كيف يُمكن تعزيز الثقة في التقنيات الجديدة؟

عبر اعتماد نهج متعدد الأطراف وعملي، تهدف الشهادة السويسرية للثقة الرقمية ( (Swiss Digital Trust Label) إلى تعزيز الاستخدام الواعي للتقنيات الحديثة لدى الجمهور. 123rf.com

أبرزت الأزمة الصحية الناجمة عن فيروس كورونا المستجد أهمية تعزيز ثقة المستخدمين بالتقنيات الجديدة، ومن شأن الشهادة السويسرية للثقة الرقمية أن تسهل هذه المهمة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,
سارة إبراهيم

في هذا العصر الرقمي، وبشكل غير مسبوق، تهيمن مسألة "الثقة" على مناقشات التكنولوجيا ، وليس أمام التقنيات الحديثة لكي تكون ناجحة وفاعلة سوى أن تغرس الثقة في وجدان المستهلك، الأمر الذي ينبني عليه الاستهلاك كما يتأسس عليه التأثير الحقيقي للتكنولوجيا في المجتمع.

ولآلية الثقة تأثير حتمي على تصميم وتطوير المنتجات والخدمات المبتكرة، وقد رأينا كيف أدت الأزمة الوبائية الأخيرة إلى تأجيج الصراع الأزلي بين الأخلاق والاختراعات وجعلت المجتمع في قلب الحدث، ثم جاء التطبيق الرسمي لتتبع فيروس كورونا، والذي هو بلا شك رهن لاستخدام أكبر عدد ممكن من السكان ، وإلا كانت جدواه على المحك.

كيف يُمكن الجمع بين الابتكار والأخلاق؟

لقد أصبحت الثقة شرطًا أساسيًا للابتكار ولم تعد مجرد نتيجة، وهذا يعمّق التفكير بشأن أخلاقيات التقنيات الناشئة ومدى موثوقيتها، باعتبار أن كلا الأمرين متلازمان ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما لاسيما في عالم الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية. وبناء عليه، هل يمكن أن تكون لدينا ابتكارات ندمج فيها المبادئ الأخلاقية منذ المراحل الأولى للمشاريع المستجدة؟ وما هي المعايير والقواعد الواجب اعتمادها لحماية المستخدِم دون إعاقة عملية الابتكار؟

بالفعل، هناك تخوف من أن تتسبب "كثرة القواعد" في إعاقة التحول الرقمي للمجتمع وفي عرقلة الابتكار، وهذا مثار نقاش في الأوساط الأكاديمية والاقتصادية والصناعي. ففي عام 2014، نشرت المفوضية الأوروبية دراسة حول العلاقة المعقدة والغامضة بين النظُم والابتكار، وأشارت إلى أن انعدام اليقين التنظيمي، وفي ظل ظروف معينة، قد يشكل عامل تحفيز وفي نفس الوقت عامل تثبيط للإبتكار.

وبوجه عام، أظهرت الدراسة أن غياب اليقين أو الاستقرار في النظم قد يُعيق الابتكار بشكل كبير، خاصة عند الحاجة إلى استثمارات كبيرة في مجال البحث والتطوير.

ومن وجهة نظر جان دانييل ستروب، أحد مؤسسي المختبر السويسري للابتكار الأخلاقي "ايثيكس Ethix" المدعوم من صندوق "ميغرو" للتطوير، أن اعتبار الأخلاقيات لا يعطل الابتكار، وإنما بالعكس يساعد في تطوير تقنيات أكثر استدامة، من خلال تحسيس الجهات الفاعلة الرئيسية بمخاطر التقدم غير المسؤول، وأنه قد ينعكس سلبا على السمعة، والاعتبارات القانونية، والأثر على المجتمع المدني.

ترمي هذه الشهادة إلى ضبط عدم التناسق بين المعلومات والمسؤوليات القائم حاليا بين الأفراد والاقتصاد

نينيان بايفغِن، مديرة المبادرة الرقمية السويسرية 

End of insertion

وأكد ستروب لـ swissinfo.ch أنه: "لا يمكن للشركات اليوم أن تُعفي نفسها من الاعتبارات الأخلاقية للابتكارات وأمامها فرصة البحث المبكر عن الاستثمارات بالتوافق مع هذا التوجه، ويتعيّن عليها أن تكون على وعي بقائمة المخاطر الأخلاقية التي تتيح مواكبة مجتمع يتطور باستمرار"، ومما يُقصد بالمخاطر على سبيل المثال التمييز غير المتعمد ضد فئة معينة من المستخدمين والذي ربما يفضي إلى إضرار بالسمعة لا يمكن تداركه، خاصة وأنه "في مجال الابتكار، يكثر رصد عيون المستهلكين للشركات"، كما يقول ستروب.

شهادة الثقة الرقمية السويسرية

لو أمكن للتقييم العملي لمخاطر التطور التكنولوجي، المجافي لقيم المجتمعات الديمقراطية والليبرالية، أن يفضي بالشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة إلى احترام القيم الأخلاقية، في بلاد الغرب على الأقل، عندئذ يبقى التحدي الأكبر في القدرة على ترجمة السجالات الكلامية إلى واقع ملموس يمكنه إحداث تحول إيجابي في كامل النظام.

ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة المبادرة الرقمية السويسرية، التي تم تقديمها خلال القمة العالمية الرقمية السويسرية الأولى في سبتمبر 2019، وأطلقت مشروعها الأول "شهادة الثقة الرقمية السويسرية" أو "Swiss Digital Trust Label" في نهاية العام الماضي، بهدف تعزيز الاستخدام الواعي للتكنولوجيات المستجدة، من خلال نهج متعدد الأطراف يتسم بطابع عملي.

وأوضحت نينيان بايفغِن، مديرة المبادرة الرقمية السويسرية، أن الأساس في الفكرة هو إتاحة وفرة من المعلومات للمستخدمين حول الخدمات الرقمية، مع تحقيق الشفافية وضمان احترام القيم الأخلاقية.

وأضافت: "نريد في نفس الوقت، المساهمة من أجل ضمان أن يصبح السلوك الأخلاقي والمسؤول ميزة تنافسية للشركات، وأن تتمكن هذه الشهادة من ضبط عدم تناسق المعلومات والمسؤوليات الموجود حاليا على مستوى الأفراد والاقتصاد"، على حد قول بايفغِن لـ swissinfo.ch.

بناء علاقة ثقة مع المستهلكين

على المستوى الدولي، ظهرت عدّة مبادرات مماثلة، وفي سويسرا، أطلق المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان المشروع، ويتم تنفيذه حاليا عبر تعاون متعدد التخصصات من قبل مجموعة خبراء من المعهدين التقنيين الفدراليين العاليين في زيورخ ولوزان ومن جامعتي جنيف وزيورخ، بالإضافة إلى العديد من المنتمين إلى عالم الصناعة والتابعين لشبكة سويسرا الرقمية "ديجيتال سويتسيرلاند Digitalswitzerland".

ومن خلال المسودة الأولى التي وضعها فريق الخبراء، ذكروا مائة وعشرين معيارًا لبناء الثقة في البيئة الرقمية، والتي على ضوئها تمنح شهادة "الثقة الرقمية السويسرية"، وترتكز هذه المعايير على أربعة أسس هي: الأمان وموثوقية الخدمة والإدارة العادلة للبيانات والتفاعل المسؤول مع المستخدمين، وهي أسس تم تحديدها من خلال دراسة تحليلية للمعايير والشهادات الحالية.

ويشارك في المشروع أيضا المختبر السويسري للابتكار الأخلاقي، وهذا يساعد على تحديد الأسس والقواعد الأخلاقية لاسيما وأنه، "أصبح وعي المستخدمين بمسألة الشفافية وما تنطوي عليه يتزايد ، والهدف من الشهادة الرقمية هو بناء علاقة ثقة بين الجهات الفاعلة في الاقتصاد الرقمي والمستهلكين"، وفق قول جان دانييل ستروب.

هل يمكن الوثوق بالشهادة؟

من ناحية ، يمكن للشهادة أن تحفز الشركات على التعامل بمسؤولية حتى لا يتم استبعادها من السوق، ولكن يبقى، من الناحية الأخرى، السؤال مطروحا حول كيفية ضمان عدم تحول المبادرة إلى مشروع تجاري.

تؤكد بايفغن أن "المبادرة الرقمية السويسرية منظمة غير ربحية، ومهمتنا هي تقديم محتوى عالي الجودة وإتاحة الفرصة أمام اللاعبين الدوليين للارتقاء درجة إلى أعلى"، واستشهدت بالمباحثات الجارية من أجل ربط علاقات مؤازرة مع المنظمات الدولية مثل معهد المهندسين الكهربائيين والإلكترونيين والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ولا تزال الشهادة في مرحلة الانضاج، ومؤخرا أجريت مشاورات عامة كتمهيد لحوار مفتوح يُتوقع عقده بين ربيع وصيف عام 2021، كما أن هناك أيضا مسائل هي من صلب المشروع لم يتم البت فيها بعد، مثل تكلفة الحصول على الشهادة، وضمان الموضوعية والشفافية في منحها، وكيفية استثمار الأرباح.

وجدير بالذكر، أن المبادرة الرقمية السويسرية تعتمد في تقييم استيفاء المعايير على جهات من خارجها مختصة ومستقلة، كالشركة العامة للرقابة "SGS Société Générale de Surveillance" ، وهي شركة سويسرية متعددة الجنسيات تتخذ من جنيف مقرا لها وتتمثل مهمتها في توفير خدمات التفتيش وإصدار الشهادات. فهل بإمكاننا بعدئذ الوثوق بشهادة؟

مبادرة قد تعمل بشكل جيّد جدًا أو سيئ جدًا

من جانبها، رحبت البروفيسورة إيفي فايينا، مديرة مختبر الأخلاق والسياسة الصحية في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ بالمبادرة، إلا أنها شددت على ضرورة إرساء المعايير الصحيحة الكفيلة بضمان فعاليتها، قائلة: "البراغماتية والجدوى، أمران أساسيان في اختيار المعايير، والمبادرات من هذا النوع يمكن أن تعمل بشكل جيد جدًا أو سيئ جدا، بحسب الأسلوب الذي تنتهجه، وعلينا أن ننتظر لنرى كيف سيتم تطوير هذه الآلية، وما إذا سيكون لها تأثير حقيقي على المجتمع أم لا". 

وثمة قضية أخرى ينبغي أن لا تغيب عن البال، وهي حالة عدم الثقة السائدة بين المرتابين بشأن تحوّل الشهادات إلى مشاريع ربحية، ومعها الخوف من حصول ارتفاع في الأسعار على حساب المستهلك. "طيّب! ما هو البديل؟" سؤال طرحه كريستوف هايتس، رئيس التحالف السويسري للخدمات كثيفة البيانات، والمترأس لمشروع إنشاء مدونة أخلاقية للأنشطة المعتمدة على البيانات.

من وجهة نظر هايتس، فإن فكرة الشهادات إنما جاءت في الأساس من أجل استحداث فعاليات إيجابية داخل المجتمع، دون الحاجة بالضرورة إلى قوانين ملزمة، ويقول: "لا يمكن للشهادات أن تحل محل القوانين، ولكن في نفس الوقت لا يمكن للتشريعات أن تعالج جميع المشاكل، وأعتقد أن الشيء الجيّد في هذه المبادرات هو أنها تنمي الوعي وتضبط المعايير".

مع ذلك، يصعب في ظل إطار تنظيمي غير مؤكد بل وحتى غير موجود، معرفة ما إذا كانت المبادرات الأخلاقية يمكن أن تشكل منعطفا حقيقيا في واقع المجتمع. ولكن ما الذي قد يحصل يا تُرى لو أن الأفكار الجيّدة تلتقي يوما ما مع القوانين الجيّدة؟

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة