تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

برنامج "آفاق 2020" عندما يُصبح البحث العلمي "ضحيّة" للديمقراطية المباشرة

في غياب تعاون دولي جيّد، من المنتظر ان يواجه البحث العلمي في سويسرا خطر الجمود والتراجع.

بعد أن غادرت سويسرا "دوري أبطال" البحث العلمي في أوروبا في أعقاب النتيجة السلبية لتصويت 9 فبراير الماضي، عبّر علماء وباحثون تحدثت إليهم swissinfo.ch عن حجم المخاوف التي تنتابهم بسبب المستقبل الغامض بعد أن قرر الإتحاد الأوروبي استبعاد المعاهد والمراكز السويسرية من البرنامج الرائد في مجال البحوث "آفاق 2020".

مارك دونات كان على وشك إرسال طلب تمويل دراسة هامة حول مرض السكّري كان ينوي انجازها من خلال التنسيق والتعاون بين 22 مركزا موزّعة بين أوروبا والولايات المتحدة، عندما علم بأن "مستقبل مشروعه الذي يحتاج إلى 5.9 مليون يورو بات غامضا"، كما يقول هذا الطبيب الذي يعمل بالمستشفى الجامعي ببازل.

ويؤكّد دونات: "توجهت بمطلبي. لكن، لم أكن أعرف هل سيُقبل مشروعي التعاوني أم لا. هذا المشروع من صنف البحوث التي من المستحيل القيام بها من دون تعاون دولي. في بلد صغير مثل سويسرا، لا يمكننا أبدا تجنيدُ ما يكفي من المرضى لإجراء تجارب على نطاق واسع. ولا توجد أيّ مؤسسة أخرى لتمويل مشروع بهذا الحجم".

وفي العادة، تشير سويسرا إلى مشاركتها في البرنامج الاطاري الأوروبي القائم على المنافسة بين المشروعات باعتبارها واحدة من الأسباب الرئيسية لإنجازاتها في مجال البحوث والإبتكار.

لقد انقلب الوضع رأسا على عقب منذ اقتراع 9 فبراير 2014، حيث أقرّ الناخبون مادة دستورية تفرض إعادة العمل بنظام الحصص بالنسبة للأجانب الراغبين في القدوم للعمل في سويسرا، وفي مقدمتهم رعايا البلدان الأعضاء في الإتحاد الاوروبي. وعقب الإقتراع علقت سويسرا العمل باتفاق يهدف إلى تمديد حرية تنقل الأشخاص إلى كرواتيا (آخر عضو يلتحق بالإتحاد)، وهو ما اضطر بروكسل إلى إعلان تعليق مشاركة سويسرا في برنامج "آفاق 2020" (بحوث)، و"إراسموس" (تبادل الطلاب مع الخارج بغرض الدراسة).

وبدعم من كتابة الدولة للتعليم والبحوث والإبتكار، اعتمد الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي تدابير انتقالية، توفّر التمويل الضروري للباحثين من أجل البقاء في المجلس الأوروبي للبحوث (CER) الذائع الصيت. ووفقا للحكومة السويسرية، فإنه "لا بد من ضمان القدرة التنافسية العالية، والطابع الدولي للبحوث في سويسرا، من خلال اتخاذ تدابير خاصة إلى حين التوصّل إلى اتفاق جديد مع الإتحاد الأوروبي".

وفي الخامس عشر من شهر أبريل الجاري، مجموعة عمل أوروبية على دراسة ملف "سويسرا – كرواتيا"، الذي يتوقف عليه مصير مشاركة سويسرا في برنامج "آفاق 2020". وفي صورة عدم حصول اتفاق بشأن حرية تنقل الأشخاص بين سويسرا وكرواتيا من الآن وحتى نهاية شهر مايو المقبل، فسيتعيّن على سويسرا إيجاد حل لهذا الموضوع على الأقل بالنسبة لعام 2015.

وفي 11 أبريل 2014، أشار يوهان شنايدر أمّان، (الوزير المعنيّ بحقيبة الإقتصاد والتكوين والبحوث في الحكومة الفدرالية) إلى أن المشاركة في "آفاق 2020" تظل أولوية بالنسبة للحكومة. وفيما يقوم الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي بدور المخزن، إلا أن هذا الإجراء يظل "مؤقتا وكحل طارئ"، كما يقول مارتين فيتيرلي، رئيس مجلس البحوثفي بالصندوق.

لا يزال الكثيرون ممن تقدموا بمطالب تمويل ينتظرون جوابا. وبالنسبة للبعض، ترك تعليق الأوروبيين للتعاون أثره على المواعيد الزمنية لتنفيذ مشروعاتهم، والبعض الآخر خيّر التخليّ نهائيا عن الأفكار التي كانت تراوده. لكن الأثر المهمّ للخطوة الأوروبية هو أن الشركاء الأوروبيين باتوا ينظرون إلى سويسرا بأنها "بلد ثالث"، اي خارج الدائرة الأوروبية- تماما مثل اليابان أو الولايات المتحدة الامريكية – مما يجعل التعاون في المستقبل أكثر تعقيدا.

برنامج "آفاق 2020"

هو أكبر وأشمل برنامج للبحث العلمي والإبتكار على المستوى الاوروبي بتمويل قدره 80 مليار يورو للفترة المترواحة بين 2014 و2020.


هدف هذا البرنامج الإطاري التابع للإتحاد الاوروبي هو الحفاظ على القدرة التنافسية لأوروبا في مجال البحث العلمي، وإزاحة العراقيل من امام البحث والإبتكار، وتيسير سبل التعاون بين القطاعيْن العام والخاص في مجال الابتكار والتجديد.

وفقا للوري أغنوا، مديرة قسم البحوث العلمية بجامعة جنيف، شارك في البرنامج الأوروبي الإطاري ما بين 2007 و2013 حوالي 3900 باحث سويسري، وقد تلقوا دعما أوروبيا يصل إلى 1.7 مليار يورو، منها 70% للمعاهد العلمية، و30% للشركات.

وفقا لتقديرات الفرع السويسري لشركة إرنست ويونغ، الشركات الاكثر تضررا من تعليق التعاون السويسري الأوروبي هي الشركات الصغرى العاملة في مجال البيوتكنولوجيا، إذ حوالي 505 من تمويلها تأتي عن طريق البرنامج الاوروبي.

swissinfo.ch

نهاية الإطار التوضيحي

هجرة الادمغة

تحذّر لوري أوغنوا، مديرة البحوث بجامعة جنيف من أنه "إذا لم يوفّق السياسيون لإيجاد حل بسرعة، فإن شركاء سويسرا في مجال البحث العلمي سينظرون إلى التعاون معها كمصدر للمخاطرة. وسوف ينجرّ عن ذلك هجرة للعقول من الجامعات السويسرية". وهي تؤكّد مثل آخرين على أن سمعة البحث العلمي في سويسرا، وأيضا ثقة الباحثين في النظام السويسري سوف تتأثّر بشكل سلبي.

 وتضيف أوغنوا: "أربعة شبان من بين 12 تقدموا بمطالب للحصول على تمويلات من المجلس الأوروبي للبحوث، وهم مثال للتميز اليوم وغدا، غادروا فعلا جامعة جنيف".

وفي أعقاب تنفيذ برنامج دعم الحكومة، تلقى الصندوق الوطني للبحوث العلمية 145 مطلبا للحصول على  ما قدره 1.5 مليون فرنك التي منحتها الحكومة كمرحلة أولى (من جملة 219 مليون فرنك) ، مبلغ يعادل تمويل 131 مشروعا الذي موّله المجلس الاوروبي للبحوث في عام 2013.

لكن المال ليس كل شيء. فعلامة "المجلس الأوروبي للبحوث" هي في حد ذاتها نوعا من التميّز، وربما نظر البعض إليها  كعملية تكريم وتتويج. وبالنسبة للباحثين الشبان على وجه الخصوص، الحصول على منحة من المجلس الأوروبي للبحوث مهمّ جدا بالنسبة لتجربتهم، وفقا لأولفييه كوتّيل، مسؤول العلاقات العامة بالمعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان.

صدمة وخيبة

راهن دينيس غيلينغام، استاذ الكيمياء بجامعة بازل، والذي يقوم ببحوث حول الشفرة الوراثية على المنح الاوروبية لإعطاء بعد دوليا لبحوثه. وأدى تعليق مشاركة سويسرا ببرنامج "آفاق 2020" إلى حرمانه من فرصة كانت في متناوله لطلب تمويل للانطلاق من المجلس الأوروبي للبحوث الذي تتاح تمويلاته خلال السنوات السبع الاولى التي تعقب الحصول على شهادة الدكتوراه.

وأوضح هذا الأستاذ من أصول كندية: "أن الشهرة والهيبة المرافقة لهذه المنح يكون لها دور فعال في الحصول على وظيفة دائمة في الجامعات الاوروبية". وبالإضافة إلى ذلك، بالإمكان دائما الحصول على دعم من الإتحاد الاوروبي. ولكن منح المجلس الأوروبي تكون لها الاولوية دائما.

ويأسف الباحث لأنها "كانت آخر فرصة للتقدم بطلب للحصول على وظيفة وبداية تجربة مع منحة من المجلس الأوروبي للبحوث. في هذا الإطار كنت بمثابة السمكة الكبيرة في مسبح صغير. وانطلاقا من الآن، أنا سمكة صغيرة في مسبح كبير. وأكثر من ذلك، تحيط بنا منافسة شرسة".

ومثل العديد من الباحثين القادمين من بلدان أخرى، بدأ ينتاب دينيس غلينغام شكا في أن تحافظ سويسرا على خاصيتها كجنة للبحوث العلمية المتطوّرة كما هي اليوم بفضل دعم الحكومة والآليات المتوفّرة لربط الإكتشافات العلمية بمجتمع التصنيع، والتواجد عن قرب من المؤسسات المصنعة للأدوية.

هذا الشعور يتقاسمه معه كذلك كريستيان سينغستاغ، رئيس قسم البحوث بجامعة بازل، والذي برأيه: "سوف تصبح سويسرا أقلّ جاذبية بالنسبة للباحثين الأجانب. وهؤلاء سوف يفكّرون مليا قبل أن يقبلوا أي عرض للقيام ببحوثهم في سويسرا وهو ما يتطلّب مصدر لتمويلات مهمّة من أطراف أخرى غير سويسرا والإتحاد الاوروبي".

ولابد من الإشارة إلى أن المطالب التي سوف تتأثّر بالإجراء الاوروبي هي المطالب المقدّمة بداية من ربيع 2014، وليست تلك التي هي بصدد التنفيذ وحاصلة على منح في الماضي. ولهذا السبب، سوف يتواصل تمويل مشروع الدماغ البشري إلى عام 2016، ولكن ماذا على المدى الطويل؟.

لقد اعلن هونري ماركرام، مدير المشروع مؤخرا: "نحن قلقون وبرنامج "آفاق 2020"، هو مرتكز اساسي في عملية تمويل مشروع الدماغ البشري، ونحن الآن بصدد صياغة خطط أكثر تفصيلا لتقديمها للبرنامج الأوروبي. وهذا عمل مرهق لحالة عدم اليقين التي تحيط بهذا التمويل".

ترْكُ سويسرا أيضا ليس خيارا، بحسب هنري ماركرام لأن "التجذّر في سويسرا ضروري لتطوير مشروع الدماغ البشري". وإذا لم يعثر على حل لمسألة التعاون مع البرنامج الأوروبي "آفاق 2020"، فإن ذلك، يحذّر أولفييه كوتّيل، "ستكون له عواقب وخيمة بالنسبة للبحوث العلمية في سويسرا عموما. وتحقيق التميّز والتفوّق لا يحتاج من المرء المال فقط. بل أيضا التعاون مع أفضل الباحثين في العالم".


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

×