Navigation

في الفضاء، سويسرا الصغيرة ضمن نادي الكبار

أول "شاحنة لجمع القمامة في الفضاء" ستكون سويسرية!

للإمساك بغنيمتها، زُودت مركبة "كلير سبيس ـ1" (Clear-Space-1) الفضائية بما يُشبه يدا عملاقة مزودة بأصابع معدنية طويلة يتركب كل منها من ثلاث سلاميات. هذه اليد يجب أن تُستخدم بأقصى درجات الحذر والعناية. ESA

أخيرا تكللت الاتفاقية بالنجاح: فلأول مرة، تقدم وكالة الفضاء الأوروبية تمويلاً قدره 93 مليون فرنكاً إلى شركة ناشئة.. ظهرت للوجود في سويسرا. أما المهمة التي أوكلت إليها فتتمثل في جمع النفايات الفضائية، ذلك أن بقايا الحطام المتناثرة في الجو قد تصبح خطراً حقيقياً على المهام الفضائية بشتى أصنافها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,

في العاشر من فبراير 2009: اصطدام القمر الاصطناعي التجاري الأمريكي إيريديوم 33 بسرعة تقدر بحوالي 42000 كيلو متر في الساعة بالقمر الاصطناعي العسكري الروسي كوسموس 2251. ليتفتت على إثر ذلك كلا القمرين الاصطناعيين إلى ما يزيد عن 600 قطعة من الحطام المعدني، الذي انطلق خلال الفضاء بسرعة تزيد عن عشرين ضعف طلقة الرصاص.

كانت هذا الحادثة هي أول اصطدام فضائي مسجل من هذا النوع. ومنذ ذلك الحين افتعلت بعض الحوادث المتعمدة: فبهدف تجربة الصواريخ الفضائية قام الروس والأمريكان والصينيون والهنود بتحطيم جميع أقمارهم الاصطناعية أو بعض منها.

وقد خلفت هذه الانفجارات عدة آلاف من المخلفات الاصطناعية بالمدار الفضائي، والتي قد تصبح خطراً يهدد كل مركبة فضاء ـ بل وحتى محطة الفضاء الدولية نفسها. وهذا السيناريو بالضبط هو ما تخيله المخرج ألفونسو كوارون في بداية فيلمه "الجاذبية". وها هو يصبح الآن حقيقة.

وفي عام 2009 ذاته احتفلت مورييل ريشار - نوكا مع طلابها بالمعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان بانطلاق المهمة الناجحة لمركبة "سويس كيوب". فلقد كان هذا هو أول قمر اصطناعي مصغر يتم إنتاجه بنسبة 100% بسويسرا، وهو بحجم علبة حليب كرتونية.

لكن سرعان ما فكرت مهندسة الفضاء تلك في اللحظة التي قد يتحول فيها منتجها الصغير إلى حطام تسبح في المدار الفضائي. خاصة عندما سيمر قمر "سويس كيوب" الاصطناعي بتلك المنطقة من المدار الفضائي، التي تسبح بها حطام الاصطدام الفضائي، والذي وقع قبل ذلك بفترة وجيزة.

وفي عام 2012 دشنت موريل ريشار - نوكا بالاشتراك مع مركز أبحاث الفضاء بالمعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان مشروع "كلير سبيس". في ذات الوقت وبدون ان تتفق المرأتان، اقنعت الفيزيائية لويزا إنوتشينتي وكالة الفضاء الأوروبية، بإطلاق برنامج بنفس هذا الهدف. وكانت هذه هي بداية القصة.

المدار الفضائي كمكب نفايات

منذ انطلاق القمر الاصطناعي سبوتنيك 1 في عام 1957، أطلق البشر وفقاً لبيانات وكالة الفضاء الأوروبية ما يقرب من 9600 جسماً إلى الفضاء، ومنها 5500 جسم لا تزال تدور فوق رؤوسنا. ولكن حالياً لم يعد لدينا تحكماً سوى بأقل من نصف هذا العدد. وهذا يعني: وجود 3200 "سفينة شبحية" في المدار.

ويزيد عليها حطام الصواريخ ومخلفات الاصطدامات والانفجارات وغيرها من الأحداث ـ والتي تقدر اليوم بما يربو على 500 واقعة.

وفي المجمل هناك أكثر من 8800 طن من الحطام المعدنية في الفضاء القريب، والتي لم يعد لدينا سيطرة عليها. وهذا يعادل حوالي 130 مليون قطعة حطام بأحجام تتراوح ما بين حجم حبة الأرز والحافلة.

وصحيح أن معظم هذه القطع متناهية الصغر، ولكن مع السرعة في الفضاء، فإن اصطدام البرغي الصغير يطلق طاقة تساوي طاقة قنبلة يدوية.

أما أكبر قطع تلك الحطام (والتي يقدر عددها بحوالي 22300 قطعة) فإنها معروفة ويتم مراقبتها من قِبل الهيئات المسئولة عن رحلات الفضاء. وفي حالة وجود خطر الاصطدام بأحد مركبات الفضاء، فإن هناك تحذير ينطلق، بحيث تغير تلك السفينة الفضائية مسارها بسهولة.

ومثل هذه التغيرات في المسار تعتبر سيناريو مألوف: ففي مطلع شهر أكتوبر تحتم على المسبار الفضائي السويسري "كيوبس" إجراء مناورة من هذا القبيل. كما أن محطة الفضاء الدولية على سبيل المثال، التي توجد في منطقة أكثر كثافة، اضطرت إلى تكييف مسارها ثلاث مرات في هذا العام وحده.

End of insertion
المدار الفضائي حول الأرض مزدحم للغاية، وهو ما تظهره الأجسام المتناثرة في هذا الفيلم التوضيحي برغم عدم دقة المقاييس والأحجام فيه. ESA

سبق عالمي

بعد ذلك بثماني سنوات نشأ عن مشروع السيدة نوكا بمدينة لوزان الشركة الناشئة التي تحمل نفس الاسم، ألا وهو "كلير سبيس". وفي خريف عام 2019 أعلنت الوكالة الأوروبية للفضاء موافقتها على تمويل الشركة السويسرية من بين 13 مرشحاً ـ كان من بينها عدة شركات أوروبية عملاقة. وقد أدى هذا إلى زيادة عدد المشاركين في المشروع من خمسة إلى عشرين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المضمار كان بالنسبة للسيدة نوكا وفريقها أرضاً مجهولة. إذ لم يصل أي مشروع آخر لتطهير الفضاء إلى هذه الدرجة من التقدم حتى الآن، وهذا على مستوى العالم بأسره. وقد يكون هذا هو السبب الرئيسي، الذي جعل الوكالة الأوروبية تراهن على هذا المرشح الخارجي بدلاً من المراهنة على مهمة أخرى معروفة.

لكن اللافت للنظر أكثر هو هذا المبلغ المستثمر: إذ لم تقدم وكالة القضاء مثل هذا الدعم المالي الكبير لشركة ناشئة من قبل. حيث تضع الوكالة الأوروبية تحت تصرف المشروع مبلغاً إجمالياً قدره 93 مليون فرنكاً سويسرياً. وعلى شركة "كلير سبيس" نفسها أن تتحصل على مبلغ 26 مليون فرنكاً إضافياً، لتصل إلى الميزانية المطلوبة.

في سياق متصل، عقد الباحثون بمدينة لوزان هذا الأسبوع مؤتمراً صحفياً إلكترونياً. وقد تبين أثناء هذا المؤتمر تحول الشركة الناشئة في الأثناء إلى ائتلاف تجاري حقيقي. ذلك لإن شركة "كلير سبيس" قد استغلت العام الماضي، لتوحيد معاهد وشركات اصطناعية من ثماني دول أوروبية.

ومن بينها عمالقة مثل شركة آيرباص والشركة السويسرية "رواغ" ـ والتي تنتج غطاء حمولة صواريخ آريان. وصحيح أن القمر الاصطناعي "كلير سبيس 1" يوجد حتى الآن على الورق فقط. إلا أن إنتاجه يجري على قدم وساق. وسوف تقوم الوكالة الأوروبية للفضاء بعملية مراجعة دقيقة قبل تسديد أية دفعة من التمويل.

مهمة غاية في الخطورة

طبقاً للخطة الموضوعة سينطلق قمر "كلير سبيس 1" الفضائي عام 2025 على قمة أحد صواريخ فيغا الأوروبية. وتكمن مهمته في: جمع نفايات الحديد من الفضاء وإعادتها لتدخل في المجال الجوي للأرض، حيث ستنصهر متحولةً إلى زخات من الشهب.

وسيكون الهدف الأول هو "فيسبا"، وهي ليست تلك الدراجة البخارية الإيطالية المعروفة، على الرغم من أنها ليست أكبر ولا أثقل منها بكثير ـ حيث يبلغ وزنها 112 كيلو جرام. بل هي مخروط معدني صغيرة، يقطع مسافة 800 كيلومتر حول الأرض. ويستخدم لفصل الأقمار الاصطناعية التي أطلقت على متن صاروخ حامل إلى الفضاء عن بعضها البعض.

ونلمح هنا، إلى أنه لم يسبق حتى الآن التقاط أي جسم "غير متعاون" كهذا في الفضاء. فتلك الفيسبا التي تتحرك بحرية حول نفسها، ليس لديها لا تحكم ولا محرك.

"لقد رأينا جميعاً في الأفلام، كيف يحاول أحد رواد الفضاء التقاط أداة ما، وكيف يقوم بحركة خاطئة تؤدي إلى طيران تلك الأداة مثل كرة الغولف في الفضاء. وبالنسبة للفيسبا، فإن الأمر سيكون بنفس الصورة"، على حد قول لويزا إنوتشينتي من الوكالة الأوروبية للفضاء. سيتحتم على قمر "كلير سبيس ـ 1" فتح أحد كلاباته بقوة، ليتمكن من التقاط قطعة الخردة.

وهناك تحدٍ آخر يتمثل في الشمس: فهي قد تموه الكاميرا وتجعل الهدف بهذا غير مرئي. وسيتحتم على "الصياد" حساب كل حركاته باستخدام الذكاء الاصطناعي باستمرار.

وبمجرد التقاط "كلير سبيس ـ 1" للفيسبا، سوف تتولى إنوتشينتي ونوكا وفريقهما جسم جديد تماماً، والذي سيتحتم عليهم فهم ديناميكيته أولاً. وعندئذ سيتمكنون من اتخاذ قرارهم أين وكيف يمكنهم جعله ينصهر.

فيم تكلف كل هذا العناء؟

إذن فسوف يتم صهر "سبيس كلير -1" نفسه أيضاً في الغلاف الجوي العلوي. ألا يعد هذا مبلغاً ضخماً لأجل التخلص من قطعة واحدة من نفايات الفضاء الحديدية؟

"لا"، تجيب الوكالة الأوروبية للفضاء ومشروع "كلير سبيس" في صوت واحد. فهذه المهمة ستكون الأولى فقط من بين قائمة طويلة، أملاً في التوصل إلى "صائد" يتمكن من إلقاء المزيد من الحطام واحداً تلو الآخر في أتون العودة إلى الغلاف الجوي. ويدور الحديث بالفعل عن وجوب التخلص من خمس أو ربما عشر قطع حطام، واحدة تلو الأخرى، في إطار مهمة واحدة.

وهذا ليس كل شيء: فتقنيات "كلير سبيس" قد تستخدم للتزود بالوقود أو للإصلاح، لإطالة عمر بعض الأقمار الاصطناعية. ومن المخطط له على المدى البعيد كذلك، تركيب مركبات فضائية لأجل الرحلات الجوية الطويلة، والتي تكون شديدة الثقل، بحيث يصعب دفعها مرة واحدة بسبب الجاذبية الأرضية.

"يكمن هدفنا في تقديم خدمات زهيدة ومستدامة في المدار الفضائي"، على حد قول لوك بيجيه، مدير مشروع "كلير سبيس". ويستطرد موضحاً، بدون إخفاء الهدف التجاري للشركة: إن السوق المحتمل قد يبلغ يوماً ما "ما بين عدة مئات من الملايين وعدة مليارات من الدولارات كل عام".

مسؤوليات غير واضحة

ولكن من سيدفع كلفة التخلص من النفايات في الفضاء؟ لا يوجد وضوح في المسئوليات. ذلك أن عقود الفضاءرابط خارجي، التي أبرمتها الأمم المتحدة عام 2002، تتحدث فقط عن مسئولية الدول في حال وقوع أي حادث. لكن على الجانب الآخر، لم يتم تقنين وجود لاعبين من القطاع الخاص فيها.

هل يعني ذلك أن تلك الحطام لا تعني أحداً؟

لا. فلابد من التفرقة بين الحطام القديمة والجديدة (أو حتى المستقبلية). وهناك قواعد محددة جداً، يجب على الهيئات المنوطة برحلات الفضاء والشركات الخاصة الالتزام بها. على سبيل المثال، يتوجب إعادة الصاروخ الحامل لأي قمر اصطناعي بعد مرور 25 عاماً إلى المجال الجوي للأرض مرة أخرى. ويعني هذا أن الصاروخ يجب أن يحمل ما يكفي من وقود لخوض مثل هذه المناورة.

"إن حال النفايات الفضائية يُشابه موضوع الاحتباس الحراري: حيث يسود شعور بأن أمامنا وقت لانهائي، لذلك فإننا نتقدم بخطى بطيئة جدا"

لويزا إنوتشينتي، الوكالة الأوروبية للفضاء

End of insertion

"إننا نطلق المزيد من الأقمار الاصطناعية باستمرار. فمنذ عام 2010 زاد عدد الأجسام الموجودة في المدار الفضائي بمقدار الستة عشر ضعفاً"، على حد قول بيجيه.

تعود هذه الزيادة بصورة أساسية للأقمار الاصطناعية الخاصة والمزودة بالإنترنت، مثل "سلسلة الأقمار الاصطناعية" ستارلينك من شركة "سبيس إكس"، أو "وان ويب". لكن اللاعبين الجدد "لديهم وعي بالمشكلة، ولذلك فإنهم يتصرفون بصورة فعالة"، على حد قوله.

إن المشكلة الكبرى هي إذن الحطام القديمة. لذلك يقول هذا الخبير بصورة قاطعة: "لابد من التصرف الآن أو لن يكون هناك تصرف أبداً!".

"تدور نقاشات في الأمم المتحدة حول اعتماد ضرائب على إطلاق الأقمار الاصطناعية. وسوف تستخدم هذه الضرائب لتمويل صندوق لتنظيف الفضاء، والذي سوف يدار من قِبل الأمم المتحدة"، تقول لويزا إنوتشينتي غاضبةً.

"لكن هذه النقاشات تدور بين الدبلوماسيين. وهذا الأمر يشبه ما يحدث في موضوع الاحتباس الحراري: حيث يسود شعور، بأن أمامنا وقت لا نهائي، لذلك فإننا نتقدم بخطى بطيئة جدا".


>> تحت شعار "لقد حان وقت العمل!" سوف يُعقد في شهر أبريل 2021 المؤتمر الأوروبي الثامن حول النفايات الفضائية: 

محتويات خارجية
مشاركة