تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

دعم سويسري للإنتقال الديمقراطي من أجل "إعلام وطني في خدمة الجميع" في تونس

بفضل الدورات التدريبية والأجهزة التي ساعدت في اقتنائها مؤسسة "إيرونديل" المدعومة من سويسرا، أصبح الصحافيون في جندوبة يتنقلون على عين المكان لأخذ أراء المواطنين في قضايا تخص الجهات التي يقطنونها.

(Benjamin Keller)

تساهم سويسرا في تحديث المؤسسات الإذاعية في بلد الديمقراطية العربية الناشئة، بالشراكة مع مؤسسة إيرونديل. في هذا الإطار، تلقى عشرون مراسلا محليا يعملون في المناطق المهمّشة من البلاد تدريبا خاصا في الأعوام الأخيرة.

"قبل ثورة 2011، كانت الإذاعة التونسيةرابط خارجي وسيلة دعاية. كنا نتلقى المستجدات المتعلّقة بنشاط الرئاسة، ونبثّها كما هي. تغيير العادات السيئة يستغرق وقتا". هكذا يلخّص علي منيف الجلاصي (40 عاما)، مدير إذاعة الكاف منذ أغسطس 2014، وهي واحدة من بين خمس محطات محلية تابعة للإذاعة التونسية الرسمية.

هذا الرجل يعرف جيّدا عمّ يتحدث.. لقد التحق بهذه المؤسسة في عام 1998 كصحفي. ولكي ينجح في "تغيير العادات السيئة"، بإمكان هذا المسؤول الشاب الإعتماد على الدعم السويسري اليوم.

في إطار دعمها لعملية الإنتقال الديمقراطي في تونس، تموّل الكنفدرالية برنامجا أطلقته مباشرة بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، يهدف إلى "الإسهام في تحويل الإذاعة الوطنية إلى وسيلة إعلام في خدمة المواطنين"، على حد عبارة سهيل خيّاطي، المسؤول عن البرامج في قسم التعاون الدولي في السفارة السويسرية في تونسرابط خارجي.

لتحقيق ذلك، تتعاون مؤسسة إيرونديلرابط خارجي، وهي منظمة سويسرية غير حكومية متخصصة في إنشاء وسائل إعلام مستقلّة في مناطق النزاعات مع مؤسسة الإذاعة التونسية. ويقول مارك فيلّورموز، الخبير الإعلامي بهذه المؤسسة في تونس، حيث يعمل هناك رفقة ثلاثة أشخاص آخرين: "نحن نعمل كمرافقين/ مدرّبين هنا، وهو ما يختلف نوعا ما عن الأنشطة التي نقوم بها عادة". وقد سبق لهذا الخبير الفرنسي البالغ من العمر 57 عاما، أن اشتغل على مدى 23 سنة ضمن فريق إذاعة فرنسا، قضى منها 18 عاما مسؤولا عن البرامج في محطات إذاعية محلية.

إيروندال

PLACEHOLDER

وقعت منظمة "إيرونديل" غير الحكومية السويسرية يوم 26 أغسطس في تونس العاصمة معاهدة مع مؤسسة الإذاعة التونسية ستساعد بموجبها أكثر من 100 من صحفيي الإذاعات الوطنية والجهوية على تنظيم تغطية انتخابات المجلس التأسيسي بأسلوب مهني قد يشكل قطيعة مع نوعية الإعلام الذي ساد في عهد الرئيس المخلوع بن علي.

ومن أبرز ما يتضمنه دعم مؤسسة إيرونديل لمُذيعي تونس ما بعد "ثورة الياسمين" التي لم تعرف تنظيم انتخابات حقيقية منذ استقلالها عام 1956، وضع مدونة سلوك، وميثاق انتخابي، وإعداد جدول برامج خاصة بالانتخابات تمنـح الكلمة بوقت متساو لكافة الأحزاب، وتتيح لأبناء الشعب التونسي فرص التعبير عن رأيهم وطرح أسئلتهم على المُرشحين، حتى في أكثر المناطق عزلة في البلاد.

وستصبح تونس بالتالي البلد الإفريــقي السادس الذي ستنشط فيه مؤسسة "إيرونديل" (تعني الخُطاف) السويسرية التي تساعد على بناء /أو دعم إعلام حر ومستقل ومهني في بؤر الأزمات أو المناطق التي تعيش فترات انتقالية في البلدان النامية.

وفي حديث مع swissinfo.ch، أوضــح سامويل توربان، أحد المسؤولين عن المشاريع في وكالة إيرونديل للأنباء، والمشرف على إنجاز مشروع إيرونديل الجديد في تونس حيث ستفتح المؤسسة مكتبا صغيرا في تونس العاصمة، مراحل نشأة ومضمون هذا التعاون، وطبيعة التحديات التي تطرحها مساعي إصلاحية من هذا القبيل.

swissinfo.ch: كيف نشأ مشروع هذا التعاون وما هي خطوطه العريضة؟

سامويل توربان: الأحداث هي التي أملته علينا. فقد تم الاتصال بنا من طرف الرئيس المدير العام لمؤسسة الإذاعة التونسية حبيب بلعيد الذي كان قد عــُيــّن حديثا في هذا المنصب بعد 14 يناير الماضي. وهو كان يعرف مؤسسة إيرونديل وخاصة رئيسها جون ماري إيتير في إطار التبادل بين الإذاعات الفرانكوفونية. وهكذا نشأت فكرة التعاون التي فرضت نفسها في نهاية المطاف.

ويركز المشروع على نقطتين أساسيتين، تتمثل أولاهما في أن مؤسسة إيرونديل ستُقدم الدعم (على مستوى التكوين) للإذاعة التونسية، ولن تخلق بتاتا مؤسسة جديدة؛ لأن الإذاعة التونسية تتوفر بعدُ على شبكة خدمات عامة جيدة جدا تضم في المجموع تسع إذاعات عمومية، منها أربع إذاعات مركزية وطنية (الإذاعة الوطنية، وإذاعة تونس الدولية، وإذاعة الشباب، والإذاعة الثقافية) تغطي جميع أنحاء البلاد، فضلا عن خمس محطات جهوية تغطي ثلاث أو أربع محافظات وفقا لقدراتها التقنية.

أما النقطة الثانية فتتمثل في الدور الذي ستقوم به مؤسستنا، ويتجسد في تقديم المشورة والخبرة والأفكــار علما بأن الطرفين يشاركان في عملية اتخاذ القرار وفقا للمعاهدة التي تربط الإذاعة التونسية ومؤسسة إيرونديل، والتي تنص بوضوح تام على تقرير وتنفذ جميع الإجراءات معا. ومن المهم جدا الإشارة هنا إلى أن مؤسسة إيرونديل لا تمتلك أية سلطة لاتخاذ أي قرار بمفردها أو فرض شيء ما على الإذاعة التونسية التي تحتفظ اليوم بالسيطرة التامة على خطها التحريري.

هل يمكن الحديث عن تفاصيل الدعم الذي ستقدمونه لمؤسسة الإذاعة التونسية؟

سامويل توربان: في مرحلة أولى، سنركز على الإعداد لانتخابات المجلس التأسيسي التونسي التي ستجري يوم 23 أكتوبر القادم، وسنقدم ضمن هذا السياق دعما مُحددا يتمثل في تجهيز الإذاعة التونسية بميثاق انتخابي يكون بمثابة مرجعية (في حال صدور شكاوى عن الأحزاب السياسية وغيرها)، وبمدونة سلوك، وبجدول برامج خاصة بالانتخابات تتم على أربعة مراحل:

 مرحلة ما قبل الانتخابات ستتم خلالها عملية التوعية بعمليات التصويت وشرح مضامين بنود القانون الانتخابي، ثم مرحلة الحملة الانتخابية الرسمية التي ستتواصل من 1 إلى 21 أكتوبر التي يجب الحرص خلالها على تحقيق التوازن عند منح الكلمة لكافة الأحزاب السياسية، تليها مرحلة الاقتراع يوم 23 أكتوبر حيث ستتم تغطية جميع أنحاء البلاد من خلال تعبئة المراسلين والمحطات الجهوية (المذكورة سلفا) في محاولة للوصول إلى المناطق الأكثر عزلة، ولتحقيق الشفافية أثناء عمليات التصويت. أما المرحلة الأخيرة فســتتم ما بعد الانتخابات لإدارة كافة النتــائج والشكاوى المحتملة والممكنة.

ما هي خصائص البرامج التي ستُنجز خلال الحملة الانتخابية؟

سامويل توربان: سنطور في الفترة الممتدة من 1 إلى 21 أكتوبر برامج خاصة حول النقاشات التي تطرح فيها آراء متناقضة، والتي تتطلب إدارة التفاعل بين المتدخلين، بما أننا سنقترب حقا من المواطنين لكي يتمكنوا من طرح أسئلتهم على المرشحين في الانتخابات، كما سيتولى القائمون على هذه البرامج شرح طريقة الاقتراع والتحديات التي يمثلها، لا سيما وأن تشكيل مجلس تأسيسي يظل فكرة معقدة ليس من السهل استيعابها. وبطبيعة الحال، ستتاح إمكانية تقديم كافة الأحزاب والقوائم الانتخابية، وهذا يقتضي منح وقت متساو لكل حزب على حده، وهو شيء يصعب تصوره علما أن البلاد تضم اليوم 105 حزبا، مما يتطلب تجهيزات خاصة.

على ذكر التجهيزات، كم عدد أفراد فريق إيرونديل الذي سيقدم هذا الدعم الذي يبدو هائلا..

سامويل توربان: سيصبح لدينا خبير دائم في تونس العاصمة حيث سنفتتح مكتبا صغيرا. وسيعرض ممثل إيرونديل، وهو تونسي- فرنسي، خبرته على الإذاعات الوطنية، وسيحصل على المساعدة الإدارية واللوجستية من قبل فريق دعم صغير. وستتخلل مهام المكتب بعثات خبراء سيقدمون من إذاعة سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية) ومن راديو فرنسا بحيث سنحاول جلب أكبر قدر من الخبرة من وسائل إعلام مختلفة - بما أن تجربة الأسلوب الانتخابي السويسري تختلف تماما عن الأسلوب الفرنسي أو النمط الكندي الذي سيمثله أيضا خبراء كنديون فرانكوفونيون. وسيــُقضي كل واحد من هؤلاء الخبراء فترة أسبوعين لتنفيذ مهام دقيقة للغاية. كما سنستعين بخبراء من بلدان عربية شاركوا في عمليات انتخابية، وقد يكونون فلسطينيين أو أردنيين، بحيث لم يتم الحسم بعد في هذه المسألة. 

وماذا عن عدد الصحفيين التونسيين الذين سيستفيدون من هذا التكوين؟

سامويل توربان: في المجموع، سيستفيد ما بين 150 و160 صحفي من هذا التكوين، ولكن لن يشارك بالفعل إلا قرابة 100 منهم في تنفيذ البرامج  الانتخابية للمحطات الوطنية الأربع والجهوية الخمس.

تبدو عملية التكوين هاته مهمة جسيمة بما أن الصحفيين التونسيين لم يتمكنوا، شاءوا أم كرهوا، من ممارسة عمل صحفي مهني في ظل حكم زين العابدين بن علي، بماذا ستبدؤون؟

سامويل توربان: ستكون نقطة الانطلاق، وأقولها بدون أية أحكام مُسبقة، من طرف الصحفيين أنفسهم الذين يستنتجون لوحدهم، مثلما استنتجت شخصيا منذ أن بدأت زياراتي إلى تونس في شهر مارس الماضي، بأن الكلمة تحرّرت مع ما يمكن أن يرافق ذلك من تجاوزات. وقد أدت (الانزلاقات) إلى فقدان التوازن وإلى ظهور توترات عندما تحاول هيئات مراقبة إعادة الأمور إلى نصابها، مثل الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال التي تأسست في تونس بعد 14 يناير.

فعندما تبلغ الهيئة بحدوث تجاوزات وانزلاقات، لا يتقبل الصحفيون تلك الملاحظات بصدر رحب بحيث يقولون إنهم يتعرضون (مجددا) للرقابة. فمفاهيم التوازن، وذكر المصادر، والتحقق منها، ليست أشياء مكتسبة وأعتقد أن البداية ستكون الانطلاق من هنا.

ولكن كيف يمكن القيام بانطلاقة جديدة والتمتع بقدر معقول من المصداقية إذا كان العديد من هؤلاء الصحفيين قد كانوا لوقت قريب في خدمة نظام ديكتاتوري؟

سامويل توربان: عليهم اليوم أن يُظهروا بأنهم انتقلوا إلى مرحلة أخرى، واعتقد أن هذا يمر في الواقع عبر تطبيق القواعد الصحفية الأساسية، وإذا ما بذل الجميع جهودا لتطبيق هذه القواعد الأساسية فسيكتسبون تلك المصداقية. وستساعد مؤسسة إيرونديل على تحديد تلك القواعد ضمن الميثاق الانتخابي أيضا.

هل يمكن القول إذن إن الانطلاق من "درجة الصفر" هو بمثابة فرصة في هذه الحالة؟

سامويل توربان: نحن لا ننطلق تماما من درجة الصفر لأن هنالك العديد من المهارات على عين المكان. إنها عملية تجديد أو نهضة بالأحرى. فخلافا لبلدان أخرى ننشط فيها، مثل الكونغو حيث (ساهمت إيرونديل في إنشاء) إذاعة أوكابي وحيث يعتبر المستوى الصحفي الأساسي ضعيفا جدا، يوجد في تونس أشخاص لهم مستوى جامعي ومنهم من استفاد كثيرا من دورات التكوين في الخارج، وخاصة ضمن مؤسسات الإعلام السمعي والبصري العمومية الفرنسية (...)، إنهم أشخاص سافروا وزاروا راديو فرنسا ولديهم معرفة بالمجال، وبالتالي سيمكننا تحقيق تقدم سريع مقارنة مع الكونغو على سبيل المثال.

لكن تلك المهارات كانت مخنوقة لسنوات عديدة؟

سامويل توربان: وهذا ما يفسر الشعور بالإحباط، عندما يُخنق المرء لمدة خمسة وعشرين عاما، مـن الواضح أنه (يصعب عليه)  استئناف عادات أخرى، وبعد الاستمتاع بمرحلة النشوة (على إثر الثورة)، غالبا ما يحدث نوع من الانتكاسة بحيث يعود المرء إلى مكتسبات الماضي، وأعتقد أن الخطر الأكبر في نهاية المطاف، بعد فترة التجاوزات، سيتمثل في (اعتماد) الرقابة الذاتية.

مؤسسة إيرونديل

هي منظمة سويسرية غير حكومية خاصة بالإعلاميين وبالمشتغلين في مجال العمل الإنساني. ومنذ 1995، تقوم هذه المؤسسة على إنشاء وسائل إعلام أو تقدم الدعم والعون لمؤسسات هي موجودة في الأصل، وتحرص على أن تكون هيئات إعلامية مستقلة في خدمة جميع الفئات بدون استثناء، خاصة في المناطق التي تشهد حروبا، أو في المناطق الخارجة لتوها من أوضاع عدم الإستقرار.

تقوم مؤسسة إيرونديل على تطوير وسائل إعلام شعبية، وتحرص على أن تنال هذه الأخيرة ثقة المواطنين في البلدان التي تنشط فيها. كما أنها تولي عناية كبيرة لعامليْ المصداقية والثقة عبر خلق صحافة تتميّز بالحرفية والدقة.

يشرف على المؤسسات الإعلامية التي تنشؤها إيروندال أشخاص هم من أبناء البلد الذي يوجد فيه المشروع، وتكون كل البرامج ما أمكن باللغة الوطنية لذلك البلد.

وتحرص هذه المؤسسة على أن ضرورة تميز الهيئات الإعلامية التي تستفيد من دعمها بالإستدامة، وأن تعمل على أداء دورها الإعلامي والاجتماعي على أكمل وجه.

تدعم إيرونديل حاليا وسائل إعلام في جمهورية وسط إفريقيا، وسيراليون، وليبيريا، والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنزانيا. وسيضاف إلى هذه القائمة الآن الدعم الذي ستقدمه إلى تونس.

 

تهدف المؤسسة، بإذاعاتها الخمس ووكالة الأنباء الخاصة بها، إلى إنشاء أو دعم 15 وسيلة إعلام بحلول عام 2015.

 

في عام 2010، حصلت مؤسسة إيرونديل على دعم من حكومات ألمانيا، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإيرلندا، ولوكسمبورغ، وهولندا، والمملكة المتحدة، والسويد، وسويسرا، والاتحاد الأوروبي، والمنظمة الدولية للفرانكوفونية، وأيضا من قبل شركاء ومانحين خواص، ومن مانحين فرديين.

يتكون فريق مؤسسة إيرونديل من مجموع 213 موظفا حول العالم من حوالي عشرين جنسية: يتواجد 16 منهم في مقر المؤسسة بمدينة لوزان السويسرية، و16 سويسريا يعملون على الميدان، و181 من الصحفيين والمنشطين والتقنيين والإداريين والمتعاونين الوطنيين الذين يعملون بموجب عقد.

في عام 2010، بلغت ميزانية المؤسسة 9 مليون فرنك.

 

(المصدر: الموقع الإلكتروني لمؤسسة إيرونديل)

نهاية الإطار التوضيحي

تركيز الجهد على الإذاعات المحلية 

انطلق المشروع في يوليو 2011. وكانت حصيلته الأولى تدريب الصحافيين لضمان تغطية نزيهة، وتعددية، ومتوازنة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي أجريت يوم 23 أكتوبر 2011 بعد تسعة أشهر من اندلاع الثورة. ومنذ ذلك الحين، تركّزت الجهود على تحديث الإذاعات الجهوية/ المحلية، الواقعة في المناطق الداخلية، التي ظلت مُهملة تاريخيا على عكس المناطق الساحلية في الشمال الشرقي خصوصا. وقد جعلت سويسرا دعم هذه المناطق المحرومة من أولويات استراتيجيتها للتنمية والتعاون في البلاد.

في هذا السياق، أعيد تشكيل غرف الأخبار، وتغيير الهيكلة التنظيمية لإذاعة قفصة (الجنوب الغربي)، وإذاعة تطاوين (الجنوب الشرقي)، وإذاعة الكاف (الشمال الغربي)، كما أجريت دراسات استقصائية للتعرّف على انتظارات المستمعين، وتم إطلاق بعض البرامج الإستكشافية. لقد أعيد النظر في تصاميم الصوت والإيقاع، وفي طرق الإنتقال من برنامج إلى آخر، والحضور على الإنترنت، وكذلك سبل التحكّم والإدارة، فضلا عن أساليب عمل الصحافيين. وهنا يضيف فيلّورموز: "لقد كنّا نشدّد على أهمية النزول إلى الميدان، وهو ما كان مفقودا" في السابق.  

بموازاة ذلك، تم انشاء عشرة مكاتب مراسلين تابعة لمحطات الإذاعات المحلّية لتغطية المناطق الأكثر حساسية. وفي كل واحد من هذه المكاتب، يعمل إثنان من الصحافيين، وهم في معظمهم من الشبان المتخرجين من معهد الصحافةرابط خارجي في الفترة الأخيرة، ومن الذين لا يمتلكون خبرة مهنية طويلة. وقد تلقوا تدريبا عمليا في مواقع مختلفة لعدة أشهر من قبل مؤسسة إيرونديل مدعومة بعدد من المستشارين.

رافقت swissinfo.ch فيلّورموز في زيارة ميدانية إلى المكتب المحلّي بجندوبةرابط خارجي، وهي مدينة صغيرة تبعد نحو ساعتيْن ونصف بالسيارة إلى الغرب من تونس العاصمة، وعاصمة المحافظة التي تحمل نفس الإسم. هذا المكتب الذي افتتح في يناير 2014، يتبع إذاعة الكافرابط خارجي، التي تتعاون معها أيضا مؤسسة إيرونديل. رِفْقة عبيدي (30 عاما) وهشام صغايري (27 عاما)، كانا في الإستقبال بابتسامات عريضة، فلقاء مارك فيلّورموز حدث مُبشّر ويزرع الأمل.

تقع هذه المباني في وسط المدينة، وتشتمل على غرفة بها أستديو للتسجيل، بجانبه يوجد حاسوب والمعدّات اللازمة، وهي مقدّمة من طرف مؤسسة إيرونديل، لتحرير المواد وإرسالها.

يعمل الزميلان الصحافيان ستة أيام في الأسبوع، بتنسيق وثيق مع مكتب إذاعة الكاف، الموجودة في مدينة تحمل نفس الإسم، وتبعد عن جندوبة حوالي 50 كيلومترا. ويشارك هذان الصحافيان يوميا في نشرات الأخبار، وفي برامج أخرى هادفة. كما بات يُطلب منهما بإنتظام اعداد موادّ إذاعية مختلفة لفائدة المحطات المحلية الأربع التابعة للإذاعة التونسية. ويُدفع لهم كأجر شهري 936 دينارا (460 فرنك سويسري)، أي ضعف متوسّط الأجر في تونس.

 مؤسسة إيرونديل

منظمة سويسرية غير حكومية خاصة بالإعلاميين وبالمشتغلين في مجال العمل الإنساني. ومنذ 1995، تقوم هذه المؤسسة بإنشاء وسائل إعلام أو تقدم الدعم والعون لمؤسسات موجودة أصلا، كما تحرص على أن تكون هيئات إعلامية مستقلة في خدمة جميع الفئات بدون استثناء، خاصة في المناطق التي تشهد حروبا، أو الخارجة لتوها من أوضاع تتسم بعدم الإستقرار.

تقوم مؤسسة إيرونديل على تطوير وسائل إعلام شعبية، وتحرص على أن تنال هذه الأخيرة ثقة المواطنين في البلدان التي تنشط فيها. كما تُولي عناية كبيرة لعامليْ المصداقية والثقة عبر تأسيس صحافة تتميّز بالحرفية والدقة.

يُشرف على المؤسسات الإعلامية التي تنشؤها إيروندال أشخاص من أبناء البلد الذي يُوجد فيه المشروع، وتكون كل البرامج ما أمكن باللغة الوطنية لذلك البلد.

وتحرص هذه المؤسسة على أن ضرورة تميز الهيئات الإعلامية التي تستفيد من دعمها بالإستدامة، وأن تعمل على أداء دورها الإعلامي والاجتماعي على أكمل وجه.

تدعم إيرونديل حاليا وسائل إعلام في جمهورية وسط إفريقيا، وسيراليون، وليبيريا، والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنزانيا، والآن تونس.

تهدف المؤسسة، بإذاعاتها الخمس ووكالة الأنباء الخاصة بها، إلى إنشاء أو دعم 15 وسيلة إعلام بحلول عام 2015.

في عام 2010، حصلت مؤسسة إيرونديل على دعم من حكومات ألمانيا، وبلجيكا، والولايات المتحدة، وإيرلندا، واللوكسمبورغ، وهولندا، والمملكة المتحدة، والسويد، وسويسرا، ومن طرف الإتحاد الأوروبي، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وأيضا من قبل شركاء ومانحين خواص، ومن متبرعين فرديين.

يتكون فريق مؤسسة إيرونديل من مجموع 213 موظفا حول العالم من حوالي عشرين جنسية: يتواجد 16 منهم في مقر المؤسسة بمدينة لوزان، و16 سويسريا يعملون على الميدان، و181 من الصحفيين والمنشطين والتقنيين والإداريين والمتعاونين المحليين الذين يعملون بموجب عقد.
في عام 2010، بلغت ميزانية المؤسسة 9 مليون فرنك.

نهاية الإطار التوضيحي

"الناس بحاجة للتعبير" 

في نهاية الفترة الصّباحية، خرج هشام ورفقة للقيام بنقل صوتي مباشر ومطالبة المارة في الشارع بالتعبير عن موقفهم من سلسلة الإضرابات المتكررة التي تهزّ مختلف القطاعات في مناطق متعددة. لم تكن هناك حاجة لقطع مسافة طويلة. على بعد أمتار قليلة من المكتب، طرحا السؤال على مجموعة من الرجال الذين كانوا يحتمون من أشعة الشمس بظلال شجرة، وتجمّع حشد من الناس من حولهما، وتوقّف المارة. الجميع يريد التعبير عن رأيه وشرح شكواه، التي تتجاوز إلى حد كبيرة موضوع الإضرابات المتكررة. رجل عجوز يعرض الفواتير التي تثقل كاهله، تحت أعين طيور اللقلق التي تعشش في المدينة.

تقول رفقة، خلال فترة استراحة قصيرة: "الناس متعبون. هم يشتكون من الفساد، ومن انعدام الأمن الإجتماعي، أو من القدرة على الحصول على مياه".

وتونس التي أصبحت لها حكومة مستقرة بعد الإنتخابات التشريعية والرئاسية التي نُظّمت في موفى عام 2014، تواجه تحديات في جميع المجالات. وعلى غرار بقية محافظات الشمال الغربي، تعاني جندوبة بشكل خاص. ففي هذه المنطقة الزراعية والجبلية، يتجاوز معدّل البطالة 25% مقابل 15% على المستوى الوطني. وتمس نسبة الأمية ثلث السكان هناك. والوضع مناسب لتفريخ التطرّف. فالمنطقة تشهد في فترات متقطعة صدامات واعتقالات بين مسلحين وقوات الأمن.

في الأثناء، لا يُخفي فيلّورموز - الذي اكتفى بمراقبة هذيْن الصحافييْن - ارتياحه وسعادته الغامرة، ويقول: "أنا معجب جدا بعملهما. نشعر بحاجة الناس إلى التعبير. وهناك حاجة ملحة إلى صحافة قريبة من جمهورها". وبعد العودة إلى المكتب، قال فيلّورموز، وهو يتحدّث إلى الصحافيْين: "أنتما لسان حال هؤلاء!". ولا يبعد عن ذلك كثيرا عن الشعار الجديد الذي ترفعه إذاعة الكاف، "صوت الشمال الغربي".

تزايد عدد المستمعين

يبدو أن الجهود المبذولة بدأت تؤتي أكلها. فاليوم، تتصدّر إذاعة قفصةرابط خارجي وإذاعة تطاوينرابط خارجي، وإذاعة الكاف، عدد المستمعين في مناطقها، وتسبق في ذلك المؤسسات الإعلامية الخاصة، وهذا وفقا لاستطلاعات معهد سيغما المتخصص في سبر الآراء.

علي منيف الجلاصي، مدير إذاعة الكاف لا يُخفي سروره بذلك ويقول: "يوجد نفس جديد. فالمكاتب المحلية غيّرت الأشياء فعلا. عندما تطرأ حادثة معيّنة في جندوبة، ننقل الخبر عبر الهاتف. وحضور هذيْن المراسليْن زاد أيضا في حجم تغطية المحطات الوطنية لما يجري في المنطقة، بعد أن أصبح لديها الآن صحافيون محليون على عيْن المكان، ومحيطون بتعقيدات الوضع المحلّي".

حتى الآن، لا تزال رواتب المراسلين العشرين الذين تشرف على تدريبهم مؤسسة إيرونديل مدعومة من طرف البرنامج، إلا أنه سيتعيّن على الإذاعة التونسية أن تتكفّل بتوفير الأجور بنفسها في نهاية المطاف. في الأثناء، تجري مفاوضات للتمديد في هذا البرنامج إلى عام 2017، وتوسيع دائرة المستفيدين منه. ويأمل مدير إذاعة الكاف أن يكون "التغيير الذي حصل مُستداما"، ويضيف: "عندما تقرّر مؤسسة إيرونديل المغادرة، لابد أن نواصل إعادة تنظيم وهيكلة القطاع العام، ولابد من تعزيز القوانين لمنع أي عودة للدعاية".

 سويسرا البلد المانح الوحيد

تجري مفاوضات لتمديد العمل بمشروع الدعم الذي تتلقاها الإذاعة الوطنية التونسية إلى عام 2017. ومن الأهداف المرجوة استكمال تحديث المحطات الإذاعية المحلية، والعمل مع إذاعة صفاقسرابط خارجي وإذاعة المنستيررابط خارجي الواقعتان على الساحل الشرقي، وذلك لإحراز تقدّم مشابه لما حصل في المحطات المحلية الأخرى (قفصة، الكاف، تطاوين).

الخطوات الأخرى المزمع اتخاذها تتعلّق بالصحافيين البرلمانيين العاملين في مقرّ مجلس نواب الشعب وتهيئتهم للعمل في مجال تغطية نشاط هذه المؤسسة التشريعية، ولكن أيضا الإرتقاء بالموقع الإلكتروني للإذاعة الوطنية، وتحسين جودة الصوت، واقتناء معدّات جديدة. وقد خصصت سويسرا لهذا البرنامج منذ شهر يوليو 2011، حوالي 2.5 مليون فرنك، ومن الممكن أن تخصص 1.5 مليون فرنك إضافية. وبعد أن كانت سويسرا أهمّ الجهات المانحة في المرحلة الأولى، أصبحت الآن الممول الوحيد للبرنامج.

عموما، يهدف البرنامج السويسري لدعم الإنتقال الديمقراطي في تونس إلى تمويل مشروعات تنموية وتعاونية في المجال الإقتصادي، وفي ميدان الهجرة والإصلاح الديمقراطي، مع تركيز خاص على المناطق الداخلية المهمّشة. وقد ارتفعت الميزانية العامة لهذا البرنامج من 10 مليون فرنك إلى 25 مليون فرنك ما بين عامي 2011 و2014. ويجري حاليا تنفيذ حوالي 70 مشروعا هناك. 


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك