تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عملية "الجرف الصامد" حرب غزة: فتّـش عن الغاز والنفوذ الإيراني

حرب غزة الثالثة

سُحب من الدخان الكثيف تتصاعد بعد هجوم بالصواريخ شنته إسرائيل على مدينة غزة يوم الثلاثاء 15 يوليو 2014.

(Keystone)

ماذا وراء ثالث غزو إسرائيلي لقطاع غزة خلال ست سنوات فقط، وإلى أيْن يمكن أن يصل مداه؟ هذا السؤال لم يزل يتردّد من دون أن يحصل على جواب شافٍ، منذ اللحظة الأولى لبدء الغارات الجوية والقصف البحري والبري الكثيف قبل أسبوع على هذا القطاع المفقر، والمكتظ بالسكان واللاجئين (نحو 1،7 مليون نسمة)، والذي تخللته مؤخراً عمليات كوماندوس برية متبادلة بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي.


مصدر الغموض يعود إلى التعقيدات الشديدة التي تحيط بالإنفجار العسكري الجديد في غزة، على الصعيدين المحلي والإقليمي، إذ يعتقد العديد من الخبراء بأن حركة حماس لديها العديد من المبرّرات والدوافع التي تشجِّعها على المُضي قُـدماً في المجابهة العسكرية مع إسرائيل، كوسيلة لمحاولة الخروج من سلسلة مآزق وقعت فيها الحركة خلال السنتيْن المنصرمَتيْن.

فهي فقدت مع سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر حليفاً إستراتيجياً ضخماً لعِب دورا كبيراً في دعمها ومساندتها، خاصة خلال الحرب القصيرة التي دامت أسبوعاً عام 2012، حين منحتها وساطة الرئيس محمد مرسي مع إسرائيل بعض المكاسب السياسية واللّوجستية، في مقابل تجديد الهُدنة مع الدولة العبرية.

كما أن حماس خسِرت أيضاً الدّعم الثمين للنظام السوري، بعد أن اضطرت إلى الوقوف إلى جانب الإخوان المسلمين السوريين في معركتهم ضد النظام.

وفي الوقت نفسه، لم تحصد الحركة أي فوائد تُـذكر من اتفاق المصالحة مع حركة فتح، والذي تمخّض عن ولادة حكومة الوحدة الوطنية. فأجور 40 ألفاً من الموظفين الرسميين الذين عيّنتهم حماس في غزة، لم تصل من رام الله منذ شهور عدّة. كما أن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، لم تبذل أي جهد ملموس لانتشال القطاع من ضائقته الاقتصادية الحادة، في وقت يشعر فيه السكان الغزيون بأن فترة حُكم الإخوان المسلمين الفلسطينيين، كانت متعثِّرة سياسياً واقتصادياً وإداريا، وبالتالي، أي معركة مع إسرائيل تخرج فيها حماس غير مهزومة، وإن بأثمان بشرية ومادية باهظة، ستكون برأيها مفيدة، ليس فقط للخروج من ورطاتها، بل حتى لتحسين مواقعها في مواجهة كل من سلطة رام الله والنظام المصري الجديد، اللذين سيشعران بالحَرج الشديد إذا ما واصلت الآلة الحربية الإسرائيلية زرْع الدمار والقتل في أرجاء القطاع.

الأهداف الإسرائيلية

هذا على صعيد حركة حماس، فماذا عن الجانب الإسرائيلي؟ هنا قد تبدو أهداف إسرائيل أكثر تعقيداً بما لا يُقاس، خاصة حين نتذكّر أن تكرار الحكومة الإسرائيلية الحديث عن مسألة الصواريخ الفلسطينية كمبرِّر للانقِضاض على غزة، لم تعد تقنع أحداً، خاصة وأنها كانت نسخة طِبق الأصل من الأسباب التي سيقت لتبرير غزو عام 2008، وبالتالي، يعتقد العديد من المحللين أن هناك ثلاثة أهداف أخرى متّصلة من وراء الهجوم الإسرائيلي الجديد. 

الأول بات معروفاً تماماً وقد أفصح عنه المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم، حين أعلنوا جِهاراً أن أحد أهداف الغزو الجديد، هو تقويض المصالحة بين حركتيْ حماس وفتح، ومنْع تبلوُر الوحدة الوطنية الفلسطينية، خاصة بعد انهيار مفاوضات السلام التي دامت تِسعة أشهر بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية.

لكن، يبدو أن هناك أيضاً أهدافاً إستراتيجية أبعد مدى، تتعلّق بالبيئة الإقليمية الرّاهنة في الشرق الأوسط. ويوضِّح المحللون هنا أن منطقة الهلال الخصيب (التي تشمل سوريا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين)، تشهد منذ عام 2011 ما يمكن أن يكون هجوماً معاكساً وشاملاً ضد النفوذ الإيراني فيها. فقد تمّ تفتيت هذا النفوذ في سوريا، بعد أن كان أهَم قاعدة متقدّمة لإيران في شرقي المتوسط. وحدث الأمر نفسه في العراق، حيث أدّى الانهيار المفاجئ للجيش العراقي في المُوصل وباقي مدن الشمال، إلى تقويض فِعلي للنفوذ الإيراني في نصف مساحة الوطن العراقي تقريبا. والآن، جاء دور تقليص نفوذ طهران في قطاع غزة، الذي كانت تعتبره هذه الأخيرة، جنباً إلى جنب مع دوْر حزب الله في جنوب لبنان، مدخلها إلى خوض الحروب الأيديولوجية والجيو - سياسية ضدّ "الشيطانيْن، الأكبر (أمريكا) والأصغر (إسرائيل) في الشرق الأوسط، وِفق التعابير الإيرانية.

فتّش عن الغاز

لكن، قد يكون هناك هدف آخر لا يحظى بتغطية إعلامية كافية وراء الغزو الإسرائيلي الجديد: الغاز وحروب الطاقة في شرق المتوسط.

في عام 2007، أي قبل عام واحد من الهجوم الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة في إطار عملية "الرّصاص المصبوب"، قال الجنرال موشي يعالون، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، الذي كان آنذاك رئيساً للأركان، إن "أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية حول حقول الغاز (قبالة سواحل غزة) ستستفيد منه حماس، وإلا فإنها ستعمد إلى تدمير منشآت الغاز أو مهاجمة إسرائيل أو السلطة الفلسطينية أو تفعل الأمور الثلاثة معا. ولذا، من الواضح أنه من دون عملية عسكرية شاملة لتقويض سيْطرة حماس على غزّة، لن يكون بالإمكان القيام بعمليات تنقيب، إلا بموافقة هذه الحركة".

ويضيف إلى ذلك مارك تيرنر، مؤسس "مبادرة أبحاث الصحافة، قوله أن "حِصار غزة وما رافقه من ضغوط عسكرية على القطاع، كان هدفه في الواقع إزالة حركة حماس ككِيان سياسي، بهدف توليد مناخ سياسي يؤدّي إلى صفقة غاز حول الحقول الفلسطينية".

والحال، أن مسألة الغاز والنفط باتت مُلِـحّة مؤخراً في إسرائيل، بعد أن تبيّن أن كميات الغاز في حقليْ ليفياثان (الذي يغطّي مساحة 83 ألف كيلومترا شرقي المتوسط) وتامار، لن يكونا كافييْن لإسرائيل، لا من ناحية الاستهلاك ولا التصدير. وقد أرسل كِبار العلماء الإسرائيليون رسالة إلى حكومتهم قبل أيام قالوا فيها، إن كل كميات الطاقة المكتشفة لن تلبّي سوى 50 في المائة من حاجيات التصدير الإسرائيلية، هذا ناهيك عن أنها ستنضب قبل عام 2040، لا بل حذّر هؤلاء من أن الدولة العِبرية ستتعرّض إلى أزمة طاقة حادّة خلال السنوات القليلة المقبلة.

وهنا، برزت بالنسبة إلى إسرائيل أهمية حقول الطاقة الفلسطينية الكبيرة كما يُعتقد قُبالة سواحل غزة، التي تشكِّل امتداداً طبيعياً للحقول الإسرائيلية، جنباً إلى جنب مع الحقيقة بأن ثروات الغاز التي تبلغ 122 تريليون قدم مكعّب و1،6 مليون برميل نفط في حوض شرق المتوسط، تكمُن كلها في مياه إقليمية متنازَع عليها بين كل من إسرائيل وسوريا ولبنان وغزة وقبرص.

كان مثيراً في هذا الإطار، أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في فبراير عام 2011 (أي مجدّدا قبل الضربة العسكرية لغزة عام 2012) أنه "آن الأوان لإبرام صفقة الغاز في غزة"، ملمِّحا بذلك إلى ضرورة "إزالة العقبة التي تقف في طريق هذه الصفقة"، وهي حركة حماس.

وتلخِّص صحيفة "الغارديان" البريطانية كل هذا الصَّخب في مجال حروب موارد الطاقة بالكلمات المعبِّرة التالية: "بالطبع، لا يدور كل الصِّراع الفلسطيني - الإسرائيلي حول الموارد. لكن في عصر الطاقة باهِظة الثمن، فإن التنافس للسيطرة على الوقود الأحفوري الإقليمي، يؤثر بشكل متزايد على القرارات الحاسمة التي قد تقود إلى الحروب.

إلى أين؟

نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: حرب غزة الجديدة إلى أين؟ لا ريب أن هذه الحرب ستنتهي كما انتهت سابقاتها، أي بهُدنة جديدة، سواء جرت عملية اجتياح برّي إسرائيلي أم لم تجر. لكن ما قد يجعل هذه الحرب طويلة نسبياً، ومدمٍّرة كثيرا، هي شعور إسرائيل (وعن حق) بأن الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسية في المنطقة (من مصر إلى السعودية مروراً بالولايات المتحدة)، لا تمانع في توجيه ضربات قاتلة لحركة حماس. هذا في حين أن حماس تظن هي الأخرى بأن صمودها وقتالها يمكن أن يحقّقا لها خروجاً، ولو جزئياً، من عزلتها القاتلة، وهذا ما قد يدفعها هي الأخرى إلى مواصلة المجابهة.

هذه العوامل، مضافاً إليها عوامل الغاز والنفط والصراع ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، ستجعل غزة مجرّد حلقة من حلقات الانفجارات التي بدأت في سوريا وامتدت إلى العراق، وقد تشمل قريباً لبنان والأردن، في حين أن الصراع الذي لا يزال خفياً حتى الآن حول حقول الغاز والنفط الشاسعة، الممتدة من سواحل مصر إلى منطقة سيحان في تركيا، قد تكون الوقود الذي يؤجِّج كل الحروب الرّاهنة واللاحقة في منطقة الشرق الأوسط برمّتها. 

×