Navigation

وجهات نظر
جنيف الدولية

التجارة في زمن الأوبئة

في ظل إغلاق الحدود وتقييد حركة السفر العالمية، ستساعدنا التجارة في إيجاد مخرج من الوباء.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 فبراير 2021 - 07:00 يوليو,
نغوزي أوكونغو إيويالا، المديرة العامة الجديدة لمنظمة التجارة العالمية

لم يسبق أن اشتد الشعور (والوعي) بحتمية تعددية الأطراف أكثر مما هي عليه الآن مع جائحة كوفيد - 19.

تواجه البشرية جمعاء عدوًا مشتركًا، وهو كائن مُمْرِض لا يحترم الحدود ويتخطى المعاهدات والأراضي، والتعريفات، وطرق التجارة. ونظام التجارة متعدد الأطراف أمر بالغ الأهمية لمكافحته، وإيصال المنتجات الصحية والعاملين المُمارسين (في المجال الصحي) إلى حيث يُحتاج إليهم، وبمجرد بروز الحاجة إليهم، بأكثر الطرق فعالية. ومع ذلك، فإن أزمة الصحة العامة العالمية التي نشهدها اليوم تحاصرها أزمات التجارة.

نغوزي أوكونجو - إيويالا

الدكتورة نغوزي أوكونجو إيويالا التي ستباشر عملها في منصب المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية ابتداء من 1 مارس 2021، كانت الرئيسة السابقة للتحالف العالمي للقاحات والتحصين (Gaviرابط خارجي). كما عملت في الآونة الأخيرة كمبعوثة خاصة لمنظمة الصحة العالمية في إطار مبادرة "مُسرّع الوصول إلى أدوات كوفيد – 19رابط خارجي"، وكمبعوثة خاصة للاتحاد الإفريقي حول وباء كوفيد – 19. في بلدها نيجيريا، شغلت أوكونجو إيويالا منصب وزيرة المالية مرتين ووزيرة للخارجية لفترة وجيزة.

End of insertion

في بداية اندلاع الوباء قبل عام، وخوفًا من ندرة المعدات الطبية الحيوية، ألهبت بلدان عدة موجة من الحمائية التي أعاقت منذ ذلك الحين قدرة العالم على مكافحة الفيروس. فقد ارتفع الطلب على مُنتجات أساسية ولكنها (أضحت) حيوية مثل الأقنعة والقفازات والبدلات الجراحية إلى مستويات غير مسبوقة، تضاعف في بعض الحالات إلى عدة آلاف في المئة. رداً على ذلك، فرض حوالي مئة دولة وإقليم قيودًا على الصادرات للاحتفاظ بهذه الإمدادات لاستخدامها الخاص، وفقًا لمركز التجارة الدولي. وتبعا لذلك، راكَـم العديد منها إمدادات مُخزّنة تزيد عن احتياجاتهم.

القواعد لا تُحترم

على الرغم من قيام العديد من البلدان منذ ذلك الحين بإزالة قيود التصدير وتحرير التجارة على الأقل بالنسبة لبعض المستلزمات والمنتجات الطبية، لا تزال هناك قيود تعيق التجارة والوصول إلى هذه المنتجات. ذلك أن العديد من أعضاء منظمة التجارة العالمية لم يحترموا القواعد التي تتطلب الإخطار والشفافية وظرفية القيود على التصدير، على الرغم من تحسّن الإخطار بمرور الوقت. نفس الأسلوب يتكرر مع المعدات الخاصة بالمستشفيات. بالإضافة إلى ذلك، كان الاضطراب الذي طرأ على سلسلة التوريد عاملاً مُقيّدًا آخر. ونتيجة لذلك، توقفت التجارة أو تباطأت في اللحظة المحددة التي لم تكن فيها التجارة الخالية من أي احتكاك ضرورة اقتصادية فحسب، بل كانت أيضًا ضرورة أخلاقية وصحية عامة.

إضافة إلى ذلك، أصبحت القيود المفروضة على العرض، والحمائية، و(ظاهرة) قومية اللقاحات تميّز سوق الجيل الجديد من اللقاحات الناشئة. وكما كان الحال مع الإمدادات والمُعدات الطبية، فإن الدول التي تتصرف وفقًا لمصالحها الذاتية المُتصوّرة مُعرّضة لخطر القيام بتصرفات لا تصبّ في مصلحة أي كان، مع عواقب سيتردد صداها فيما تبقى من ردّ فعل تُجاه جائحة كوفيد – 19 وفي العالم الذي سيأتي بعد ذلك.

في الأثناء، تفترض دراسة أكاديمية حديثة أنجزت بتكليف من غرفة التجارة الدولية أنه إذا ما تم تطعيم البلدان الغنية بالكامل بحلول منتصف هذا العام، في حين تعطلت الأمور في البلدان الفقيرة ذات الوصول المحدود للقاحات، فإن تكلفة ذلك على الاقتصاد العالمي ستتجاوز 9 تريليون دولار (8 تريليون فرنك سويسري)، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا واليابان مُجتمعيْن، وسوف تتحمل الدول الغنية نصف هذه الخسائر. في المقابل، ستكون الخسائر أقل بكثير إذا كانت البلدان النامية قادرة على تطعيم نصف سكانها على الأقل بحلول نهاية العام الجاري.

يجب ألا ندع هذه المسائل تتكرر مرة أخرى، كما أن عامل الوقت جوهري. ويبدأ ذلك بالاعتراف بأن النظام التجاري متعدد الأطراف أساسي لمحاربة جائحة كوفيد – 19 الحالية، والاستعداد للأوبئة المستقبلية، وتحفيز الانتعاش الاقتصادي العالمي.

هذه هي الأسباب

أولاً، لا يُمكن لأي بلد الاعتماد حصريًا على إمداداته الخاصة من المنتجات الصحية، لذا فإن الالتزام بحرية تدفقها أمر ضروري. إن السلوك الحمائيّ أثناء فترة الوباء الذي يتحول إلى ما يُعرف بسياسات "إفقار الجار" لا يُلحق الضرر بالجار فحسب بل بالدولة التي تُمارس الحمائية أيضًا. فالحواجز التجارية تُشوه الأسواق وتُنشئ ساحة لعب غير متكافئة، مع إمكانية تقليل الإنتاج عند الحاجة إلى زيادة الإمدادات. وعلى غرار السلع الأخرى، تعتمد اللقاحات على سلاسل التوريد العاملة للمعدات والمكونات التي يمكن تصنيعها في العديد من البلدان، وقد تكون أكثر اعتمادًا على نقل التكنولوجيا والمعارف التقنية. لضمان العدالة والقدرة على تحمل تكاليف الوصول إلى الفقراء والأغنياء على حد سواء، لإنقاذ الأرواح، وحماية الجميع، يجب استخدام المرونة في القواعد الحالية لمنظمة التجارة العالمية التي تحكم التجارة في المنتجات الطبية أثناء حالة طوارئ الصحة العامة العالمية إلى أقصى حد ممكن. بالإضافة إلى ذلك، يجب على البلدان إلغاء التعريفات أو تعليقها، وتبسيط أطرها التنظيمية، وتسريع جميع العمليات والإجراءات التجارية للمساعدة في تسهيل الحركة الحرة والسريعة للمنتجات والخدمات الصحية إلى السكان المستفيدين النهائيين.

ثانيًا، لضمان عمل النظام التجاري متعدد الأطراف بسلاسة ومرونة خلال فترة تشهد أزمة عالمية، يجب أن تلعب منظمة التجارة العالمية دورا تيسيريا أكثر نشاطًا. يجب أن تعمل في شراكة وثيقة مع المنظمات الدولية الأخرى ذات الصلة مثل منظمة الصحة العالمية ومبادرة "كوفاكس" والمؤسسات المالية الدولية من أجل توفير حلول للجائحة. إذ غالبًا ما تعمل هذه المنظمات في أبراج عاجية مما يجعل مجموع جهودها المنفردة أقل من حجمها الإجمالي ككل.

ثالثًا، تحتاج منظمة التجارة العالمية إلى التخطيط والاستعداد للأوبئة المستقبلية بدلاً من مجرد الرد عليها. بعد أن تعلمت من المشكلات التي ظهرت خلال جائحة كوفيد - 19 مثل ندرة الاختبارات والعلاجات واللقاحات، يجب أن تكون منظمة التجارة العالمية مستعدة لمساعدة أعضائها في حل هذه المشكلات العملية. مع كل الاهتمام الذي نوليه للقاحات، يجب علينا أيضًا الاهتمام بعلاجات وتشخيصات جديدة واعدة. ينبغي تطبيق المرونة الحالية بموجب الاتفاقية المتعلقة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تُعرف اختصارا بـ "تريبس") لمنظمة التجارة العالمية على نطاق واسع لضمان أنها سهلة الاستخدام وقادرة على حل تحديات الوصول والقدرة على تحمل التكاليف. بالنسبة للقاحات، فإن حماية الملكية الفكرية ليست العائق الوحيد. بدون نقل المعرفة، وإلغاء أو تعليق الرسوم الجمركية، وتبسيط الإجراءات التنظيمية من السلطات ذات الصلة، لن نحقق الانتشار السريع المطلوب. يُمكننا بل يجب علينا إيجاد "طريق ثالث" يتيح الوصول إلى اللقاحات دون تثبيط الاستثمار المستمر في البحث والتطوير. في هذا السياق، تُعدّ الاتفاقية التي أبرمها "معهد سيروم" في الهند مع أسترا زينيكا وأكسفورد نموذجًا مثاليًا لكيفية قيام الشركات المصنعة للأدوية الجنيسة في البلدان النامية، بالتنسيق والتعاون الكافيين، بترخيص هذه المنتجات ضمن النظام الحالي.

هكذا يُقال بـ "الإيغبو"

أخيرًا، سيتوقف الانتعاش الاقتصادي العالمي على التجارة. وهذا يتطلب إحداث تغيير، ودون إبطاء. يجب أن يتخلّص النظام التجاري المتعدد الأطراف من عباءة القيود والمحظورات التي لا زالت متبقية. ينبغي للبلدان أن تقدم الدعم لمنظمة تجارة عالمية تمّ إصلاحها واستعادتها وعاملة بكامل طاقتها لضمان تكافؤ الفرص أمام النظام التجاري متعدد الأطراف وبالتالي إعادة بناء جسور الثقة بين أعضائها.

في لغتي الأم، "الإيغبو"، لدينا قول مأثور يُفيد بأنه "إذا ما غسلت اليدُ اليمنى اليسرى وغسلت اليدُ اليسرى اليُمنى، تُصبح كلتا اليدين نظيفة". قد يبدو الأمر غير منطقي في ظل إغلاق الحدود والتقييد غير المسبوق للسفر العالمي، لكن التجارة ستساعدنا في إيجاد طريقة للخروج من الوضع الذي نحن فيه. فقط من خلال العمل معًا، من خلال غسل يدٍ لليدِ الأخرى، يُمكننا بلورة ملامح مخرج نعبُر به الأزمة ونتخطاها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتبة وحدها ولا تعكس بالضرورة مواقف وآراء swissinfo.ch. نُشر هذا المقال أولا رابط خارجيفي موقع "ثينك غلوبال هيلثرابط خارجي" التابع لمجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة والمعني بتبادل الأفكار حول قضايا الصحة العالمية. 

سلسلة "وجهات نظر"

تقوم swissinfo.ch بنشر آراء حول مواضيع مختلفة، سواء حول قضايا سويسرية أو مواضيع لها تأثير على سويسرا. يرمي اختيار المقالات إلى تقديم آراء متنوعة بهدف إثراء النقاش حول القضايا المطروحة. إذا كنت ترغب في اقتراح فكرة لمقال رأي، يُرجى إرسال رسالة إلكترونية إلى arabic@swissinfo.ch

End of insertion

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.