Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

بعد عاميْن من حظر المآذن


مُسلمون سويسريون يطالبون بحقوق "المواطنة" لا "الإندماج"




لا تزال تفاعلات "مبادرة حظر المآذن" تلقي بظلالها على مسلمي سويسرا، فبعد اطلاق الحكومة لسلسلة "حوار المسلمين 2010"من أجل تطويق الشعور بالصدمة والإقصاء، أعلنت مؤسسة قرطبة في مارس 2012 عن تأسيسها "تجمّع السويسريين المسلمين" وعن برنامج عمله.

ويهتم "فضاء المواطنة" الذي يضم مسلمين من أصول سويسرية بتبادل الآراء والافكار وتقديم المقترحات، ويقدم نفسه ك"مجموعة تفكير".

وعن رعاية قرطبة لهذه المبادرة وقيامها عليها، يقول عباس عروة الذي التقته swissinfo.ch في مكتبه بجنيف: "رغم أننا في هذه المؤسسة نهتم بقضايا النزاع والسلم في العالميْن العربي والإسلامي، فإن حظر المآذن في سويسرا نبهنا إلى أنه لا يوجد مجتمع خال من النزاعات أو مطعّم ضد الخلاف".

لكن المراقب يتساءل منذ البداية لماذا هذه الخطوة والحال أن حوار شاملا فتحته الحكومة السويسرية مع المسلمين منذ عاميْن لا يزال متواصلا وقد أحرز تقدما ملحوظا.

وتجيب فلورنس لوفر، مديرة مشروعات بمؤسسة قرطبة عن ذلك فتقول: "نحن نتحدث عن رؤيتيْن مختلفيْن، وإن تعلق الامر في الحالتيْن بنفس الموضوع، وفي الوقت الذي تنظر فيه المبادرة السابقة إلى الإسلام كظاهرة واردة من الخارج، ولابد من ادماجها في المشهد السويسري، ينطلق "تجمّع المسلمين السويسريين" من كون الإسلام دين يؤمن به الكثير من المواطنين السويسريين، ولابد من أن يعاملوا على أساس المواطنة والمساواة وأن يتاح لهم المشاركة الفاعلة في الحياة العامة".

مساران متوازيان

المسار الأوّل تصدى لقضية "الإسلام في سويسرا" من خلال قراءة تفيد بأن حظر المآذن كان نتيجة لفشل مسار اندماج المسلمين في المجتمع. وبالتالي لا غرابة بعدئذ أن يفوّض ملف "الإسلام في سويسرا" إلى وزارة العدل والشرطة، وأن يتكفّل به المسؤولون بالمكتب الفدرالي للهجرة تحديدا، ثم لا يُدعى للحوار الذي فتحته هذه الجهة مع ممثلي الأقلية المسلمة سوى شخصيات مهاجرة في أغلبها من العالم العربي، ومنطقة البلقان، وتركيا، والشرق الأوسط.

في المقابل، ينطلق المسار الثاني من الاعتقاد على حد عبارة  فلورنس لوفر من أن "الاندماج ليس إلا وجه واحد من الحضور الإسلامي المتشابك في المجتمع السويسري، ولا يمكن أن يختزل باي شكل قضية الإسلام في هذا البلد".

ولذلك دعت هذه المجموعة منذ البداية إلى الفصل بين ملفيْ المسلمين والمهاجرين، وبين  الإندماج ومفهوميْ "المواطنة" و"المشاركة" الكاملة في الحياة العامة، والحق في التعبير الحر عن القناعات والتصوّرات على اساس المساواة بين الجميع.

ويتساءل الدكتور عباس عروة قائلا: "كيف يمكن أن نطالب عشرات الآلاف من السويسريين المعتنقين للإسلام ببذل جهود للاندماج، وهم من أصول هذا المجتمع ولم يعرفوا غيره كوطن أو كثقافة".

هذا التمشي ينطلق أولا من تأمّل الواقع، وفهمه للوصول لاحقا إلى الإجابة عن السؤال المتعلق بالأسباب التي أدت إلى النتيجة التي القبول بحظر المآذن، ومن هناك التوصل إلى اقتراح حزمة من التوصيات الموجهة بعناية إلى العديد من الجهات المعنية بالشأن العام.

برنامج عمل متكامل

تحتوي هذه التوصيات برنامج عمل ومقترحات شاملة ومتكاملة موجهة إلى السلطات الفدرالية وإلى الكانتونات والبلديات والأحزاب السياسية والمثقفين ووسائل الإعلام والتجمعات الدينية...وهي خلاصة مركزة لجهد تواصل عبر عقد خمس جلسات نقاش مطوّلة استمرت خلال عاميْن.

أما مضمون المقترحات، فقد تعدد وتنوّع باختلاف الجهات الموجهة لها: فبالنسبة للسلطات الفدرالية، يقترح "تجمّع السويسريين المسلمين" عليها "إشراك المسلمين بصورة منتظمة في الاستشارات المتعلقة بالمواضيع التي تخصهم"، في المقابل ينصح المنظمات الإسلامية الرئيسية "بالتعبير عن مواقفها حيال المسائل التي تعنيها"، كما يدعو السلطات الفدرالية إلى "تجاوز مفهوم الإندماج إلى مفهوم المواطنة في التعاطي مع قضايا الإسلام في سويسرا".

أما بالنسبة للكانتونات، فتوصي هذه المجموعة ب"اعداد منابر تبادل وإعلام بشكل منهجي ودوري مع ممثلي الديانات المختلفة، كما يوصي تجمعات المسلمين بدعوة الوزارات على المستوى الكانتوني إلى "الأبواب المفتوحة التي تنظمها المساجد، وإلى موائد الإفطار في رمضان، وإلى كل أنشطتها الثقافية والإجتماعية".

ولم تغفل هذه التوصيات المثقفين السويسريين "بوصفهم صانعي رأي عام"، خاصة وان التصوّرات السائدة في سويسرا عن الإسلام والمسلمين والأحكام المسبقة حولهما لم تخضع للإختبار والدراسة.  واسهاما منهم في تنوير الرأي العام، يدعو تجمّع السويسريين المسلمين الباحثين إلى "الحصول على المعلومات الموضوعية والاكاديمية في ما يخص موضوعات دراستهم بما يساهم في تفكيك الأحكام المسبقة". ويدعوهم إلى الاعتبار والإقتداء بما أنجزه الصندوق الوطني للبحوث خلال برنامج" PNR 58" والمعنون "المجموعات الدينية، الدولة والمجتمع".

وبشأن وسائل الإعلام، تضمّن التقرير النهائي تأكيدا على الدور المحوري الذي تلعبه وسائل الاعلام في نشر المعلومة، وتشكيل الرأي ونشر التسامح تجاه الأقليات الدينية والثقافية، مع تسجيل نقص إحاطة الاعلاميين بالأديان، فضلا عن افتقار تجمعات المسلمين للخبرة وللطابع المهني في التعامل مع المؤسسات الاعلامية ومع أصحاب المهنة في هذا المجال.

 ترحيب وإستعداد للتفاعل

لئن استغرق إعداد هذه التوصيات التي وزعت على نطاق واسع وقتا طويلا بحسب فلورنس لوفر: "فإنها قد لقيت ترحيبا من جميع الأطراف، وكانت ردود الفعل جيّدة ومشجعة، ولقيت اهتماما من السلطات الفدرالية وحتى من الشخصيات المشاركة في "الحوار الإسلامي 2010"".

كذلك حرصت لوفر على التأكيد على تلقي مؤسسة قرطبة لردود فعل "إيجابية جدا" من حكومات الكانتونات، وخاصة من ممثلي مفوّضيات الإندماج سواء بالمناطق الألمانية او الفرنسية على السواء.

اما عروة، فيرى أن "قيمة هذه التوصيات في كونها جاءت من تجمّع لمسلمين متحررين من كل ضغوط أو ولاءات محددة، وقد لاحظنا انها بدأت تؤتي ثمارها، حيث أدمجتها العديد من الاطراف في الأدبيات والتقارير التي سوف يرجع لها كلما طرحت للنقاش قضية الإسلام في سويسرا، وخاصة على المستوى الفدرالي".

وردا عن سؤال توجهت به إليها swissinfo.ch ، تصرّ لوفر بأن هذه التوصيات "لم تأت متأخرة، وأن فقراتها صيغت بعد أن أشبعت دراسة وتمحيصا، وهي تفتح المجال لبرنامج عمل متعدد الاوجه والابعاد في المستقبل".

وينفي الدكتور عروة بدوره نفيا قاطعا أي تنافس او توتّرا بين مبادرة "تجمّع السويسريين المسلمين" و"حوار الإسلام 2010"، بل يصرّ على تكاملهما، واحتكامهما لمنطق مجريات الامور في التقاليد السويسرية، ويقول: "تنطلق المسارات في العادة باستقلالية وبشكل مواز، وينتهي كل مسار إلى ما ينتهي إليه، ثم يجلس الجميع في الأخيرة إلى مائدة حوار واحدة للبحث عن افضل ما في المسارات المختلفة".

وعلمت swissinfo.ch أن "تجمّع السويسريين المسلمين"، وبعد تلقيه بارتياح ردود الفعل الإيجابية عن مبادرته، بدأ الاعداد لروزنامة من اللقاءات مع العديد من الأطراف المختلفة وللدخول في حوارات من أجل شرح توصياته وتفعيلها، وستكون البداية بترتيب لقاءات مع ممثلي وسائل العلام السويسرية.

"تجمّع السويسريين المسلمين"

يضم "تجمّع السويسريين المسلمين" سويسريات وسويسريين مسلمين يصل عددهم إلى حدود 25 باحثا ومفكرا وناشطا، يمثلون مناطق لغوية ومدار إسلامية مختلفة.

هذا التجمّع هو "فضاء مواطني" للحوار وتبادل الرأي وتقديم التوصيات والمقترحات، وقد تشكل بمبادرة ذاتية من الأعضاء وبشكل غير رسمي، ووجد الرعاية والإستضافة من مؤسسة قرطبة التي يوجد مقرها في جنيف، والمدعومة ماليا من طرف الحكومة السويسرية.

ينظر أصحاب هذه المبادرة إلى جهدهم كعمل مكمّل لمشروع "حوار الإسلام 2010" الذي بادرت الحكومة السويسرية بالدعوة إليه مباشرة عقب ظهور نتائج استفتاء حظر المآذن، والذي يشارك فيه ممثلين عن منظمات اسلامية وشخصيات أخرى في أغلبهم من أصول أجنبية.

منذ نشأته خلال عام 2010، بادر تجمّع السويسريين المسلمين الذي يفضّل تعريف نفسه بمجموعة تفكير بتحليل واقع المسلمين في سويسرا، وضعف حضوره في المشهد العام السويسري (الاعلامي والثقافي والسياسي رغم توسع العدد والمشاركة الفاعلة في كل القطاعات).

خلال ندوة صحفية ببرن، أعلن التجمّع نهاية شهر مارس الماضي عن اعداده لوثيقة مهمّة تتضمّن العديد والعديد من التوصيات المبوّبة بحسب اختلاف المجالات، والجهات الاجتماعية، والدينية والاعلامية، والسياسية، والثقافية الموجهة إليها.

فضلا عن توقف هذه التوصيات عند ما هو بصدد الانجاز حاليا في سويسرا من أجل تمكين المسلمين من الإندماج والمشاركة في الحياة العامة، تقدم هذه المجموعة الكثير من المقترحات لتفعيل الحضور الإسلامي وإخراجه من التهميش والإقصاء، عبر توسيع مشاركته وتفعيلها.

يظل الهدف المركزي لهذه التوصيات: انجاح العملية التواصلية داخل الأقلية المسلمة وبينها وبين بقية مكوّنات المجتمع السويسري، وأيضا تمكينها من كل الحقوق والامتيازات كبقية مكوّنات المجتمع على أساس من المواطنة والحقوق اللاّمشروطة بالاندماج مرة وبالتماهي مع الثقافة المحلية مرة أخرى، والتأكيد على قيم التعايش والاحترام والقبول المتبادل.

swissinfo.ch



وصلات

×