية وشروط اللّجنة الرباعية، ومن دون أن تُـعيد الحركة هيكلة طروحاتها الأيديولوجية والقيام بالاستدارة الإستراتيجية الكبيرة في مواقِـفها السياسية، فإنّ آفاق الحِـوار ستبقى محدُودة ومرتبِـطة بمُـستويات إنسانية أو سياسية ضعيفة، دون الوصول إلى ما يُـمكن تسميته "صفقة تاريخية" مع الحركة، وبصورة أكثر دلالة، لدى العالم الغربي مع الإسلام السياسي الصّاعد في المنطقة.

في المقابل، فإنّ النُّـظم العربية تَـعي تماماً خطورة هذا الانفتاح الغربي وأي دلالة تتضمّنها الصّفقة المُـفترضة، فهذا الموضوع بمثابة الوتَـر الحسّاس لهذه النُّـظم، يُـحاكي "فوبيا" مسكونة فيها، عنوانها: "البديل الإسلامي".

هل يُـمكن أن تتغيّر حماس أيديولوجياً؟

يجيب بالإيجاب على هذا السؤال، عريب الرنتاوي، المعلِّـق السياسي ومدير مركز القُـدس للدراسات، إذ يقول في تصريح خاص لسويس انفو، "إنّ حماس، عملِـيا،ً تتغير"، ويرى الرنتاوي أنّ جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي للسلام، قد أجاب الجواب نفسه، عندما وُجِّـه له هذا السؤال.

ويضيف الرنتاوي أنّ حماس، إن وجدت نفسها في عملية سياسية مُـحكمة، فهي بالتأكيد ستنخرِط فيها وستتغيّـر، لكنها لن تُـعيد تجربة حركة فتح بالتّفريط بحقوق الشعب الفلسطيني ولن تقوم بقفزات في الهواء، إنّما ستسير في هذا الطريق بتدرّج.

ويستدرِك الرنتاوي أنّ هنالك مخارِِج كثيرة أمام حماس لتنال المُـوافقة الدولية والغربية على الحوار، في مقدّمتها تشكيل حكومة وِفاق وطني، تكون حماس طرفاً فيها ولا تضطَـر أن تعترف بإسرائيل مُـباشرة.

ويردّ الرنتاوي على التساؤل عن جدوى الحديث عن حكومة توافُـق وطني، في ظلِّ تجدّر حالة الانقسام الفلسطيني وتصاعُـد الخلافات بين فتح وحماس، بأنّ هذه الحكومة لا تزال مُـمكنة، وهي مطروحة اليوم في وَساطاتٍ داخلية فلسطينية، ويُـمكن أن يكون هنالك "توافُـق فوقي" على إدارة الحكومة السياسية، مع احتفاظ فتح بالضفّة وحماس بغزّة، على الأقل على المدى القريب.

يختلف المعلق السياسي في صحيفة "الغد"، جميل النمري مع الرنتاوي في تقدير مدى وسقف التغيّـر الذي يُـمكن أن تصل إليه حركة حماس، إذ يرى في تصريح خاص لسويس أنفو أنّ "حماس يُـمكن أن تستدرج الغرب للحِـوار والتّـواصل معها برسائل وإشارات مُـعيّـنة للاعتراف بها، لكن لن تصل الأمور إلى حدود المُـقايَـضة الكُـبرى أو الصّـفقة التاريخية بين الطرفين، المبنية على اعتراف صريح وواضح بإسرائيل من قِـبل الحركة على المدى القريب".

ويُـجيب النمري حول الأسباب التي تمنع حماس من هذه الاستدارة الإستراتيجية الكبرى، بأنّ جزءاً منها مرتبِـط بطبيعة التّعبئة السياسية والأيديولوجية التي تقوم بها الحركة مع أفرادها وجمهورها، بالإضافة إلى تحالُـفاتها السياسية الحالية، التي تحُـدّ من قدرتها على المناورة السياسية،ِ وصولاً إلى هاجِـس مسكونة فيه الحركة، يتمثّـل بالحِـرص على عدم استنساخ تجربة فتح والحِـفاظ على مسافة فاصِـلة منها، لحماية مشروعيتها أمام الشارع الفلسطيني، باعتبارها البديل الأيديولوجي والسياسي الذي لا يقبل التّفريط".

في المقابل، لا يستبعِـد النمري أن تصل حماس مع إسرائيل والغرب إلى حالة من "التّعايش الأمني" بين حماس وإسرائيل، وهو ما يُـمكن أن يتِـم الالتقاء عليه، حتى مع اليمين الإسرائيلي، من خلال ما يسمّى بـ "الهدنة طويلة الأمد".

ويقف المحلل السياسي ياسر أبو هلالة، الذي عاد مؤخّراً من غزّة وقد التقى قادة حماس، في موقع المنتصف من الرنتاوي والنمري. فأبو هلالة يُـوافق النمري مبدئِـياً، أنّ حماس، "إن وضعت أمام سؤال الاعتراف المباشر بإسرائيل في سياق الحِـوار مع الغرب، فإنّ الجواب بالتأكيد سيكون لا"، حسب أبو هلالة.

في المقابل يرى أبو هلالة في تصريح خاص بسويس أنفو، أنّ حماس إن وجدت مناخاً حقيقياً للتسوية ودفعاً بهذا الاتّجاه، فإنّ العديد من المعضِـلات يمكن التغلّب عليها بحِـيَـل كلامية ولُـغوية، فهنالك العديد من الفصائل الفلسطينية لم تعترف بإسرائيل، لكنها جزء من منظمة التحرير، التي قامت هي بالاعتراف.

المسألة، بالنسبة لأبي هلالة، ليست مرتبطة بحماس، إنّما بإسرائيل وعدم جدِّيَـتها في منح الفلسطينيين حقوقهم السياسية، فالصّورة التي تملِـكها إسرائيل لهم هي "مشروع الغيتو"، وليس الدولة المستقلة الحيّة على حدود عام 1967.

في المحصِّـلة، لا يرى أبو هلالة أنّه توجد فروق جوهرية بين موقِـف كلّ من حماس وفتح تُـجاه مفهوم الدولة الفلسطينية التي تقوم على حدود عام 1967 وتملك المُـقوّمات الرئيسية، إنّما الحلَـقة المُـفرغة تتمثّـل في الموقف الإسرائيلي بصورة أساسية.

الطريق معبّـدة أم مغلقة؟

يرى الرنتاوي أنّ الطريق معبّدة تماماً للوصول إلى آفاق ومخرجات من الحِـوار بين حماس والغرب. وهنالك اليوم صوت مرتفِـع يطالب بالانفتاح على الحركة والحديث معها، ممّا يثير خِـشية إسرائيل من ذَوبان "الفيتو" الدّولي على الاعتراف بحماس والقبول بها كأمر واقع.

ويرى الرنتاوي أنّ فرنسا ودُولاً أوروبية أخرى، تقود اليوم اتجاهاً أوروبياً للحِـوار مع حماس، وهي الملاحظة التي يؤكِّـدها مراقبون أردنيون التَـقَـوا بوفد أوروبي يعمَـل بصورة غير مباشرة اليوم، على فتح قنوات للحِـوار الغربي مع حماس والانفتاح عليها.

الرنتاوي يرى أنّ الغرب يتحدّث اليوم عن احتواء حماس لا تكسيرها، وهنالك دعائِـم لهذا التوجّه كبيرة من تجربة الصّحوات السُـنية في العراق وحكومة التّوافق الوطني اللّبنانية (احتواء حزب الله)، فضلاً عن تجارب أخرى، كتجربة الشين فين وتحوّلها نحو العمل السِّـلمي.

في المقابل، يطالب الرنتاوي حماس بإعادة النّظر في خِـطابها السياسي والإعلامي، فإذا كانت الحركة ليست على استعداد اليوم للإعلان عن مُـوافقتها على شروط الرّباعية الدولية، فإنّها على الأقل مطالبة بتغيير لغتِـها والحديث بمصطلحات ومفاهيم يفهمها المجتمع الدولي، وتكون أكثر حِـنكة في التّعامل مع المعادلة الدولية والإقليمية.

لا يتفق النمري مع هذه الرّؤية، ويرى أنّ آفاق المستقبل مسدُودة أمام الحِـوار بين الحركة والغرب، ويعلِّـل ذلك بأنّ حماس غير مستعدّة لاقتفاء المسار العقيم نفسه التي اتّخذته حركة فتح وآلت اليوم دون تحقيق أهداف حقيقية للشعب الفلسطيني، فـ "لماذا تتورّط حماس بدفع ضريبة، دون الحصول على ثمن كبير مقابل ذلك"؟!

في سياق مختلف نوعاً ما، يرى أبو هلالة أنّ قادة حماس يميِّزون بين الموقِـف الغربي والإسرائيلي، ويشعر قادة حماس بالامتِـنان لموقف الشارع الأوروبي الذي وقف ضدّ العدوان، وليس لديهم مشكلة مع الغرب، لكن المشكلة هي مع إسرائيل التي لا تريد أن ترى الفلسطينيين يمتلكون دولة قوية.

الأهم، أنّ حماس، وإن كانت معنِـية بالانفتاح مع الغرب وكسْـر القيود الخارجية عليها، إلاّ أنّ مُـعادلتها الرئيسية اليوم، كما يرى أبو هلالة، تتمثّـل في الحفاظ على وجودِها ودورِها في غزّة، فالمسألة بالنِّسبة، لهم قضية حياة أو موت، ولا يوجد ما يخسِـرونه بعدها.

إسرائيل استخدمت مع غزّة أخطَـر أنواع الأسلحة وضربت القِـطاع بأسلحة فتّـاكة، ومع ذلك، فإنّ الحركة لم تنكسِـر سياسياً، ولا تملك اليوم خِـيار التّنازل عن غزّة أو التّراجع إلى الوراء، لأنّها ستدفع ثمناً غالياً، بخاصّة بعد السيطرة على القِـطاع والصِّـراع الدموي الذي حدَث مع حركة فتح.

إذن، أغلب التّحليلات، وإن كانت ترى في المواقف الغربية الجديدة تُـجاه حركة حماس تحوّلاً مُـلفتاً في الموقف الغربي، إلاّ أنّها تختلِـف في تقدير آفاقه ومخرجاته المتوقّعة، وإلى أيْـن ستصل نهاية الطريق!

محمد أبو رمان - عمان

"التقينا خالد مشعل في دمشق"

في موفى شهر يناير 2009، تحوّل جون فرانسوا بونسي، وهو عضو بارز في الاتحاد من أجل حركة شعبية، أكبر الأحزاب الفرنسية، وشغل منصب وزير الخارجية في حكومة ريمون بار (1978 – 1981) ونائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الفرنسي، رفقة السيدة مونيك سوريزيي – بينغيغا (من الحزب الاشتراكي) والعضوة في مجلس الشيوخ، إلى دمشق في إطار مهمّـة قررها مجلس الشيوخ الفرنسي لمتابعة الأوضاع في الشرق الأوسط.

الوفد التقى في العاصمة السورية مع مسؤول رفيع من حركة حماس، وكان مقرّرا أن يتحول إلى إسرائيل، لكن سلطات تل أبيب أعلنت يوم 3 فبراير إلغاء جميع المواعيد المُـسبقة مع الوفد الفرنسي.

صحيفة لوموند الباريزية، استجوبت في عددها الصادر يوم 4 فبراير 2009، جون فرانسوا بونسي، الذي أكّـد أن الوفد التقى خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس في دمشق وأشار إلى أن "حماس لم تعُـد تلك الحركة الثورية والدِّينية، التي يحرص كثيرون على وصفها"، وقال، "إن هذه الحركة تتمتّـع اليوم بجماهيرية حقيقية في صفوف الفلسطينيين، من المُـحتمل أن تزيد عمّـا يحظى به محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية".

وذكّـر بونسي بأن فرنسا وأوروبا لا تعتبران اليوم أن حماس تُـمثل شريكا، لكن سيأتي الوقت الذي سيكون الجميع، بدءً بالأمريكيين، مُـرغما على الاعتراف بالوقائع.

ولدى سؤاله عن ميثاق حركة حماس، الذي ينُـصّ على تدمير إسرائيل، أقرّ جون فرانسوا بونسي بأن حديثه مع خالد مشعل تطرّق إلى هذه النقطة، وقال إنه لم يتحدّث عن التخلّـي عنها، لكنه لم يتطرّق إليها في المقابل، "إنني أعتقد أنها مرحلة وقع تجاوزها اليوم".

وفي ختام حديثه مع لوموند، قال نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي "ابتداءً من اللحظة التي تتموقع فيها هذه الحركة في أفُـقِ تفاوضٍ، فإن ذلك سيكون بالضرورة مع إسرائيل. لا شك أنه لا يقترح الاعتراف بإسرائيل، لكن واقع الدخول في تفاوضٍ، سيكون عسيرا على الفهم، إذا ما لم يستبطِـن الاعتراف بالشريك الذي يجري الحديث معه".

(المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 4 فبراير 2009)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×