تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

اقتراع 24 نوفمبر سياسة الأسرة... تجاذب بين رؤيتيْن مختلفتيْن للمجتمع

ليس من المتوقّع أن يضع اقتراع 24 نوفمبر حدا للجدل الدائر حول سياسات الأسرة في سويسرا

ليس من المتوقّع أن يضع اقتراع 24 نوفمبر حدا للجدل الدائر حول سياسات الأسرة في سويسرا

(Ex-press)

كشف سبر للآراء نشرت نتائجه قبل 10 أيام فقط من تنظيم استفتاء عام في سويسرا أن الغالبية من الناخبين لن تؤيّد مبادرة الشبيبة الاشتراكية الداعية إلى تقليص الفجوة في الأجور بين الموظفين العاملين في المؤسسات السويسرية، في المقابل يظل مصير مبادرة التخفيضات الجبائية لصالح الأسر ومقترح الترفيع في رسوم استخدام الطرقات السريعة غير واضح بما فيه الكفاية.

وبعد أن أظهرت دراسة استقصائية سابقة أن 64% من عيّنة أستجوب أفرادها قالوا إنهم يؤيدون مبادرة حزب الشعب الداعية إلى منح اعفاءات جبائية للأسر التي تقوم برعاية الأبناء بأنفسها في المنزل، كشفت نتائج أحدث استطلاع نشرت نتائجه يوم الأربعاء 13 نوفمبر 2013 أن تلك النسبة  قد تراجعت إلى 49% أي أقل ب 15% مقارنة ببداية شهر أكتوبر، في المقابل ارتفعت نسبة الرافضين من 18% إلى 43% خلال نفس الفترة.

 
 ويقول كلود لونغشام، الذي يشرف على هذه الاستطلاعات منذ سنوات عديدة: "نادرا ما فقدت مبادرة مثل هذه النسبة من المؤيدين بين الإستطلاع الأوّل والإستطلاع الثاني مثلما حدث مع  هذه المبادرة"، وهو ما يعكس الإستقطاب الإجتماعي الحاد بين المؤيدين والمعارضين لهذه المبادرة، التي بالإضافة إلى طابعها الجبائي، تتعلّق بالنموذج المجتمعي الذي يراه كل معسكر من هذيْن المعسكريْن. فما هي الدلالات المختلفة لهذا الجدل؟

تناقض حاد

هذا التجاذب يعكس التناقض بين نموذجيْن مجتمعيين: نموذج ربّـة البيت من جهة، ونموذج الأمّ العاملة في الخارج من جهة أخرى، وهذا الامر محور نقاش سياسي حادّ في سويسرا في هذه المرحلة. وبالنسبة لمايكل هيرمان، المحلِّـل السياسي، يتأسس النقاش على "رؤية رومانسية عفا عليها الزمن" تبتعِد أكثر فأكثر عن الواقع.

  

هذا الجدل تفجّر على إثر إطلاق حزب الشعب "يمين شعبوي" مبادرة شعبية تعرض على أنظار الناخبين في 24 نوفمبر الحالي. هذه المبادرة تطالب بتخفيضات جبائية لصالح الآباء والأمهات الذين يوفّرون بأنفسهم الرعاية النهارية لأبنائهم، وهي تخفيضات معادلة على الأقل لما تتمتع به الأسَـر التي تعهد برعاية أبنائها إلى دُور الحضانة.

ورغم أنها تواجه معارضة شديدة من جميع الأحزاب السياسية الأخرى الممثلة في البرلمان الفدرالي، بإستثناء الحزب الإنجليكاني وأقلية صغيرة جدا من الحزب الديمقراطي المسيحي، فقد كشف الإستجواب الأوّل الذي أجراه معهد gfs.bern لسَبر الآراء، أن هذه المبادرة كانت تحظى في البداية بتأييد 64% ، لكن هذه النسبة تراجعت أخيرا كما سبقت الإشارة.

هذا التراجع جاء نتيجة حشد المعارضين لجهودهم وتركّز النقاش حول نماذج الأسرة. وبالنسبة للمعارضين، هذه المبادرة تدعم النموذج التقليدي الذي يريد أن يُعيد الأمّهات إلى المنزل. في المقابل، يقول المؤيِّـدون إنهم يرغبون في جعل أمام الأمهات الإختيار بحرية بين مواصلة العمل في الخارج أو رعاية الأطفال في البيت بدوامٍ كامل.

خطاب محافظ مقابل واقع متغيّر

للوهلة الأولى، التأييد الواسع لهذه المبادرة الذي كشف عنه الإستطلاع الأوّل، يمكن أن يفسّر باعتباره ميل لغالبية الرأي العام لنموذج الأسْرة التقليدية. ومما لاشك فيه، "كان هناك في السنوات الأخيرة، عودة كبيرة للتمسّك بالتقاليد": وباتت الصور والقِيم التقليدية مُحبّذة في ميادين عدة، وهو ما يؤكّـده فعلا فرانسوا هوبفلينغر، أستاذ عِلم الإجتماع بجامعة زيورخ في مقابلة صحفية أجرتها معه كل من "تاغس أنتسايغر" و"دير بوند".

ولكن وهذه المرة، بحسب هيرمان، أستاذ العلوم السياسية، الذي كان يتحدث إلى swissinfo.ch: "هذه العودة إلى القِيم التقليدية، هي بالأحْرى على مستوى الخطاب، والذي أصبح أشـدّ محافظة نوعا ما، أما الواقع الإجتماعي، فقد أصبح أكثر تطوّرا وتقدما والأرقام تتحدّث عن نفسها: عدد حالات الطلاق في ازدياد مستمر والنساء السويسريات يلِـدن طفلهنّ الأوّل في وقت متأخّـر، مقارنة بالفترات السابقة، ولا تزال نسبة الأمهات العاملات واللاّتي تلقَّـين تكوينا أكاديميا، في ارتفاع. وأما ربّـات البيوت، فهنّ أقلية".

ويضيف هيرمان: "في المقابل، صحيح كذلك أن الميل السائد لدى المواطنين، ليس الرغبة في ضبط كل شيء وِفقا لحاجة النساء الناشطات مِهنيا والنموذج العائلي المعاصر أو اعتبار التقاليد شيئا عفا عليه الزمن. ورغم أن الواقع يبتعِد أكثر فأكثر عن النموذج التقليدي، فإن رعاية الأطفال من قِبل الأم، لا يزال يحظى بتقدير إيجابي". 

الاختلافات الثقافية

أكّد مايكل هيرمان في حديث إلى الأسبوعية "سونتاغ تسايتونغ"، ومن خلال أرقام دقيقة، وجود اختلاف بين المناطق المختلفة بالفدرالية حول عمل الأمهات ومشاركتهن على المستوى المهني.

تبلغ نسبة الامهات ربات البيوت في سويسرا الناطقة بالألمانية 25.1% مقابل 19.7% في المناطق الناطقة بالفرنسية. وأما الأمهات العاملات ما بين دوام كامل ونسبة 70% فتبلغ 24.4% في المناطق الالمانية، و41.1% في المناطق الفرنسية.

اما في كانتون التيتشينو الناطق بالإيطالية، فتبلغ نسبة الامهات ربات البيوت 37.1%، و26.4% من الامهات عاملات بنسبة 70% أو يزيد.

end of infobox

الإختلاف بين المناطق

يُـشير هيرمان إلى أن هذا الأمر، هو أجلّ وأوضح في المناطق الناطقة بالألمانية، ليس فقط داخل سويسرا، بل في البلدان الجرمانية المجاورة أيضا التي تنتشر فيها "وِجهة النظر الرومانسية القديمة للطفل الذي يحتاج إلى أمه"، وأيضا الفِكرة التي ترى أن الطفل الذي توكل رعايته إلى طرف ثالث، هو بمثابة الطفل المُهمل. في المقابل، نجد سويسرا الناطقة بالفرنسية متأثِّـرة بالثقافة الفرنسية، "حيث عمل النساء خارج البيت، تقليد مُستمر منذ زمن طويل، وبالتالي، إيكال رعاية الطفل إلى طرف آخر، يُـعتبر أمرا طبيعيا".

وليس من قبيل الصّدفة، يعتقد المحلل السياسي السويسري، أن جدلا مُماثلا يجري حاليا في ألمانيا، حيث تَـقدّم التحالف المسيحي الديمقراطي بجُملة من المقترحات لصالح الأسَـر التي تتكفّل بنفسها برعاية الأطفال، مقترحات شبيهة بمبادرة حزب الشعب السويسري.

ولكن، مهما كانت نتائج تصويت 24 نوفمبر القادم، يعتقد فرانسوا هوبفلينغر أن ذلك لن يُـغيّر شيئا، ويقول: "لا أعتقد أن الشباب يعيرون أي اهتمام إلى التخفيضات الجبائية، عندما يكونون بصدد تأسيس أسْرة. ومن المؤكّد، أنه لن تتخلّ أيّ امرأة عن وظيفتها المِهنية. فضلا عن أن تقبل بالعودة إلى بنية العائلة الخاضِعة للسلطة الأبوية".

الأمر لا يتعلّق كذلك بتغيير لإتجاه التاريخ، وِفقا لزميله بجامعة نوشاتيل، فرانسوا هينارد، الذي أكّد في حديث إلى صحيفة "لوتون" الناطقة بالفرنسية: أن "الإقتصاد السويسري يحتاج إلى أشخاص ناشطين، والنساء يقمن بدراسات، ويردن استخدام مهاراتهن، والحاجة إلى دخل أسري ثاني، غالبا ما يكون ضروريا لأسباب مالية بحتة، ونحن نعيش في مجتمع استهلاكي، حيث يريد الجميع الحفاظ على مستوى معين للمعيشة، وأخيرا، فإن ثنائية الأبُوة والأمومة، لم تعُد هي القاعدة".

الإصغاء إلى مطالب الطبقة الوسطى

من المؤكّد أن الجدل حول سياسة الأسرة لن يتوقّف في 24 نوفمبر. وتوجد مبادرتان أخريتان حول الأسرة تقدّم بهما الحزب الديمقراطي المسيحي، ومن المحتمل أن تعرضا على أنظار الناخبين نهاية العام المقبل. الأولى تطالب بالمساواة بين المتزوّجين والأخلاء (المقترنان بغير عقد زواج) على مستوى الضرائب والتأمينات الإجتماعية. والثانية، تقترح خصم معلوم تدريب الأطفال وتكوينهم من الجباية.

من جهتها، كشفت وزيرة الشؤون المالية السويسرية إفلين – فيدمر شلومبف أخيرا خلال حوار مع "سونتاغس بليك" أنها بصدد دراسة امكانية إدخال تغييرات على نظام التخفيضات لصالح الأطفال، والإستعاضة عنه بنظام المنح. ومن المفترض تقديم هذا المشروع إلى البرلمان العام المقبل.

وأوضح مايكل هيرمان، مرة أخرى: "أن الحوار حول الأسرة مرتبط إلى حد بعيد بالطبقة الوسطى التي تتعرّض إلى التآكل بسبب الأعباء الثقيلة الملقاة عليها. وكانت الطبقة الوسطى، من حيث المبدأ محل اهتمام من جميع الأحزاب السياسية، ولكن، ليس إلا في السنوات الأخيرة حيث ادركت هذه الفئة أن إنجاب الاطفال يشكل عبءً ماليا بالنسبة لها أيضا".

الاسرة والنظام الفدرالي

في سويسرا، تقع معظم القضايا المرتبطة بشؤون الأسرة ضمن اختصاصات الكانتونات، أو جزئيا ضمن اختصاص البلديات. ولا تمتلك الكنفدرالية في هذا المستوى سوى مجال فعل محدود جدا، ولا تتدخّل إلا في مجال الإندماج والتشجيع عليه.

وبالتالي فالتعامل مع الجوانب المختلفة لقضايا الأسرة يتم بأشكال مختلفة جدا. هذه الإختلافات زادت وتعمّقت مع التغيرات العميقة التي شهدها المجتمع السويسري في العقود الاخيرة، والتباينات الكبيرة بين وجهة نظر الأحزاب المختلفة.

فكانتونا فالي وتسوغ قد منحتا بالفعل نفس التخفيضات الضريبية إلى الآباء الذين يرعون أبنائهم في البيت وإلى الأباء الذين يوكلون تلك المهمّة إلى مؤسسات أخرى خارج دائرة العائلة. وهذه التخفيضات نفسها هي التي سيحسم القرار حولها الناخبون في الكانتونات الاخرى يوم 24 نوفمبر.

كانت محاولة سابقة هدفت إلى توسيع دائرة تدخل الكنفدرالية قد آلت إلى الفشل يوم 3 مارس بسبب النظام الفدرالي نفسه. وكانت غالبية من الناخبين (54.3%) قد أيّدت الفصل الدستوري الذي يلزم كل من الكنفدرالية والكانتونات بتشجيع الموافقة بين الحياة الأسرية والحياة المهنية. ولكن ذلك الفصل لم يحصل على الأغلبية المطلوبة من الكانتونات: 15 كانتونا رفضوه، و11 قبلوه. وقد قبلته كل الكانتونات الروماندية بالإضافة إلى زيورخ، وسولوتورن، والبازل – المدينة وبازل – الريف.

end of infobox


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

×