لجنة التحقيق الأممية "جرائم تصدم الضمير تُقترف يوميا في سوريا"

سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق في سوريا (على اليمين) إلى جانب عضوة اللجنة السويسرية كارلا ديل بونتي في الندوة الصحفية التي عقدتها اللجنة يوم 3 يونيو 2013 في قصر الأمم بجنيف.

سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق في سوريا (على اليمين) إلى جانب عضوة اللجنة السويسرية كارلا ديل بونتي في الندوة الصحفية التي عقدتها اللجنة يوم 3 يونيو 2013 في قصر الأمم بجنيف.

(Keystone)

في أحدث تقرير لها، أكدت لجنة التحقيق في سوريا المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان ارتكاب حوالي 17 مجزرة في الفترة الأخيرة يُنسب بعضها للقوات المعارضة والغالبية للحكومة. اما عن استخدام اسلحة كيميائية فقد اعترفت اللجنة بوجود أدلة عن استعمالها "بكميات محدودة" ولكن من غير المعروف طبيعتها او من أطلقها.

مرة أخرى تظهر المجموعة الدولية ومحافلها الأممية عجزا عن التأثير فيما يجري في سوريا من قتل وتدمير، في انتظار ما قد تسفر عنه محاولات القوتين العظميين فيما يعرف باجتماع جنيف 2 الذي ستُعقد جلسة تحضيرية بشأنه يوم 5 يونيو في جنيف مقتصرة على ممثلين من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة.

في هذا السياق، جاءت اللهجة التي استخدمها السيد باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق حول الإنتهاكات المرتكبة في سوريا معبّرة عن هذا العجز الأممي عندما صرح أمام أعضاء مجلس حقوق الإنسان يوم الثلاثاء 4 يونيو 2013 أن "جرائم تصدم الضمير تُرتكب يوميا في سوريا"، ومؤكدا أن "الإنسانية هي ضحية هذه الحرب".

مجازر بالجملة

في الفترة التي شملها تحقيق اللجنة (أي ما بين 15 يناير و 15 مايو 2013)، ورد في التقرير أنه تم "تسجيل 17 حادثا يُحتمل أن يُطابق تعريف المجزرة"، مع الإشارة إلى "ثبوت نية القتل الجماعي العمد في بعض الحالات وتأكد هوية الجاني في البعض الآخر، في حين لا تزال حالات أخرى قيد التحقيق".

من الأمثلة التي ساقتها اللجنة عن مجازر أو حوادث ارتكبتها القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها عدد التقرير: الهجوم الذي تم على مدينة الصنمين في 10 ابريل 2013 بعد الإستعانة بمقاتلي حزب الله، حيث تم استهداف المدنيين الفارين من الهجوم وقتل 11 من افراد أسرة السلطان محمد العتمة وسبعة أفراد من اسرة محمد النصار.

الهجوم الذي تم ضد مدينة البيضاء وحي سكني في بانياس في 3 مايو 2013 خلّف طبقا لصور تلقتها اللجنة عشرات الجثث من الأطفال والنساء. وتقول اللجنة في تقريرها: "إن الأدلة التي تم جمعها لحد الآن تشير الى أن الجناة هم من الميليشيات التابعة للحكومة".

تقرير اللجنة أفاد بأن المجاز التي تم التأكد منها لحد الآن، والتي تورطت فيها الجماعات المسلحة المناهضة للنظام هي واحدة، وقد حصلت في دير الزور على يد "جبهة النصرة" حيث تم إعدام 11 رجلا بطلقة نارية في مؤخرة الرأس. وجاء في نص التقرير أن "زعيما معروفا لجبهة النصرة في المملكة العربية السعودية يدعى قسورة الجزراوي  أطلق النار على الرجال الذين كانوا أمامه جاثمين على ركبهم، ومربوطي الأيادي ومعصوبي الأعين، والذي أعلن أنه كان ينفذ  حكما صادرا عن المحكمة الشرعية للمنطقة الشرقية في دير الزور".

من جهة أخرى، أشارت اللجنة في تقريرها أيضا إلى "مواصلة التحقيق في باقي الحالات التي حصلت في كلّ من: قرية آبل، البرج، طريق طرطوس - حمص، جديدة الفضل، نُبّل، خربة السوداء،  وإعدام سجناء في ثلاث محافظات".

ديل بونتي: "وقت المحاسبة سياتي عاجلا أم آجلا"

شددت لجنة التحقيق، وبالأخص رئيسها السيد بينهيرو على أن "سوريا في حاجة الى هبة دبلوماسية وليس عسكرية"، في إشارة الى الجهود المبذولة لعقد مؤتمر جنيف 2 لإيجاد تسوية سياسية للأزمة القائمة في سوريا، في حين أشار التقرير إلى أن اللجنة "توصلت الى قناعة مفادها أن خطورة الجرائم التي ارتكبتها القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة، وانتشار هذه الجرائم، واستمرار ارتكابها بمعدلات مفزعة، كل ذلك يعزز توصية اللجنة بضرورة الإحالة الى العدالة على المستويين الوطني والدولي".

وفي إشارة الى إمكانية تجاهل موضوع المحاسبة في الإجتماع المرتقب تنظيمه في وقت لاحق في جنيف، جاء في التقرير أن "المساءلة لم تجد مكانا لها ضمن المناقشات المتعلقة بإمكانية تنظيم مؤتمر دولي. وربما تدل الجهود الدبلوماسية المبذولة في هذا الصدد على خطوة هامة نحو الخروج من المأزق الذي تعيشه سوريا، ولكن ضرورة وقف العنف لا يمكن أن تحجب الحقيقة المتمثلة في استحالة تحقيق سلام بدون عدالة".

وفي ردها على سؤال طرحته swissinfo.ch خلال الندوة الصحفية، أوضحت كارلا ديل بونتي، عضوة اللجنة والقاضية السويسرية والنائبة العامة السابقة لدى المحكمة الجنائية الدولية أن "تعيين اللجنة من قبل الدول الأعضاء في الأمم  المتحدة للتحقيق بخصوص مرتكبي الجرائم من مسئولين عسكريين وسياسيين، هو أمر إيجابي في حد ذاته" مضيفة بأن "الخطوة القادمة تتمثل في تحقيق العدالة. ولكن يجب أن نبقى متفائلين... لأن وقت المحاسبة سياتي إن عاجلا أو آجلا"، على حد قولها.

"أسباب معقولة لاستخدام أسلحة كيميائية"

بخصوص إمكانية استخدام الأطراف المتنازعة في سوريا لأسلحة كيميائية في الهجمات، أكدت لجنة التحقيق في تقريرها بأن "هناك عدة ادعاءات بخصوص استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل كلا الطرفين. وأغلب هذه الإدعاءات تتعلق باستخدام القوات الحكومية لتلك الأسلحة".

في أربع حالات (وهي: خان العسل (حلب) في 19 مارس، والعتيبة (دمشق) في نفس التاريخ، وحي الشيخ مقصود (حلب) في 13 ابريل، وسُراقب (إدلب) في 29 ابريل)، أشارت اللجنة إلى أن "هنالك أسبابا معقولة للإعتقاد بأن كميات محدودة من المواد الكيميائية السامة قد استخدمت، لكن لم يتسن بناء على الأدلة المتاحة أن تحدد بدقة المواد الكيميائية المستخدمة أو نُظم استخدامها، أو المسؤولين عن استخدامها". إضافة إلى ذلك، أشارت اللجنة إلى "مواصلة التحقيق في حالات أخرى".

جرائم من كل الأنواع  ومن الطرفين

للمرة الأولى، أسهب التقرير في تعداد كل الإنتهاكات المرتكبة من جانب طرفيْ صراع "بدأ يأخذ المنحى الطائفي أكثر فأكثر... وبلغ مستويات جديدة من الوحشية"، حسب رأي اللجنة. وقد تناول التقرير بإسهاب حالات أعمال القتل غير المشروع، والتوقيف والإحتجاز التعسفي، وأخذ الرهائن، والإختفاء القسري، والتعذيب، والإعتداء الجنسي، وانتهاك حقوق الطفل، ونهب الممتلكات، وتدمير المعالم الأثرية.

إضافة إلى ذلك، أشار التقرير بوضوح إلى البعد الإقليمي للصراع في سوريا وتورط جهات خارجية فيه، وتأثيراته على الإستقرار في البلدان المجاورة. إذ أشار إلى "تأكيد أمين عام  حزب الله اللبناني وبشكل علني تدخل مجموعته في النزاع الى جانب الحكومة السورية، في حين دعا بعض رجال الدين السنة المتطوعين  وقاموا بتجنيدهم  للقتال في سوريا. أما إعلان جبهة النصرة ولائها لتنظيم القاعدة ، والإعتراف العلني بتعاون هذه المجموعة مع "دولة العراق الإسلامية"، فهي مسائل تثير القلق بشأن تورط سوريا في قضية الجهادية العالمية".

من بين هذه التداعيات الاقليمية أيضا "انفجار سيارتين مفخختين في الريحانية بمحافظة هاتاي التركية، وإثارة نقاش مكثف بشأن سياسة الحكومة التركية في سوريا"، وإعراب الأردن عن مخاوفه حيث أن "وتيرة توافد اللاجئين السوريين قد تمثل تهديدا للإستقرار في المستقبل"، إضافة إلى "استهداف إسرائيل ما يُزعم أنها شحنات أسلحة متجهة الى حزب الله وغيرها من المناطق في سوريا، وتبادل إطلاق نار على هضبة الجولان".  

وبخصوص الدعم العسكري الذي تقدمه بعض الدول إلى كلا الطرفين، أشار رئيس اللجنة في خطابه أمام مجلس حقوق الإنسان إلى أنه "من الوهم الإعتقاد بأن مزيدا من الأسلحة سيعمل على اختلال الموازين بين الأطراف، إذ لا احد بإمكانه الإنتصار في هذه الحرب. كما أن تقديم مزيد من الأسلحة سوف لن يؤدي إلا إلى إضافة مزيد من القتلى والجرحى المدنيين".   

swissinfo.ch

×