Navigation

سائق التاكسي في غـزة

جانلوكا غروسّي، مراسل مستقل من الشرق الأوسط Ti-Press / Samuel Golay

إنه سائق تاكسي من الطراز الأول، يحفظ قطاع غزة عن ظهر قلب، ولكنه يعيش أحلاما وآمالا حطّـمتها فوهات المدافع. ومن خلال هذه المقالة، يرسم الصحفي السويسري جانلوكا غروسّي صورة لشخصية سائق سيارة الأجرة، الفلسطيني الذي لطالما رافقه في رحلاته وتنقلاته.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 يناير 2011 - 07:00 يوليو,
جيانلوكا غروسّـي, swissinfo.ch

اسمه يبدأ بحرف ألف "أ"، وحفاظا على الخصوصية، سأشير إليه بالحرف الأول من اسمه، علما بأنني تفاءلت بهذا الاسم لأول وهلة، ولقد كان عند حسن ظني ولا يزال. فهو سائق أجرة عظيم بكامل معنى الكلمة، كما أنه يمتلك شخصية قوية ولعله يكون الأشجع من بين سائقي سيارات الأجرة في القطاع. ويبلغ من العمر 30 عاما، ولكنه كباقي الفلسطينيين، يبدو أكثر من عمره بكثير.

وأستطيع القول بأن سائق سيارة الأجرة (أ)، هو بكل جدارة وكالة أنباء، ويملك قدرة على التحليل، كما أنه بالنسبة لي مستشار وخبير علاقات عامة ومتقصي أخبار وحارس شخصي. كما أنه يتمتع بالحِـكمة ولديه مؤهلات لا تجدها إلا عند أصحاب المهنية والتخصص، فضلا عن أنه رجل جاد ولا مجال عنده لإضاعة الوقت، وكلامه قليل، بل أقل القليل، ويقتصر في حديثه على اللغة العربية، لأنه لا يعرف من اللغة الانجليزية سوى (وان، تو، ثري، فيري غود..)، والفضل له أني بدأت أرطن ببعض العربية.

في المساء، وبعد الفراغ من العمل، نقضي السهرة سويا، نأكل السمك في أحد المطاعم الموجودة على شاطئ مدينة غزة. وعرفت منه قصة عائلته وحدّثني عن والِـدته المصرية، وذكر لي أسماء مختلف أنواع الأسماك والطريقة القديمة لصيد السمك، حيث كانت تنطلق قوارب الصيد الصغيرة بعد غروب الشمس وتنساب تِـلو بعضها، وكأنها مجموعة أخوات تمسك الواحدة بيد أختها، وكثيرا ما تُستهدَف من قبل الطرادات الإسرائيلية.

وذكر طرفا من الأيام الخوالي، يوم كان هنالك تواصل بين قطاع غزة وإسرائيل. يومها، كان السائق (أ) ينفذ بسيارته من جهة الشمال بالقرب من مدينة ناتانيا إلى داخل إسرائيل، وكان يتلقى بسبب ذلك غرامات مالية باهظة من قبل الشرطة الإسرائيلية.

أضحت تلك الأيام من الماضي، كانت فيها فسحة التحاور مع الشرطة الإسرائيلية. أما اليوم، فقد بات القطاع مُـغلقا وبات أهله سجناء في أرضهم.

أمل

في عام 2005، رحل الإسرائيليون لتوِّهم من قطاع غزة ولم يعد هناك وجود للمستوطنات ولا للدبّـابات، التي كانت تبث الرّعب كل صباح وتجمد الدّم في العروق، كما لم يعُـد هنالك قتل يومي، وقد بدأ الناس يتنفَّـسون الصُّـعداء، وهم اليوم أحرار. وها هو صديقي يفصح لي عمّا يدور بداخله من آمال وطموحات، ويقدمها بصورة حية ويمثلها بحركات فكاهية.

يومها، كانت ابتسامة الأمل ترتسِـم على الشفاه وتتوّج أحلام الجميع، وبدأ القاموس المشترك لأهل غزة يعرف كلمة المستقبل ويحس بنكهتها، بعد أن كادت تنمحي من ذاكرتهم ويطويها النسيان. في ذلك اليوم، أوقف (أ) سيارته ونزل منها وطلب مني أن أفعل الشيء نفسه.

أمام أكوام من الركام ومخلفات الأبنية المهدّمة، جرى موقف لن أنساه أبدا، إذ وضع (أ) نظاراته الشمسية على عينيه وترجّل بحركات استعراضية تصور أحلامه القادمة بعد أن استعاد أهل غزة حريتهم.

هكذا، أدخل (أ) أصابع يده في حزامه وأسند إحدى ساقيه على الأخرى وثنى ركبتيه، فذكّرني على الفور برجل من رعاة البقر ينتصب بثبات أمام مدخل إحدى الصالونات، تلك الصورة التي تحكيها أفلام الكاوبوي الأمريكية.

وقال لي بأنه يرغب في وضع نظاراته الشمسية الداكنة وأن يرتدي بنطلون الجينز وسترة مليئة بالجيوب ويلبس حذاءيه وينطلق بسيارته شاردا لأسابيع، لا يوقفه أحد، إلى أن ينتهي مخزونه من الوقود. إنه التوق إلى الحرية وإلى حياة مختلفة، إنه عشق التغيير والبحث عن الذات والتطلع إلى الإنجاز.

أحلام

وقال لي (أ) بأنه ينوي شراء سيارتَـيْ أجرة ويضع عليهما سائقيْـن يعملان لحسابه الخاص، لأن المستثمرين ورجال الأعمال سيقْـدِمون إلى قطاع غزة المحرّر وسيكونون بحاجة إلى مَـن يتنقل بهم داخل غزة، على أن تتوفر لديه معرفة جيدة بالقطاع ويُقدّم خِـدمة نظيفة وسيارات حديثة مزوّدة بالتكييف.

لا يريد (أ) أن يبقى سائقا لسيارة أجرة، بل يطمح أن يصبح ربّ عمل يجلس في مكتب لسيارات الأجرة ويدير عمله وينسّـق بين الزبائن والسائقين الذين يعملون لديه، ثم يبدأ بتحسين وضعه الاجتماعي ويغيِّـر عفش منزله ويبني طابقا جديدا فوق البيت الذي يسكن فيه مع زوجته وأولاده، ويرسل أولاده إلى المدرسة ليتابعوا الدراسة حتى الجامعة، فيحصلون على وظائف محترمة ويتعلمون الإنجليزية وتتوفر لهم الظروف التي افتَـقَـر إليها هو.

يحلم لأولاده بحياة لم تُتَح له قط، وأن يدرسوا في الخارج وأن تكون لديهم حرية السفر والتنقل وأن ينعموا بالزواج، ثم يختاروا العيش في غزة أو خارجها. أما هو، فلن يغادر بلده، لاسيما وأن غزة بدأت تشرق شمسُها وأصبحت الآن تتذوق طعم الحياة وغدت مكانا لتحقيق الأحلام وبلوغ المرام! عند ذلك، توقف (أ) عن الكلام وأسدل الستار على المشهد ورفع نظارته عن عينيه وتبسم إليّ قائلا: "سوف ترى".

هباء

مرت خمس سنوات على المشهد، عُـدت خلالها حوالي عشر مرات إلى غزة، وأنا في عمل مشترك مع سائق التاكسي (أ)، وفي كل مرة ألتقيه، ولكني لم أسأله مرة واحدة عن مآل أحلامه ومشاريعه، فلا داعي لذلك، لأني أقرأ الإجابة في عينيه وألمحها من خلال أحاديثه وأحواله.

كلها ذهبت أدراج الرياح وأصبحت هباءً منثورا، شأنها شأن البيوت التي لا تزال حُـطاما منذ عام 2005 وحتى اليوم، وشأن أحلام أهْـل غزة التي ما أن كادت ترى النور حتى تبدّدت، وشأن جُـثث أولئك الذين فتكت بهم القنابل من أهل غزة وصار رفاتهم ترابا تضمّـه مقابر القطاع.

ولا زال (أ) على حاله يسوق تكسيّه الوحيد ولا أثر للمستثمرين ولا لرجال الأعمال، والقطاع مغلق بالأقفال وكأنه زنزانة، وما أن يراني (أ) حتى يبتسم هازئا، فهو يعلم بأن أمامه فرصة عمل لبضع أيام، وسيجد الوقت الكافي للحديث معي، ولكنه لن يجرُؤ أن يحلَم، إذ ليس لأهل غزة سوى أن يحلموا مرة واحدة ويكفيهم أنهم عاشوا لحظة حلموا فيها بحياة كريمة وأملوا بتحسين أوضاعهم.

جانلوكا غروسّي

ولِـد في مدينة بيلِّـينزونا جنوب سويسرا في غرة مارس من عام 1967.

درس الأدب المقارن في جامعة زيورخ، حيث حصل على شهادة الدكتوراه، ثم بدأ العمل كصحفي في هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية. ثم ما لبث أن بدأ بإعداد التقارير الإخبارية من خارج سويسرا. وفي عام 2000، تولى مهمة نقل وقائع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

في عام 2002، أصبح يعمل كصحفي مستقل، ثم انتقل للعيش في منطقة الشرق الأوسط. ومن هناك، يقوم بتزويد وسائل الإعلام السويسرية، وعلى رأسها المحطات العمومية الثلاثة التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، فضلا عن الشبكات الإعلامية الأوروبية ومنها محطة البي بي سي البريطانية، بالتقارير والأخبار.

يُـدير "ويست بروداكشينز Weast Productions"، الوكالة الإعلامية التابعة له، والتي تعنى بإعداد التقارير التلفزيونية المختصة بالشؤون الشرق أوسطية.

منح في عام 2009 لقب "الصحفي السويسري لهذا العام" فيما يخص الصحافة الناطقة باللغة الإيطالية.

ويقيم حاليا في بيروت.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.