إكسبو ميلانو 2015 فكرة أصيلة تستقطِب حضوراً مكثّفاً في الجناح السويسري لمعرض ميلانو

كل شيء مُتاح مجانا؟ هناك منتجات متوفرة ولكن بأي ثمن؟ ومن يأخذ كمية كبيرة معه، فلن يترك الكثير للزوار الذين سيقدمون بعده، أليس كذلك؟ 

كل شيء مُتاح مجانا؟ هناك منتجات متوفرة ولكن بأي ثمن؟ ومن يأخذ كمية كبيرة معه، فلن يترك الكثير للزوار الذين سيقدمون بعده، أليس كذلك؟ 

(swissinfo.ch)

يتطلّع الجناح السويسري في المعرض الدولي بميلانو "إكسبو ميلانو 2015" إلى الظفر بإعجاب الزوار، من خلال الإعتماد على القِيم الداخلية. فهل يُكتَب له النجاح يا ترى؟ 

بعد انقضاء أسبوعين على افتتاح المعرض في أول شهر مايو الجاري، تحدّثت swissinfo.ch مع مُرتادي الجناح، الذي حمل عنوان "كونفوديراتيكو هيلفيتكا" المُشتق من دَمج التسمية اللاّتينية للاتحاد السويسري، مع كلمة الغذاء الذي تتمحور حوله فعاليات الدورة الحالية للمعرض، التي ترفع شعار "تغذية الكوكب - طاقة للحياة".

"إنه يُجسِّد المبدأ الفعلي للمعرض"، يقول ماركو غالّوكيو، أصيل مدينة بادوفا، بإعجاب واضح، وهو يخرج من مصعد الجناح السويسري برفقة عدد من زميلاته وزملائه، حاملاً بيده كوباً من الماء. "هنا يمكننا أن نتحسّس الاستهلاك المسؤول بشكل فِعلي"، كما يوضّح الطالب في المدرسة الثانوية.

معرض ميلانو 2015

يستقبل معرض ميلانو العالميرابط خارجي زواره ابتداء من 1 مايو إلى غاية يوم 31 أكتوبر 2015، ومن المتوقّع أن يَؤُمّه أكثر من 20 مليون شخص، 75% منهم من إيطاليا والبقية من خارجها، والذين يتوقع أن يكون نحو 40% منهم من سويسرا (حيث قُدِّر عددهم بنحو مليونيْ زائر). وقد باع المعرض حتى الآن حوالي 10 ملايين تذكرة دخول.

يهدف المعرض الذي ترفع دورته الحالية شعار "تغذية الكوكب - طاقة للحياة"، إلى طرح مشكلة إطعام البشر في يومنا هذا، حيث يُعاني أكثر من 800 مليون شخص في العالم من الجوع أو من عواقب الإفراط في تناول الطعام أو من تناول الغذاء غير الصحي.

دعا المعرض الدول المشاركة إلى تقديم مهاراتها وخِبراتها في مجالات الزراعة والإنتاج الغذائي والبحث العِلمي، وإلى عرض مقترحات لنماذج من التنمية المُستدامة، التي يُمكن أن توفّر التغذية الصحية والكافية للبشرية جمعاء.

بدوْرها، تجد سارة من بلدية "فيرالتدورف" في كانتون زيورخ، أن فكرة الجناح ممتازة "الغذاء متوفّر لغاية نفاده". والمسألة تتعلّق بـ "عَدَم الإفراط في التعامل مع المواد الغذائية والتفكير بالقادمين من بعدنا".

على الجانب الآخر، تشعر باربارا التي حضرت من بلدية "رابّيرسفيل" في كانتون سانت غالَّن، بنوع من خيْبة الأمل، بسبب الطراز المِعماري للجناح. "ولكني أجِد أن فكرة عَرض الأشياء التي يمكن تناولها [من الجناح] والتي ستنفُذ في نهاية المطاف، ممتازة."

"إنها فِكرة أصيلة بِحَق حوْل مفهوم الاستدامة والموارد التي تزداد شحّتها يوماً بعد آخر، وهذه قضية مركزية جداً في يومِنا هذا"، كما يقول روبرتو بينّا من ميلانو. "هذا يكشِف بوضوح أن ما مِنْ شيء باقٍ للأبد"، يعلِّـق اتاناس، وهو رجل مُسِن حضر من برلين، لَمْ يكن رغم إعجابه بالفكرة، راضياً تماماً عن موظفي الجناح، الذين بدا أنهم ما زالوا يفتقرون إلى التنظيم بعض الشيء.

وقد يعود السبب في ذلك، إلى ضرورة التدريب على التشغيل السَّلس للإجراءات في بداية الأمر، وإلى الحشود الغفيرة التي تدفّقت على الجناح السويسري منذ الأسابيع الأولى لافتتاح المعرض. وكما كان عليه الحال في المعارض الدولية السابقة، يصطفُّ طابور طويل في انتظار دخول الجناح السويسري، رغم عدم تركيزه هذه المرة على الكليشيهات المُعتادة كالجبال وعربات التلفريك والابتكارات الحديثة.

"إكسبو ميلانو 2015" لمحة عن الجناح السويسري وعروضه

يطمح الجناح السويسري في المعرض الدولي بمدينة ميلانو إلى جلب الأنظار والإهتمام كأفضل إنجاز في هذه التظاهرة الدولية المخصّصة هذا العام للإستدامة ...

بداية تبعث على التفاؤل

"تتّسم ردود الأفعال بالإيجابية في الغالب. ودائما ما نجد في المعارض العالمية نوعاً من قائمة المراكز لتصنيف الأجنحة الأكثر جاذبية، ونحن موجودون على هذه القائمة، لأننا نقدّم جناحاً يُساهم في تسليط الضوء على الموضوع الذي يركّز عليه المعرض، والمتمثل بالتغذية والاستِدامة"، كما يقول أندريا أركيدياكونو، المتحدّث باسم الجناح السويسريرابط خارجي، وهو يقودنا خلال "صوامِع الغذاء".

"هل هناك ما يكفي للجميع"؟ هذا هو السؤال الذي يبرز بحجم كبير على الأبراج الأربعة المُشيَّدة من الزجاج والخشبـ التي يُناهز ارتفاعها 15 مترا، والمكوَّنة للجناح السويسري في المعرض العالمي الذي شُيِّد في إحدى ضواحي مدينة ميلانو.

وعلى الجدران الداخلية للأبراج الأربعة، تتكدَّس صناديق تحتوي على مواد غذائية. ويمكن مشاهدة المستوى المتبقّي الحالي لهذه المواد في الصناديق من الخارج، ومن على الموقع الإلكتروني للجناح أيضاً.

وفي البُرج الأول، يأخذنا مصعد إلى الطابق الرابع، حيث تتوفّر حِصص من القهوة القابلة للذّوبان، التي يمكن للزائر أن يتناول منها ما يشاء. (وجدير بالذكر أن سويسرا تُعتَبَر من كِبار مُصدّري البنّ منذ ثلاثينيات القرن الماضي). وفي البرج الثاني، تجتذب الزائر أكياس صغيرة من حلقات من التفّاح المجفف التي جاء بها صغار المُنتجين من شرق سويسرا. وفي البرج الثالث، يمكن الحصول على مكعّبات كرتونية صغيرة تحتوي على الملح المستخلَص من جبال الألب السويسرية، في حين يروي البرج الرابع ضمَـأ الزوار بمياه شرب سويسرية محلية (مع إمكانية أخذ كوب الشراب الذي يمكن إعادة استخدامه، معه).

والمبدأ هنا بسيط، حيث تمثل أرضية هذه الأبراج الأربعة مِنصّة تنخفض تبَعاً لعملية الإستهلاك خلال فترة المعرض، مما يحوِّل عملية الإستهلاك إلى مُعايشة حية، يُمكن للزوار متابعتها. ويتّضح منذ الآن، أن هناك إقبالا أكبر على الماء وشرائح التفاح. وكما يقول اركيدياكونو "نحن لن نُخَفَّض الأرضية ما لم يفرغ الطابق بأكمله في مجمل الأبراج الأربعة"، ويضيف "هذا يعني أن الزوار لن يجدوا في غضون اسبوعين أو ثلاثة المزيد من حلقات التفاح، ولكنهم قد يجدون القهوة والملح".

"تجربة اجتماعية"

وهكذا، فإن هذا "جناح ديناميكي ونوع من التجربة الاجتماعية التي نقوم بعرضها هنا في ميلانو". ولكن لو صدَقت التوقُّعات وتوافد 3 مليون زائر على الجناح السويسري وتناولوا من هذه المواد الغذائية المعروضة، فإنها لن تكفي الجميع، إذ لا يتوفر أكثر من 2,5 مليون كيس من القهوة، كما لا تزيد مكعّبات الملح المخزونة عن مليوني وحدة. أما حلقات التفاح وأكواب المياه، فهي أقل من ذلك.

ولكن، وكما يوضح أركيدياكونو، فإن احتمال النقص، هو جزء من فكرة الجناح: "عندما لا يعود هناك شيء يمكن تناوله، ستكون الأبراج فارغة، ونحن سنتواصل مع هذا الفراغ أيضاً. فهو يبعث بدوره رسالة مفادها: لقد أخذ الزوار، الذين جاءوا في بداية إفتتاح المعرض، معهم كميات كبيرة من المواد المعروضة، بحيث لم يَعُد هناك ما يكفي للبقية، وهذا يعكس أيضاً صورة المجتمع اليوم، حيث يتوفّر لدى الكثيرين ما يزيد عن حاجتهم، في حين ليس لدى غيرهم سوى القليل".

ولكن، هل وجدت فكرة التعامل الحريص والحكيم مع هذه الموارد صداها لدى الزوار؟ هنا أجاب أركيدياكونو بحكاية قصيرة: "كانت لدينا حالة أخَذ فيها أحد الزوار معه صندوقاً كاملاً من حلقات التفاح. وقد استقل المصعد للأسفل حاملاً معه الصندوق، حيث تلقفته نظرات بقية الزوار وتساؤلاتهم. وفي نهاية المطاف، شعر بالحَرَج وأعاد الصندوق مرّة أخرى".

بدورنا نخرج من المصعد مغادرين الجناح ونحن نحمل شرائح التفاح وأكواب الماء. "أنا لم آخذ معي سوى كوب الماء"، كما تقول فيديريكا من مدينة ليكو. "المسألة تتعلّق بمبدإ نبذ الأنانية والتفكر بالأشخاص الآخرين المحيطين بنا"، كما تؤكد الشابة ذات الثمانية عشر ربيعاً.

بدورهما، لم تأخذ كلاً من واكابا ناغاكورا ووالدتها القادمتين من مدينة يوكوهاما اليابانية، سوى القليل. "من المهم أن لا يتصرّف المرء بأنانية ويأخذ لنفسه فقط، لكن عليه تقاسم ما هو موجود مع الآخرين"، كما تقول.
أما لوكا لاروسّا من مدينة شتوتغارت الألمانية، فقد تعمد التصرّف بتحفّظ. "أنا لم آخذ سوى كوب الماء، وتركت الأشياء الباقية التي لم تهمني كثيراً".

التركيز على صلب الموضوع

في نفس السياق، لم تشرب سيدة من لوكارنو ورجل من مونتي كاراسو (من كانتون تيتشينو الناطق بالإيطالية)، سوى القليل من الماء، وأخذا معهما بعض القهوة. ومع أنَّ القهوة من إنتاج شركة نستلي الغذائية، التي تتوفر على معرض خاص بها في جناح مُجاور، إلّا أن هذا الأمر لا يزعج أحداً هنا كما يبدو - على الرغم من انتقادات الصحافة.

"إن نستلي جزء من التاريخ السويسري"، كما يقول أركيدياكونو، مشيراً إلى اعتماد الجناح السويسري على شراكة بين القطاعيْن، العام والخاص. "إن البرلمان الفدرالي يجبرنا على إيجاد تمويل خارجي. وقد أدركت الشركات الكبيرة المتعدّدة الجنسيات أن عليها تحمُّل مسؤولية اجتماعية".

"لقد كنا نجهل أن سويسرا تسوِّق هذا الكَمّ الكبير من القهوة أو التفاح"، تقول فيبكه الألمانية الجنسية متعجِّبة، وهي تخرج من المصعد برفقة مجموعة من الزملاء.

وحتى مع عدم توفّر الجناح السويسري على عرض - على خِلاف الأجنحة الأخرى - إلّا أنه حقق نتائج جيدة بنظر الزوار، رغم أسلوبه المنهجي. "إنه بسيط جدا، ولا وجود لعرض فخم، ويميل إلى الصفائية الشديدة"، كما يقول ساندرو، ذو العشرين عاماً من المناطق المرتفعة لجنوب شرق زيورخ، ويضيف: "تركِّز سويسرا على صلب الموضوع، ولا تلجأ إلى الكثير من الدِّعاية. وسوف يكون من المثير بالتأكيد مشاهدة البُرج الذي سيفرغ أولاً".

"تركّز العديد من البلدان ببساطة على التقنيات الحديثة وأشرطة الفيديو لتقديم نفسها"، كما قال جوليو مونتيشيو، الطالب في المدرسة الثانوية القادم من مدينة بادوفا. ويلقى كلامه صدى إيجابيا لدى معلم من مدينة بريشا الذي يضيف بدوره: "تراهن الأجنحة الأخرى على السياحة أكثر".

ومن الطبيعي أن يتم تناول موضوع الغذاء أيضاً بشكل ملموس جداً في الجناح السويسري، وهو ما ينعكس من خلال وجود مطعم وموقف للطعام وورش عمل لصناعة وجبة الـ "راكليت" والشوكولاطة، بالإضافة إلى العديد من الأنشطة والفعاليات الأخرى، التي تتناول مواضيع التضامن والاستخدام الاقتصادي للموارد، كما يؤكد أركيدياكونو.

ولكن، أين سينتهي المطاف بشعار الاستِدامة بعد انقضاء الأشهر الستّة للمعرض؟ الجواب لدى مسؤول الصحافة أيضاً: "من المتوقّع أن يستمر استخدام الأبراج (المصنوعة من الزجاج والخشب) في سويسرا كدفيئات زراعية في المناطق الحضرية، وهناك عدد من المدن وإحدى المؤسسات التي أبدت إهتمامها بهذه الفِكرة". وكما يقول، يمكن إعادة استخدام 75% من المواد المُستعملة، وكذلك العناصر الخراسانية، التي سبق تجهيزها في سويسرا، مثلها مثل المواد الغذائية المُهْـداة من الجناح لزواره.

جاهز تقريباً

حتى الآن لا يعمل كل شيء بسلاسة، كما أن ليس كل شيء جاهز بَعد. إذ ما زالت بعض المطاعم تفتقر إلى الأثاث، كما لا تزال بعض التجمعات الخاصة بمواضيع مُشار إليها مع دول أصغر أخرى مُشارِكة، قيد الإنشاء. ولكن معظم الأجنحة الوطنية الكبرى تقريباً، بدأت بممارسة نشاطها.

وبالمقارنة مع المعرضيْن الدولييْن السابقيْن (في آيتشي باليابان عام 2005، وفي شانغهاي بالصين عام 2010)، تبدو فكرة المعرض المقام في ميلانو والمستوحاة من تصميم المعسكر الروماني القديم "الكاستروم" المتخذ لشكل صليب، أكثر بروزاً بكثير. وهكذا، يمكن مشاهدة أجنحة العرض الخاصة لنحو 60 بلداً على امتداد الشارع المحوري الرئيسي المُغطّى الـ "ديكومانوس"، الذي يبلغ طوله 1.5 كيلومتر، بينما عَرَضَت المقاطعات الإيطالية أجنحتها المختلفة على المحور العرضي الـ "كاردو"، وهو شارع عريض أيضاً بطول 350 متراً يتقاطع مع الشارع الرئيسي.

×