Navigation

Skiplink navigation

الفقر الخفي في سويسرا

عندما يُـصبح المال عدوّا دائما Keystone

لا أحد في سويسرا يمُـوت جوعا! لكن، وِفقا لأحدث تقديرات منظمة كاريتاس الخيرية، يوجد نحو 700 ألف إلى 900 ألف شخص يعيشون تحت خط الفقر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 يناير 2010 - 09:00 يوليو,

والسؤال الذي يطرَح نفسه هنا هو: ماذا يعني أن يكون الإنسان فقيرا في واحدة من أغنى دول العالم؟ وبدورها أحالت swissinfo.ch هذا السؤال على إريك كريتاز، خبير شؤون السياسة الاجتماعية في جامعة نوشاتيل.

نعم، ليس من السّـهل الحديث عن الفقْـر في بلد يتمتّـع بأفضل جَـودة معِـيشة في العالم، وليس من السّـهل تصوّر ذلك ولا فهمُـه ولا حتى التّـعامل معه! لكن هنالك شباب بلا عمل وأسَـر دون ثقة بالمستقبل وكبار سِـنٍّ مغلوبٌ على أمرِهم يعيشون على هامش مجتمع يتباهى بالغِـنى والمقدرة والأمان.

وإن كُـنا في سويسرا لا نرى الفقر في كل مكان ولا نسمع أحدا يتحدّث عنه، بل إنه كثيرا ما يتجاهل، إلا أنه حقيقة واقعة. وبمناسبة السَّـنة الأوروبية لمحاربة الفقْـر توجهت swissinfo.ch إلى محاورة البروفسور إريك كريتاز، خبير الشؤون السياسية الاجتماعية في جامعة نوشاتيل في محاولة لفهْـمٍ أوضحَ لهذه الظاهرة وأبعادها، لاسيما وأنها تطَـال بصورة أو بأخرى كلّ البلاد، دونما استثناء.

swissinfo.ch: حتى لو أنه لا يموت أحد من الجوع، إلا أنه يوجد في سويسرا، وِفقا لأحدث تقديرات منظمة كاريتاس، شخص واحد من بين كل عشرة أشخاص يعيش تحت خطِّ الفقر، فما هو مفهوم الفقْـر بالنسبة لسويسرا؟

إريك كريتاز: من الطّـبيعي أننا عندما نتكلّـم عن الفقر في سويسرا - كما هو الحال في البلدان المتقدِّمة الأخرى – نُـشير إلى الفقر النِّـسبي، أي عدَم القُـدرة على عيْـش حياة كريمة أو حياة مُـتجانِـسة مع الواقِـع الاجتماعي أو حياة لها ذات المُـستوى المعيشي للآخرين.

إن المعنى الفِـعلي لكون المرء فقيراً في بلدٍ غنِـي، هو عدَم تمكّـنه من العيش العيشة الكريمة وأن يعيش على هامِـش المجتمع. وغالبية الناس الذين نعتبِـرهم فقراء، مُـتاح لهم الحصول على مسكَـن وضمان صحّـي وتعليم لأطفالهم، إلا أنهم قد لا يستفِـيدون دَوْما من الإمكانيات المُـتاحة، إما لخجل أو أنفة أو ربّـما لمجرّد جهْـل وعدَم معرفة.

على الرغم من أن الفقْـر المُـدقع بأشكاله المُـختلفة قد تلاشى من سويسرا، إلا أنه بمجرّد أن يفتح المرء عينيه، يُـدرك بأن هنالك أُناسا لا يزالون يعيشون في فاقة، وأن هنالك أناسا يهجرون حياتهم الاجتماعية ويلجؤون إلى العُـزلة، حيث بالكَـاد يستطيعون أن يكمِّـلوا حتى نهاية الشهر، وربّـما فقدوا بذلك الصُّـحبة، وشيئا فشيئا، يجدون أنفسهم في عُـزلة كامِـلة عن محيطهم الاجتماعي، الذي كانوا يألفونه ويعتمِـدون عليه. ناهيك أن هنالك شباب، ربما وجدوا أنفسهم مُـنقادين إلى الدَّيْن تِـلو الدَّيْـن بسبب رغبتِـهم في مُـحاكاة أصدقائهم، ليجدوا أنفُـسهم بعد ذلك غارقين في دوّامة التَّـبعية الاقتصادية.

نجِـد في سويسرا تضارُبا في الأرقام حول الفقْـر، فكيف يا ترى تُقـاس هذه الظاهرة؟

إريك كريتاز: في أكثر الحالات، يُـؤخذ في الاعتِـبار فقط المؤشِّـر المالي. فمِـن وجهة النظر الإحصائية، يُـعتبر الشخص فقيرا، إذا كان دخله دون مستوىً معيِّـن، أي دون 60٪ من متوسط الدّخل على سبيل المِـثال.

أما المؤتمر السويسري للمؤسسات الاجتماعية (COSAS)، فإنه يستنِـد إلى مجموعة من السِّـلع والخدمات التي تُـعتبر ضرورية بالنِّـسبة للحياة الاجتماعية المُـتكامِلة، دونما اعتبار لمتوسّـط الدّخل، وإنما يحسب حساب تلك الاحتياجات، بدءً من المسكَـن إلى مُـمارسة الهِـواية التي تُمثل ضرورة، سواء للفرْد أم للأسرة، كي لا يشعروا بأنفسهم على هامِـش المجتمع.

أخيرا، إن إتِّـباع نهْـج أكثر مُـرونة في تقييم الاحتياجات المتغيِّـرة للسكان في مجتمع استهلاكي، يستنِـد إلى مؤشِّـرات ومفاهيم مُـختلفة للفقْـر، مثل ماذا ينقُـص هؤلاء الأشخاص؟ وما هي احتياجاتهم الضرورية، لكي يشعروا بأنهم جزءُ من المجتمع؟ من شأن ذلك أن يضع بيْـن أيدينا أرقاما ستكون بالتّـأكيد مُـتضاربة، ولكنها ستكشِـف لنا عن ظاهِـرة تبعثُ على القلق.

ما هي العوامِـل الرئيسية المؤدِّية إلى الوقوع في خطَـر الفقر؟

إريك كريتاز: هناك العديد من العوامِـل التي يمكِـن أن تجعل ظروف حياة الفردِ صعبةً. فمثلا مستوى التأهيل العِـلمي عند الشباب يؤثِّـر تأثيرا كبيرا على حاضرهم ومُـستقبلهم، والشّـخص الذي لا يحصل على مستوى تعليم أو تأهيل ما بعدَ مرحلة التعليم الإلزامي، يعتبرُ في أيَّـامنا هذه مُـعاقا اجتماعياً، بينما لم تكُـن هذه المشكلة في الوارد قبل 30 سنة فقط.

بالإضافة إلى نوع التأهيل، هناك عوامل ديموغرافية، مثل الطّـلاق وكذلك عدد الأطفال، فهُـما قد يؤدِّيان إلى تردِّي الأوضاع المعيشية. وتشير الدراسات إلى أنه في حالة حدوث طلاق، تزداد الاحتياجات بينما يبقى المرتّـب نفسه، كما أن الأسَـر كثيرة العدد في سويسرا تشعُـر بالوطْـأة، إذ مع مَـجيء الطفل الثاني، تبدأ ميزانية الأسْـرة في المعاناة.

ولا شك أن الوضع يزداد تعقيدا بالنسبة للأجانب، نظرا لما يُـكبِّـل مسيرتهم من تدنّـي في المستوى التعليمي، وأسَـر كبيرة العدد، كما أنهم غالبا ما يشتغِـلون في القطاعات ذات الإنتاجية المتدنِـية، وهي بالتالي متدنية الأجُـور.

غالبا ما يُـقصِّـر أصحاب السياسة في التصدِّي للمشاكل الاجتماعية. فمِـن أين ينبغي علينا أن نبدأ في غِـياب إستراتيجية وقائية مُـيَـسّـرة وفعّـالة؟

إريك كريتاز: يجِـب علينا أولا تغيير الطريقة المتّـبعة في مُـعالجة المشكلة، إذ يتحتّـم علينا بالإضافة إلى مدّ يدِ العَـون لهؤلاء الأشخاص، أن نسعى في تطوير إستراتيجية استثمارية طويلة الأجل تركِّـز على الشباب بالدّرجة الأولى. وهذه فكرة سهْـلة، إذ لو ركّـزنا مثلا على الأطفال والمُـراهقين من خلال تحسين التعليم وتقديم الدّعم للأسر، فستكون هناك فُـرصة أكبر لإنتاج جِـيل أكثر اعتِـمادا على النفس وأكثر استقلالية في مجالِ العمل.

في البداية، قد يبدو مثل هذا الاستثمار مُـكلفا، إلا أنه ستكون له على المدى البعيد انعِـكاسات إيجابية على الدولة، حيث ستقِـل حالات الرِّعاية الاجتماعية. وعلى أية حال، ليس من السّـهل إقناع السياسيين بضرورة اعتِـماد سياسات لن تظهر نتيجتها إلا بعد 20 عاما، لاسيما إذا كُـنا في فترة رُكود اقتصادي.

أمام هذا المشهد من الفقْـر، ألاَ يجوز لنا أن نتساءل حول مدى فعالية نظامِـنا الاجتماعي؟

إريك كريتاز: لا أعتقد ذلك، على الرغم من وجود بعض الحالات المأساوية، إذ يجب علينا أن نكون قادِرين على المقارنة، خاصة إذا أمكننا أن نتصوّر الحال الذي كُـنا عليه من قسوة الظروف المعيشية قبل عقود قليلة من الزمان، يومها لم يكن عندنا نظام اجتماعي، أما اليوم، فأغلب الشعب السويسري أحواله بشكل عام جيدة، والفضل في ذلك – عائد أيضا – إلى نظام التأمينات وإلى الدّعم الحكومي. صحيح أن هنالك حاجة لجُـملة من الإصلاحات بسبب أن المخاطر الاجتماعية تغيّـرت عنها أيام السبعينات والثمانينات، إلا أنني لا أعتقد بأن هذه الإصلاحات ترقى إلى المُـستوى الذي يُـمكن أن يقوض نِـظامنا الاجتماعي.

وجدير بالذكر أن أولى ما يجِـب أن نقوم به من إصلاحات هو تطوير السياسات الخاصة بالأسْـرة، مع الأخذِ بعيْـن الاعتبار أننا ننْـعم بالعَـيش في بلد يتوفّـر على سوق عمل جيِّـدة إلى حدٍّ ما، إذ على الرّغم من الرّكود الاقتصادي، فإن معدّل البطالة في سويسرا أقل من 5٪، حتى أن هنالك الكثير ممّـن يروْن بأن سوق العمالة في سويسرا ما زالت قادرة على العمل بكامِـل طاقته الاستيعابية، هذا بالنظر إلى ما تُـعانيه الدول المجاورة حيث تزيد نسبة البطالة عن 15٪.

فالمطلوب من الدولة بالتالي، توفير وضمان فُـرص العمل للمرأة وزيادة أعداد دور حضانة الأطفال أو تأمين أشكال رعاية أخرى مُـختلفة، كما يحصل في الدول الاسكندينافية وفرنسا، وهذا من شأنه أن يشجِّـع على زيادة معدّل المواليد، وبالتالي، يخفِّـف العِـبْء عن خزينة التأمين ضدّ الشيخوخة (AVS).

ستيفانيا سومّرماتر - swissinfo.ch

الفقر في سويسرا

وِفقا لمعايير المكتب الفدرالي للإحصاء، فإن العمّـال الذين يُـعتبرون فقراء (العمال الفقراء)، هم الأشخاص من الفئة العمرية 20 - 59 عاما الذين، بالرغم من كونهم يعملون بشكل طبيعي ورسمي، إلا أنهم يعيشون تحت خطِّ الفقر.

يُـعتبر المرتّـب الشهري 2200 فرنك في سويسرا هو الحدّ الأدنى لخطِّ الفقر بالنسبة للعمال الفقراء الذين يعيشون وحدانِـيين، و3800 فرنك لأسرة مكوّنة من أحد الأبويْـن وطفليْـن تقِـلّ أعمارهما دون 16 عاما، و4000 فرنك للأسرة المكوّنة من الأبويْـن وطفليْـن.

طِـبقا للأرقام الصادرة في عام 2009 من قِـبَـل المكتب الفدرالي للإحصاء، فإن عدد العمّـال الفقراء قد بلغ في عام 2007 على مستوى سويسرا 150 ألف شخص، وهو ما يمثِّـل 4,4٪ من القِـوى العاملة.

لا يخفى حجم القلق الذي تثيره تقديرات منظمة كاريتاس، التي تعتبِـر أن واحدا من كل عشرة أشخاص من سكّـان سويسرا، يعيشون تحت خط الفقر، ويأتي في المقدِّمة، الشباب الذين ليس لديْـهم مؤهِّـلات علمية وكذلك الأسَـر كبيرة العدد.

End of insertion

السنة الأوروبية لمكافحة الفقر

لقد تمّ الإعلان عن عام 2010 ليكون السنة الأوروبية لمكافحة الفقر والعوْز.

سيتعيّـن على الحكومة أن تقوم خلال ربيع عام 2010 تقديم إستراتيجية جديدة بشأن مكافحة الفقر.

قام المؤتمر السويسري للمؤسسات الاجتماعية (COSAS) ومنظمة كاريتاس بتقديم إستراتيجيتيْـن بشأن تقليل الفقر إلى النِّـصف بحلول عام 2020، وينصَبُّ التركيز على المدى الطويل على العاطلِـين عن العمل.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة