تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

استعدادات وقائية وإجراءات استباقية "التصدّي للإرهاب".. مِحور انشغال واسع في المغرب

فجأةً، انتصبت المدافع المضادّة للطائرات على كورنيش مدينة الدار البيضاء، العاصمة الإقتصادية للمغرب وأكبر مدنه.. وفي غياب أي توضيحات رسمية، أدلى المحللون بآرائهم بدون الإستناد إلى معلومات دقيقة، لكن التصدّي للإرهاب المُحتمل قدومه من ليبيا، كان العنوان الأبرز لهذه التحليلات، بعد ورود تقارير كشفت عن استيلاء جماعات متشدّدة، في ذلك البلد، على طائرات مدنية وعسكرية.

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الداخلية المغربيةرابط خارجي رفع درجة التأهُّـب، من أجل مواجهة التهديدات المُعلنة، سواء كانت قادمة من ليبيا أو من دول أخرى، فضلا عن تشديد المراقبة في المطارات والموانئ والمعابر الحدودية ومنع التأشيرات وتشديد الحراسة في الحدود الشرقية مع الجزائر، التي يجري بناء سياج حدودي فيها كإجراءات، في إطار بلورة إستراتيجية تمكِّـن من حماية البلاد من آثار الإرهاب مع إعطاء الأهمية القصوى للعمل الإستخباراتي وبلورة سياسة استباقية تعتمد تفكيك الخلايا أو الشبكات التي تكون بصدد التخطيط للقيام بعمليات إرهابية.

لا مفر من التذكير بأن التصدّي للإرهاب، ظل منذ عام 2002 عنوانا بارزا في الحياة اليومية المغربية، أما في الآونة الأخيرة، فقد بات مِحور الإنشغالات الأمنية والسياسية والصحفية وحتى الحقوقية، وذلك منذ إعلان السلطات عن تفكيك خلِية نائمة لتنظيم القاعدة، تضمّ سعوديين كانوا يعدّون لهجمات انتحارية في عدد من المدن المغربية.

كان ذلك الإعلان، بداية ومقدّمة لحرب باتت حقيقية بعد هجمات استهدفت الدار البيضاء يوم 16 مايو 2003، أسفرت عن مقتل 45 شخصا بينهم 13 انتحاريا وسقوط عشرات الجرحى، وشِبه حالة طوارئ لا زالت آثارها وتداعياتها تطبع نِسبيا المشهد العام في البلاد.

من القاعدة إلى الزرقاوي وصولا إلى داعش

مغربيا، كانت الحرب على الإرهاب تحمل في كل مرحلة عنوان الحرب العالمية على الإرهاب، من "القاعدة" إلى "الزرقاوي" وصولا إلى العنوان الأحدث "داعش"، الكلمة المُختصَرة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، لكنها حملت في جميع المحطات نفس السِّمات، وخاصة ما يتعلق بالهجمات الإستباقية التي اعتمدتها السلطات الأمنيةرابط خارجي في مُواجهة الخطر المُحتمل، وذلك رغم الإنفلاتات التي حصلت بالدار البيضاء ومكناس ومراكش خلال السنوات الأولى لاندلاع هذه الحرب.

الشرقي الضريس، الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية المغربي، أبلغ وفدا من الكونغرس الأمريكي، زار المغرب في بداية شهر سبتمبر الجاري، أن السلطات فكّكت منذ عام 2002 حوالي 124 خلية كانت تعد لنشاطات تهدِّد أمن البلاد، وقامت بحجز كميات كبيرة من الأسلحة. وبعد أن ذكّر بموقع المغرب بين إفريقيا وأوروبا، جدّد أمام ضيوفه الإلتزام الراسخ بمواجهة كل أشكال العنف والتطرّف وتزايد التهديدات الإرهابية، وهو ما دفع المغرب لاعتماد مقاربة أمنية شاملة، أساسها تفعيل التعاون الثنائي والإنخراط في الجهود الإقليمية والدولية المتعلِّقة بمحاربة الإرهاب .

ومنذ نحو 14 عاما، تُعلن السلطات المغربية بين الفينة والأخرى، عن تفكيك شبكات ينشط أفرادها في الإعداد لهجمات انتحارية أو في تجنيد شبّان مغاربة للإلتِحاق بتنظيمات متشدّدة، مثل تنظيم القاعدة (ثم داعش والتنظيمات الأصولية الأخرى التي تنادي بالجهاد، وكان لهُم دور متميز في المناطق التي خاض فيها التنظيم حروبه، من أفغانستان إلى العراق والصومال والبوسنة والشيشان ثم سوريا).

مناصب قيادية لمقاتلين مغاربة

ومنذ الإعلان عن اعتبار "الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تنظيما إرهابيا، أصبح عنوان الشبكات المفكّكة، الإرتباط بهذا التنظيم وتجنيد الشباب المغربي للإلتحاق بصفوفه. وفي هذا السياق، وضع تقرير أمريكي جديد المغرب في مقدِّمة دول العالم المُصدِّرة لمواطنيها، بغرض القتال في صفوف جماعات جهادية على الأراضي السورية، حيث احتلّت المغرب الرُّتبة الثالثة من خلال تواجد حوالي 1500 مقاتِل مغربي في الشام.

وفي منتصف يوليو 2014، كشف وزير الداخلية المغربي محمد حصاد عن وجود ما بين 1500 و2000 مغربي يقاتلون إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، يشغل البعض منهم مناصِب قيادية في التنظيم.

وأوضح الوزير أن عددا من المغاربة يتبوَّأون مناصِب رفيعة في "الدولة الإسلامية"، بينهم وزير عدل التنظيم (القاضي الشرعي) وأمراء مناطق (وُلاة) ومسؤول الحدود الترابية (بمثابة وزير داخلية) ومغربي آخر تمّ تنصيبه أمير مِنطقة جبال تركمان، وهو ما يعادِل منصِب والي أو محافظ، وهناك مغربي آخر أمير الحدود الترابية، بالإضافة إلى الشاب المعروف إعلاميا إلياس المجاطي، ابن فتيحة المجاطي، الذي ينشط عضوا في اللجنة الإعلامية المكلّف بالتغطية الإعلامية للتنظيم، ومغربي آخر مسؤول باللجنة المالية لهذا التنظيم.

وأشار حصاد في تصريحات أدلى بها أمام البرلمان، أن 1122 مغربيا انطلقوا من المغرب للإلتحاق بالتنظيم المتطرِّف، بينما يحمل المغاربة الآخرون جِنسيات أجنبية مُختلفة، والتحقوا بجبهات القتال، انطلاقا من دول المهجر، فيما عاد 128 مقاتلا مغربيا من سوريا لأسباب مختلفة، ألْـقِي القبض عليهم جميعا و"التباحث" معهم بشأن أسباب التِحاقهم بالتنظيمات المتطرِّفة، ومخططاتهم بعد عودتهم إلى المملكة.

وأشار المسؤول المغربي - بناءً على معلومات استخباراتية - إلى أن زهاء 200 مغربي قُـتلوا في سوريا، من بينهم 20 شخصا نفَّـذوا عمليات انتحارية، في حين أعلن مقاتلون آخرون في تسجيلات نشرت على شبكة الإنترنت عن رغبتهم في العودة إلى المغرب لتنفيذ مخطّطات إرهابية، تستهدِف منشآت وشخصيات عامة، كاشفا وجود لائحة بأسماء شخصيات يستهدفها المقاتلون.

الوزير حصاد قال أيضا أن "ما يُـخيف أكثر، هو أن هذا التنظيم تُقبل عليه أعداد متزايدة من المقاتلين، وخاصة الأشخاص القادمين من دول عربية وأوروبية، وأن الإحصائيات تُـشير إلى وجود أكثر من 10 آلاف عُضو بهذا التنظيم، ومنهم مغاربة".

قلق المغرب من الجهاديين

في السياق نفسه، يبدو أن مدن شمال المغرب (العرايش وطنجة وتطوان والفنيدق) والمغاربة المقيمين بالخارج أو يحملون جنسيات أوروبية، شكلوا الرافد الأساسي للتنظيمات الأصولية المتشددة، التي تنشط في دول عديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتبايَن تعامل السلطات مع هؤلاء، على ضوء الموقف الدولي من هذه التنظيمات، إذا كانت تغض النظر في المراحل الأولى من المواجهات ثم تشنّ حربها حين تصبح هذه التنظيمات مهدِّدة لأمن ومصالح الدول التي ساهمت في إنشائها وتمويلها ورعايتها، مثلما وقع في أفغانستان مع تنظيم القاعدة أو في سوريا مع جبهة النصرة ثم داعش ثم الدولة الإسلامية.

وعلى غرار الدول التي غضَّت النظر عن الظاهرة، بدأ المغرب بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وانتشار تنظيم القاعدة وعودة مقاتليه إلى بلدانهم، في إدراك المخاطر المحتملة لهذه العودة وقابلية هذا الصنف من العائدين للمشاركة في هجمات انتحارية في بلدانهم.

وفي هذا الصدد، أفادت صحيفة "وورلد تريبيونرابط خارجي" الأمريكية، أن تنظيم "داعش" أنشأ خلايا في عدّة مناطق بشمال المغرب، وأوردت الصحيفة نقلا عن مصدر أمني قوله أن "داعش" لديها الكثير من الأموال التي تجنِّد بها أنصارا لها، وأن الجماعة تقوم بتجنيد المغاربة للقتال في العراق وسوريا منذ ما يقرب من عامين، حيث تمّت تعبِئة أكثر من 2000 مغربي لهذه الحرب، قبل أن يعود بعضهم للمغرب لإنشاء خلايا تابعة لـ "داعش".

وفي شهر يوليو الماضي، نشر تنظيم داعش مقطع فيديو يبرز جهود تجنيد مواطنين مغاربة، شُوهد فيه شابّ يبلغ من العمر 28 عاماً يُدعى محمد حمدوش، كان يقيم في شمال مدينة الفنيدق (القريبة من مدينة سبتة التي تحتلها إسبانيا والمنفَـذ الرئيسي للتهريب)، وهو يقطع رؤوس خمسة أشخاص في سوريا.

شمال المغرب.. تُـربة خصبة للإرهابيين

من جهتهم، يقول عدد من الباحثين إن شمال المغرب شكَّل تُـربة خصبة لتوليد "الإرهابيين"، لأنه أهمِـل عقودا طويلة بعد استقلال البلاد واعتمد اقتصاده وتنميته على زراعة المخدّرات والمتاجرة بها أو على تهريب السِّلع من إسبانيا، وهي أنماط اقتصادية تؤهِّـل ممارسيها للخروج عن القانون، بغضِّ النظر عن دوافع هذا الخروج.

خلاصة القول أن الحرب على الإرهاب لا تنتهي ولا قواعد منظمة لها، لأنها حرب ضدّ أشباح مُنتشِرة بين المواطنين، تعيش معها وتأكل معها، وليست مُنعزلة في قواعد أو ثكنات. فهي كائنات بشرية تملك الرّغبة في الانتحار في سبيل قضايا تعتقد أنها عادلة وتستحقّ الموت من أجلها، إنها كائنات بشرية تَـرى ولا تُـرى، تُـراقب حتى وإن روقِبت وهي المهاجِمة وليست المُدافِعة.

في الوقت نفسه، تُعطل هذه الحرب تطبيق القوانين في بعض الأحيان، كما تكبح وتيرة الإنفتاح والإصلاحات السياسية الذاهبة بالبلاد نحو الديمقراطية. ذلك أن الأمن يُصبح سيِّد القضايا فيما يُؤجّـل النظر في الإنتهاكات والتجاوزات من طرف المسؤولين إلى وقت لاحق بتعلة أنه في صورة حصول الإنهيار الأمني وتبديد الإستقرار، فإنه يذهب بالبلاد برمتها ولا يُوجد حينها شيء قادِر على إعادة مُرتكزاتها كدولة.

×