باحثون يرسمون في زيورخ ملامح مرحلة ما بعد الهواتف الذكية

في خريف عام 2017، أقبل زوار معرض فرانكفورت الدولي للسيارات على تجريب نظارات "هولولينس" HoloLens التي تم تطويرها في زيورخ. Copyright 2017 The Associated Press. All Rights Reserved.

أصبحت زيورخ مركزاً لعمالقة التكنولوجيا الذين يعملون في أبحاث الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي. إنهم يشتغلون على الجيل الجديد من الأجهزة الشخصية - المسماة بالواقع المُدمج - والذي قد يحل في يوم من الأيام محل الهواتف الذكية.

دوريان بوركهالتر Dorian Burkhalter

تخيّل نفسك وأنت تضع نظارات مستقبلية، تشبه إلى حد كبير هاتفك الذكي اليوم، وتتيح لك الحصول على أية معلومات تريدها. ولكن بدلاً من النظر إلى الأسفل لشاشتك، فأنت ستنظر أمامك مباشرةً، لترى الصور ثلاثية الأبعاد تحيط بك من كل جانب. وسيكون بإمكان إشارات الأسهم الموجودة في الشوارع أن تدلّك على مكان تبحث عنه، أو قد ترى صورة ثلاثية الأبعاد لأحد الزملاء وهو يجلس على كرسي فارغ بجوارك أثناء الاجتماع.

تدور فكرة الرؤية الحاسوبية حول قدرة الكاميرا وجهاز الكمبيوتر على فعل ما يُمكن للبشر القيام به بأعينهم؛ مما يعني على وجه التحديد: "النظر إلى العالم، وتفسير هذا العالم، ومعرفة كيفية التنقل عبر العالم"، عل حد قول مارك بوليفيس، أستاذ علوم الكمبيوتر بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، والذي يشغل أيضاً منصب مدير مختبر مايكروسوفت للواقع المدمج والذكاء الاصطناعي في زيورخ. وتشمل التطبيقات الحالية للرؤية الحاسوبية، السيارات ذاتية القيادة والقدرة على فتح هاتفك الجوّال من خلال النظر إليه.

في حين أن الواقع الافتراضي (VR) يفصل المستخدم عن العالم الواقعي، فإن الواقع المُعزّز (AR) والواقع المُدمَج (MR)  يعززانه. وفي زيورخ، يركز بوليفيس وفريقه الذي يضم باحثين من شركة مايكروسوفت وطلبة دكتوراه من المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، على تقنية الواقع المدمج.

ويشير مصطلح (AR) عادة إلى "إسقاط معلومات إضافية على العالم الواقعي"، ويساهم الواقع المُدمَج (MR) في دفع الواقع المعزز خطوة إلى الأمام، كما يشرح بوليفيس، من خلال الجمع بين العالم الحقيقي والعناصر الافتراضية، مثل الصور المُجسّمة، حيث أن هذه العناصر تتجاوز "مجرد نصوص معلقة في الفراغ"، على حد تعبيره. فهناك "تفاعل كامل شامل لكل ما هو واقعي مع ما هو افتراضي، إنه تمثيل لعالم واحد مدمج".

نظارات "هولولينس"

كيف أصبح ذلك ممكناً؟ لقد أحدثت التطورات الحديثة في التعلم العميق (مجال آخر من مجالات الذكاء الاصطناعي)، ووحدات معالجة الرسومات المطورة (GPUs)، ومجموعات البيانات الضخمة (Big Data)، ثورة في قدرة أجهزة الكمبيوتر على استخراج المعلومات الدلالية من الصور. فعلى سبيل المثال، عندما ترى الآلة كرسياً، يمكنها أن "تعرف" أنه كرسي، وليس شيئاً آخر. ويوضح بوليفيس أن هذا الإنجاز، إلى جانب فهم جيّد لكيفية استخراج المعلومات الهندسية من الصور التي تمكّن الأجهزة من تتبع نفسها في المكان، يعني أن الرؤية الحاسوبية أصبحت الآن قادرة، وأكثر من أي وقت مضى، على حل المشكلات بالغة التعقيد.

هذه الأيام، ينكب فريق مختبر ميكروسوفت للواقع المُدمج والذكاء الاصطناعي في زيورخ على البحث في مستقبل الواقع المُدمَج. ويتجسّد هذا المستقبل في جهاز "هولولينس"، وهو جهاز على شكل نظارات ضخمة تحمل في داخلها كمبيوتر، ويمكن ارتداؤها كالنظارات العادية. وفي الوقت الراهن، يخدم هذا الجهاز الأسواق المتخصصة، مما يسمح للعمال الصناعيين بصيانة الآلات من خلال مساعدتهم في أداء عملهم عن بُعد، أو للجرّاحين بالاطلاع على فحوصات المرضى أثناء العمليات. ويستهدف هذا الجهاز الفنيين والمحترفين الذين يقومون باستخدام أيديهم بمهام معقدة، ولكنهم في نفس الوقت بحاجة إلى الوصول في الوقت نفسه إلى معلومات تواكب عملهم.

ويعتقد بوليفيس أن هذا الجهاز، على المدى الطويل،"يُمكن أن يحل محل الهواتف المحمولة". لقد أحدث كل من الكمبيوتر المكتبي والكمبيوتر المحمول تغييرات كبيرة في الحصول على المعلومات، لكنهما يُعانيان من ضعف الإلمام بالبيئة المتواجديْن فيها، مع وجود صعوبة بالغة لإضافة السياق. أما الهاتف الذكي، وهو كمبيوتر الجيب، فيوفّر مستوى معيناً في تحديد السياق، من خلال قدرته على تتبّع موقع حامله، على سبيل المثال.

لكن أجهزة الواقع المدمج يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث أن تزويدها بمجموعة من الكاميرات وآليات الاستشعار عن بُعد "يُمكنّها من التعرّف إلى السياق الذي تتواجد فيه"، كما يقول مدير مختبر الواقع المُدمَج. فهذه الأجهزة تفهم بيئتك وماذا تفعل، كما يُمكنها وضع المعلومات أمامك مباشرة، "حول العالم، ممزوجة بهذا العالم"، بحسب بوليفيس.

و"بهذا المعنى، فهذه الأجهزة لديها قدرات أقوى بكثير، في مساعدتك على إنجاز مهمتك".

عقبات أمام السوق الاستهلاكية

إن فكرة استبدال الهواتف الذكية بأجهزة محمولة على الرأس شبيهة بالكمبيوتر، ليست فكرة جديدة. فقد كانت التجربة الرئيسية في هذا المجال هي إطلاق نظارات "غوغل"  Google Glass في عام 2013. وقد سمح جهاز الواقع المُعزّز - الذي بدا وكأنه نظارات عادية - للمستخدمين بقراءة خريطة أو رسالة نصية أو التنبؤ بأحوال الطقس في منطقة لا تبعد كثيرا عن المكان الذي يتواجدون فيه.

لم يكن التصور الذي يقوم عليه الجهاز ناجحاً، في جزء كبير منه، وذلك بسبب الكاميرا المُوجّهة للخارج،  الأمر الذي يضع الناس المحيطين بمن يرتديها في حالة من عدم الارتياح. وبعد عامين من انطلاقة نظارات "غوغل"، تم سحبها من السوق، ثم عادت من جديد في عام 2017، على شكل نسخة مخصصة للمؤسسات، وهي نسخة معدّلة تستهدف السوق الصناعية أساسا.

أما شركة مايكروسوفت، فاختارت السير في المسار المعاكس، بدءاً من التطبيقات الخاصة بالمحترفين. وعند سؤاله عن العناصر التي يعتقد أنها ستكون مفتاح النجاح في السوق الاستهلاكية، أجاب بوليفيس قائلاً: "إلى جانب القدرة على بناء جهاز أكبر بكثير من النظارات العادية ومفيد بالفعل، علينا التأكد من عدم شعور الآخرين بأن الجهاز يهدد خصوصيتهم".

مخاوف متعلقة بالخصوصية

إن تعريض حياتنا الخاصة لأجهزة مليئة بأجهزة استشعار وكاميرات أمر يثير المخاوف بشأن الخصوصية. ويشرح بوليفيس أن جهاز "هولولينس" HoloLens قد تم إنشاؤه مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة احترام الخصوصية. فبيانات الصور الأولية لا تترك أبداً وحدة معالجة منفصلة لا يمكن للتطبيقات الوصول إليها.

ويوضح بوليفيس قائلاً: "في مايكروسوفت إجمالاً، وفي فريق "هولولنس" خاصة، لدينا فرق في مجال الأخلاقيات، تركز على دراسة الجوانب الأخلاقية الواجب احترامها في استخدام الذكاء الاصطناعي، وتساعدنا من خلال هذه الجوانب، على التعرّف على ما هو منطقي وما هو غير منطقي". وفي مختبره في زيورخ، يركز جزء من البحث على ابتكار الطرق التي تجعل البيانات أكثر تجريداً لضمان احترام الخصوصية بشكل أفضل.

عموما، يتوقّع بوليفيس أن تمر فترة زمنية تتراوح بين خمس وعشر سنوات، قبل أن يتبنى جزء كبير من الجمهور أجهزة الواقع المُدمج، على الرغم من أن بضع سنوات فقط قد تفصلنا عن أول المستخدمين المتبنين لهذه الأجهزة، ويقول: "جزء من التطور سيكون هو التقدم التكنولوجي، ولكن، ما هي المُقايضة الصحيحة بين خصوصيّة المستهلك ومنفعته؟".

أبحاث الرؤية الحاسوبية في مدينة زيورخ

في عام 2016، ضمت شركة فيسبوك فريقا من الباحثين من المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ ومن جامعة زيورخ إلى "أوكولوس"، فرعها للواقع الافتراضي. وأعلنت الشركة الأمريكية مؤخراً عن نيتها مضاعفة عدد موظفيها في عاصمة المال والأعمال السويسرية.

في الأثناء، شملت عمليات الاستثمار الأخرى المتعلقة بالرؤية الحاسوبية، حيازة شركة آبل عام 2015 للشركة الناشئة" فيس شيفت" Face shift التي تتخذ من زيورخ أيضا مقراً لها. كما استحوذت "ماجيك ليب" Magic Leap الشركة الناشئة في الواقع المُدمج والتي جمعت 2.6 مليار دولار (2.5 مليار فرنك سويسري) على قسم من الشركة الناشئة “دراكودا "Dracuda  في عام 2017.

من ناحيتها، تواصل شركة "غوغل" التي بدأت في زيورخ بموظفيْن اثنيْن نموها، حيث بلغ عدد العاملين لديها ما يقرب من 4000 شخص في غضون 15 عاماً. ويُقال إن عملاق التكنولوجيا في "وادي السيليكون" يُدير أكبر مركز للأبحاث الهندسية تابع له خارج الولايات المتحدة في مدينة زيورخ تحديدا.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة