فيـزياء الجُســيمــات السّـيرن لن يحتضن المُعجل التّصادمي العملاق القادم

صورة فنية لنفق ILC المصادم الخطي الدولي المستقبلي

صورة فنية لنفق ILC المصادم الخطي الدولي المستقبلي

أصبح بعدُ لِمُصادم الهادرونات الكبير (LHC) الذي بدأ تشغيله في المركز الأوروبي للأبحاث النووية "سيرن" عام 2008، خلفا يُدعى المُصادم الخطّي الدّولي (ILC)، الذي يُفترض أن يُدشّن في غضون خمسة عشر عاما باليابان على الأرجح. ولكن هذا لا يعني بالضرورة نهاية المركز الواقع على الحدود السويسرية الفرنسية، لأن مساعي الكشف عن أسرار المادة لا يمكن أن تُبذل إلا بتظافر الجهود على المستوى العالمي.

المُصادم الخطّي الدّولي (ILC) بات جاهزا على الورق. هذه الآلة الجبارة الجديدة هي ثمرة دراسات استمرّت عشرة أعوام، شارك فيها أكثر من 1000 عالم ومهندس من حوالي 100 جامعة ومختبر في أزيد من 20 بلدا.

وقد تمّ رسميا يوم 12 يونيو 2013 تسليم تصميمات بنائه إلى مجلس اللّجنة الدولية لمُسـَـرِّعات المُستقبل. وأقيم حفل بهذه المناسبة تمت متابعته عبر الاتصال بالفيديو في كلٍّ من جامعة طوكيو اليابانية، ومركز "سيرن" السويسري الفرنسي، ومختبر "فيرميلاب" بشيغاكو الأمريكية، وهي ثلاثة مواقع علمية بارزة في مجال فيزياء الجسيمات.

وسيتكوَّن المُصادم الخطّي الدّولي من مُسرِّعين خَطِّيين مُتقابلـيْن. وسيُحدَث بداخله تصادم الإلكترونات والجسيمات المضادة لها (البوزيترونات)، المشحونة جدّا بالطاقة. هذه التصادُمات ستجري في قلب كاشفات وسط الجهاز الذي يمتدّ على طول 31 كيلومترا. وعند أقصى سرعة، ستلتقي حزم الإلكترونات والبوزيترونات 7000 مرة في الثانية الواحدة. وستحتوي كل حزمة على 20 مليار جُسيمة تتركّز في مساحة أدقّ بكثير من سُمك شعرة، وبالتالي فإن معدل الاصطدام سيكون مرتفعا جدا.

لم تفضيل مُصادم مستقيم بدلا من دائري؟

في مُصادم الهادرونات الكبير LHC، ترتطم الجسيمات ببعضها البعض داخل حلقة ذات قطر محدد، ولكن في المصادم الخطّي الدولي، يتم الاصطدام بينها وسط نفق مستقيم.

فما هي إذن ميزة المصادم الدائري؟ عندما نُجبر جسيمة على الدوران – في حين أن طبيعتها تدفعها إلى اتباع خط مستقيم – فإنها تفقد طاقتها من خلال إشعاعها للضوء، وهذا الضوء يصبح أكثر قوة مع السرعة (بحيث يتجاوز بمقدار 10000 مرة كثافة الشعاع المنبعث من الشمس).

كلما زاد وزن الجسيمة، كلما انخفضت الإشعاعات السنكروترونية المنبعثة منها، وكلما قلّ فُقدانها للطاقة خلال دورانها، وبالتالي من المنطقي بناء معجلات دائرية للبروتونات (وهي جسيمات ثقيلة) ومعجلات خطّية للإلكترونات (وهي جسيمات خفيفة).

"فطيرة الكرز" لتبسيط الأمور

إلى عام 2000، كان التَّصادم بين الإلكترونات والبوزيترونات يتم داخل "مُصادم إلكترون-بوزيترون الكبير" (LEP)، سلف (LHC) في سيرن، ولكن طاقة التصادم في تلك الفترة كانت محدودة في 209 "جيغا إلكترون فولت" (GeV). أما داخل المُصادم الخطّي الدّولي، فقد تصل إلى 1000 "جيغا إلكترون فُولت" عندما يبلغ المُصادم أوج قوته.

غير أن الطّاقة ليست العنصر الأهم والوحيد في هذه العملية، إذ يُعتبر وضوح النتائج الميزة الكبرى لمُصادمات الإلكترون والبوزيترون، لأن الإلكترون والبوزيترون هما جُسيمات أولوية، في حين أن بروتونات مصادم الهادرونات الكبير (LHC) في حدّ ذاتها تتكوّن أيضا من عدّة جزئيات أخرى، أصغر حجما. وكان فيزيائي ياباني قد روّج صورة مُبسّطة لهذه العملية، بحيث يمكن أن نتخيّل أن هذه الآلة تُحدِثُ تصادما بين شرائح من فطيرة الكرز. وينجم عن التصادم كُتلةٌ من العجين والسُّكر والفواكه، وأحيانا، قد يحالفك الحظ لتُبصر تصادما بين نواتيْ كرز، بينما لن يتصادم داخل (ILC) سوى نواتات فاكهة الأرز.

لكن الهدف من وراء هذه العمليات لا يتمثّل في العثور على جُسيِّم "بوزون غيغز" الشهير، بما أن "LHC" قام بذلك بالفعل بطاقة تصادم بلغت 126 "جيغا إلكترون فولت". في الواقع، سيكون بمقدرة الآلة الجديدة إنتاج جميع الجزيئات المعروفة، كما أنها ستتيح دراسة تفاعلاتها مع بعضها البعض.

ولا يتوقّفُ الأمرُ عند هذا الحدّ، بحيث يوضح فرانسوا لوديبيردي، من جامعة باريس 7، وعضو اللّجنة الأوروبية للمُصادم الخطّي الدّولي قائلا: "إن إحدى مَحاسن مُصادم "ILC" هي قُدرته مثلا على الكشف عن تفكُّك "بوزون هيغز" إلى جزئيات مادّة مظلمة. لدى إحداث تصادم بين إلكترون وبوزيترون، يُولِّد إلغاءُ كل واحد منهما في الآن نفسه "بوزون Z" و"هيغز" اللذين يتفككان بسرعة. حينئذ، نلاحظ فقط تفسُّخ "Z". نقيس طاقة ومقدار حركة الجُسيمات الناجمة عن هذه العملية [أيّ تفكك Z]، وعلى هذا الأساس، يُمكننا استخلاص كُتلة الجزئيات غير المرئية الناجمة عن تفكك "هيغز". وإذا بلغت طاقة التصادم 126 "جيغا إلكترون فولت"، فإن ذلك دليلٌ على أن هيغز يمكن أن يتحلّل إلى جزيئات غير مرئية".

وهنا سنحصُل على مُستهلّ جواب لاستيعاب أحد أكبر أسرار الفيزياء وعلم الكونيات. فالمادة "العادية"، والمرئية، لا تشكل في الواقع سوى حوالي 4% من كل ما هو موجود في الكون، بينما يتكون 22% من المادة المظلمة و74% من الطاقة المُظلمة. وبالنسبة للمادة المُظلمة أو السوداء، هنالك أسباب وجيهة للاعتقاد بأنها تتشكل من جُسيمات.

في المقابل، تظل الطاقة السوداء "لُغزا بأتمّ معنى الكلمة" وفقا لتصريحات هذا الفيزيائي الفرنسي، الذي أضاف أن "الطاقة السوداء تُفلت تماما من أيّة مُحاولة لوصفها من منظور فيزياء الجسيمات. والمُصادم الخطّي الدّولي لم يُصْنع في الأساس لحلّ هذا اللُّغز، إلا في حال حدوث مفاجأة".

استعارة فطيرة الكرز

© Sandbox Studio for Symmetry Magazine

اليابان.. المُرشح الأوفر حظا؟

وإذا كان بناء مُصادم LHC قد تمّ في نفق مُصادم LEP القديم، بالقرب من جنيف على الحدود السويسرية-الفرنسية، فإن المولود الجديد لن يرى النور في "سيرن". ويؤكد رولف-ديتير هويير، المدير العام لهذا المركز قائلا: "ليست هنالك أية فرصة لإقامة المُسرِّع هنا، لأننا منشغلُــون تـماما بمُصادم LHC. وفي الوقت الحالي، البلد المرشح الوحيد الذي أعتقد أنه قد يستطيع بناءه في فترة زمنية معقولة هو اليابان. ويبدو أن حكومته مستعدة لتوفير الأموال [الضرورية] التي يُتوقع جلبها من خارج قطاع البحوث". وهذه في حدِّ ذاتها ميزة لا يُستهان بها بالنسبة لآلة تُقدَّر قيمتُـها حاليا بزهاء 8 مليار فرنك.

وتقترح اللجنة اليابانية لدعم المشروع إيواء نفق المُسرِّع في جبال كيتاكامي، على بُعد 500 كيلومترا شمالي طوكيو. حماس اليابانيين الكبير للفكرة جعلهم يسارعون إلى التباهي بمنافع المُصادم الخطّي الدولي من خلال شريط ترويجي يـُـظهر بأن الانفجار الكبير وفيزياء الجُسيمات من المواد التي تُدرَّس في بلادهم ابتداء من رياض الأطفال. ولا أحد يُنكر أن اليابان تتمتع بالدّراية العلمية والتكنولوجية الضرورية. وحسب تقديرات مركز الإنتاجية الياباني، يعني احتضان المُصادم المستقبلي توليد إيرادات مالية تتجاوز قيمتها 40 مليار دولار على مدى 30 عاما، وخلق 250000 موطن عمل، من وظائف مباشرة وغير مباشرة.

ولكن المعركة لم تُكسب بعدُ لفائدة اليابان، إذ يُتوقع اتخاذ القرار النهائي في عام 2015، وقائمة المرشحين تضم بلدان أخرى مثل ألمانيا، وروسيا، والولايات المتحدة. ولايزال الغموض يكتنف شكل المنظمة التي ستدير في المستقبل تلك الآلة العملاقة. "هذا سوف يعتمد على المناقشات على مستوى الحكومات، والتي تتجاوز اختصاصاتنا"، مثلما يشرح هويير قبل أن يضيف: "في الوقت الراهن، لازلنا فقط في مرحلة المفاوضات الثنائية بين اليابان والبلدان لأخرى. فهل سيكون هيكل المنظمة المقبلة نسخة طبق الأصل لبنية مركز "سيرن"، أو حتى فرعا تابعا لها، لا نعلم ذلك، ولكن الشيء الواضح هو أنها لا يمكن أن تكون سوى منظمة دولية، بل حتى عالمية".

المُصادم الخطّي الدّولي (ILC) في دقيقتين

© Rey.Hori/KEK

مركز "سيرن" سيواصل مشواره

ويُتوقَّع أن يبدأ تشغيل المصادم الخطّي الدّولي ما بين 2025 و2030، أي عندما يتوقف مصادم الهادرونات الكبير عن العمل. ولكن سيكون من الخطأ اعتبار المصادم الجديد نسخة مُحدّثة لسلفه، لأن الآلتين متكاملتان، مثلما يشرح مدير مركز "سيرن"، قائلا: "الوضع يُشبه ما يجري في مجال الفيزياء الفلكية، حيث تتم مراقبة السّماء بمنظارات في الضوء المرئي، وبتلسكوبات بالأشعة تحت الحمراء، وأشعة فوق البنفسجية، وتلسكوبات لاسلكية، وهنالك حاجة لكل هذه الآلات للحصول على صورة كاملة، وفي مجالنا أيضا، تدرس المُصادمات أمورا متشابهة، ولكن من وجهات نظر مختلفة".

ولكن ماذا سيحل بمركز "سيرن" عندما تتوقف حركة مصادم LHC وتتجه الأنظار إلى اليابان ربما ومصادم ILC؟ يجيب هويير: "فيما يتعلق بالعلماء والمهندسين، لن تتغير كثيرا الأوضاع داخل موقع جنيف عما هي عليه اليوم. سوف نشارك انطلاقا من هنا في تجارب ILC، وسنقوم بتحليل البيانات وبالعمل على تطوير خلف ILC. منذ أن بدأ تصنيع المُعجلات العملاقة، احتضنّا مصادم LEP، بعد ذلك تم تجاوز قوة التصادم في مُعجل "تيفاترون" بمختبر فيرميلاب [بالولايات المتحدة]، قبل أن يستعيد "سيرن" الصدارة مُجددا [من حيث قوة التصادم] بمعجل LHC. وأعتقد أن هذا الذهاب والإياب بين القارات أمر مُحفز للغاية وصحيّ جدا".

ويُفكر مجتمع علماء فيزياء الجسيمات بالفعل في الجهاز الذي سيخلف ILC. ولن تعتمد خصائصه وأداؤه على التطور التكنولوجي فحسب، بل أيضا، وفي المقام الأول، على النتائج التي سيتم التوصل إليها على أساس استخدام مصادم LHC خلال عشرة إلى خمسة عشر عاما.

ولمواصلة التحقيقات بشأن آخر أسرار المادة، والفضاء، والزمان، والتي ستتجاوز قدرات معجل ILC، ربما قد يتوجّب مصادم أقوى. فهل سيتم داخله تصادم الإلكترونات والبوزيترونات، أو البروتونات ضد بروتونات أخرى، أو ربما جزيئات أخرى؟ في الحالة الأولى، يتوفر مركز "سيرن" بعدُ على مخططات، وفي الحالات الأخرى، سيعمل بالتأكيد على بلورة مشاريع قد تُفضي إلى احتضانه مُجددا لأقوى مُعجل... في مستقبل بعيد.


(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch



وصلات

×